إلى الجنوب الإسباني، وغيره من مناطق «الفواكه الحمراء» تشد الآلاف من النسوة المغربيات الرحال بحثًا عن لقمة عيش في مواسم التوت الأرضي (الفراولة)، ويتم ذلك بشكل قانوني بناء على اتفاقيات بين الرباط ومدريد.

وفيما يظهر كل شيء في تلك الحقول الريفية جميلًا ومنمقًا، وفيما تصبغ الأيدي بحمرة هذه الفاكهة تصبغ ذاكرة العاملات المغربيات أيضًا بآلام كبيرة، آلام ناجمة عن معاناتهن من ظروف العمل التي وصلت لحد تعرضهن لاعتداءات جنسية من قبل المشغلين الذين انتهزوا حاجتهن كأرامل ومطلقات للعمل الموسمي الذي يدر عليهن دخلًا رائعًا بالنسبة لهن.

إسبانيا تفتح «باب رزق» للمغربيات

فتحت إسبانيا «باب رزق» للمغربيات الفقيرات في بداية عام 2000؛ وذلك حين اتفقت الرباط ومدريد على تبادل الهجرة الاقتصادية الموسمية، فقد كانت حاجة إسبانيا ماسة إلى اليد العاملة في الزراعة، وكذلك كانت تعنى بوقف هجرة المغاربة غير الشرعية، فيما كانت البطالة تنخر المجتمع القروي في المغرب، والذي وجدت نساؤه فرصة عظيمة في السفر من أجل قطف ثمار الفواكه الحمراء التي تشتهر بها إسبانيا.

عاملات مغربيات في إسبانيا

ورغم أن عملية مشاركة المغربيات في حصد التوت الأرضي (الفراولة) على وجه التحديد كان من المقرر أن تنتهى في العام 2012 بسبب وقف تمويل الاتحاد الأوروبي، إلا أن حاجة المغربيات لمصدر رزق دفعت نحو الاستمرار، فهن في الغالب من الفئات الأكثر هشاشة في المغرب، من فئة الأرامل والمطلقات، ومن شأن عمل ما يقرب من 16 ألف مغربية في هذا العمل الموسمي أن يعود بأرباح على خزينة الدولة.

وقد قررت إسبانيا زيادة عدد العاملات من المغربيات بشكل كبير، ففي الموسم الحالي قرر مزارعو إقليم ويلفا الإسباني الاستعانة بنحو 16 ألفًا من العاملات المغربيات، وذلك بسبب انتعاش الاقتصاد الإسباني، وبذلك يرتفع عدد العاملات خلال الخمس سنوات الأخيرة من 3 آلاف عاملة إلى أكثر من 15 ألف كمعدل سنوي.

حاجة الحقول الإسبانية إلى اليد العاملة تصل إلى حوالى 70 ألفًا لجني الفراولة وحدها، يتوفر منها محليًا 37018 فقط، وقد تسبب نقصان اليد العاملة في جني الفراولة قبل عام في ضياع جزء هام من المحصول، وتحتل المغربيات النسبة الأكبر من بين العمالة الخارجية التي تصل إسبانيا للعمل في الزراعة.

ومن شروط العمل في هذه الحقول، حسب الاتفاق بين الحكومة المغربية والتعاونيات الإسبانية أن تكون النساء متزوجات ولديهن أطفال، وأن تتراوح أعمارهن بين 30 و40 عامًا؛ لضمان عودتهن إلى المغرب، كما يشترط أن يملكن خبرة في مجال جني الفراولة، ويتم نقل أفواج المغربيات اللاتي خضعن لشروط العمل للإقامة في إسبانيا مدة ثلاثة أشهر، بدء من شهر مارس (آذار) حتى شهر يونيو (حزيران) من كل عام، حيث ينتهي موسم الجني.

هكذا يُكرّس التعليم في المغرب للفوارق الطبقية

في إسبانيا .. لا حقوق للعاملات المغربيات 

يظهر مقطع فيديو مصور عاملة مغربية أخفت ملامحها، تقول إنها تعرضت لاعتداء بالضرب وتهديد بالقتل على يد مسئول مغربي في أحد حقول جني الفراولة في ويلبا بجنوب إسبانيا، قالت هذه السيدة المستاءة أيضًا من صمت زميلاتها على معاملتها خوفًا من عدم إحضارهن مرة أخرى: إن «جوازات سفر العاملات يتم سحبها منهن فور وصولهن، وأنه يتم إجبارهن على العمل على الرغم من التعب والمرض».

هذه الشهادة غيض من فيض لما تتعرض له العاملات في الحقول الإسبانية؛ إذ يشدد الحقوقيون المغاربة على أن هناك انتهازية للحكومة الإسبانية التي تستغل حاجة العاملات المغربيات للعمل؛ لتحقيق مكاسب، دون أن تلتفت إلى تحمل مستحقات وحقوق العاملات، كذلك من جانب الحكومة المغربية التي تتذرع بأن إقامة العاملات المؤقتة لا تستدعي التدخل والتحقق من العديد من الاعتداءات الجسدية والجنسية التي سجلت ضد عاملات بمزارع الفراولة.

فرغم أن المغربيات هن الأكثر إنتاجية في حقول الفراولة الإسبانية، إلا أنهن الأدنى كلفة بالنسبة للجنسيات الأخرى؛ إذ تتراوح أجورهن ما بين خمسة وستة يورو في الساعة، وهن يتعرضن للسب والشتم والعنف الجسدي، ويمنعن من إقامة علاقات تواصلية خارج نطاق الحقول، ويتعرض للتهديد بالطرد، وبعدم تشغيلهن في المواسم المقبلة، كما تعاني المغربية العاملة من عدم الاستفادة من التأمين عند التقاعد، وهن لا يطالبن بحقوقهن؛ لكونهن في الغالب أميات، ولا يتحدّثن الإسبانية.

وتعمل المغربيات في هذه الحقول «لأكثر من 10 ساعات يوميًا مقابل 20 يورو، إضافة إلى ظروف عيشهن المزرية؛ إذ تقطن كل ست عاملات في مكان غير لائق بالسكن»، حسب بيان نقابة «اتحاد عمال الأندلس» الإسبانية، ويعيش العشرات منهن في ظروف مزرية على مستوى أماكن الاستحمام، وتسرب المياه إلى غرفهن.

مغربيات في حقول الفراولة (المصدر: صحيفة «الإسبانيول» الاسبانية)

ويؤكد الناشط الحقوقي عبد الإله الخضري على ذلك قائلًا: «لا يوفر التعاقد حماية كافية للعاملات الموسميات، حيث إن الأيام التي لا يشتغلونها في أغلب الحالات ليست مدفوعة الأجر، وليس هناك معاش تقاعدي بالنظر إلى محدودية مدة العمل، ولا يحق لهن التمثيل النقابي للدفاع عن حقوقهن في ظل ظروف عمل غير مناسبة».

ويضيف لـ«العربي الجديد»: «هذا النظام الموسمي للهجرة ينطوي على انتهاكات جسيمة لحقوق عاملات الفراولة اللاتي يجدن أنفسهن في ظروف عمل غير إنسانية، بسبب انتشار ظاهرة التمييز وظروف السكن غير اللائق، وعدم مراقبة أجواء العمل، كما أن مقتضيات عقود العمل هذه تجعلهن رهينات كليًا لمشغلهن، ولوسطاء سماسرة، يتسببون لهن بالكثير من المعاناة والاستغلال».

طالب اصطحب حمارًا إلى المدرسة.. العنف في المدارس المغربية يتصاعد بلا رادع

الاعتداءات الجنسية مقابل العمل

بعد أشهر قليلة مضت على بدء موسم جني الفراولة الأخير خضعت 185 سيدة للإجهاض في مستشفى تابعة لمحافظة هويلفا لإسبانية المشهورة بزراعة الفراولة، منهن 90% من العاملات الأجنبيات في تلك الحقول.

عاملة تعرضت لاعتداء (المصدر : موقع اليوم 24)

في تحقيق صادم نشرته صحيفة «إسبانيول» الاسبانية ظهر ارتفاع كبير لحالات الإجهاض التي تجرى في منطقة بمنطقة هويلفا (غرب إسبانيا) خلال السنوات الأخيرة، فحوالي 90% من النساء اللاتي يقمن بعمليات الإجهاض هن أجنبيات، ولسن إسبانيات، ورغم عدم تحديد جنسية تلك النساء، إلا أن ذات التحقيق كشف شهادات لعاملات مغربيات من ضواحي الدار البيضاء، وبني ملال، وطنجة، أكدن على تعرضهن للاستغلال الجنسي من قبل بعض المشغلين في مزارع الفراولة بالمنطقة.

وذكر التحقيق أن المشغلين اشترطوا على بعض العاملات ممارسة الجنس معهم إذا أردن الاستمرار في العمل، وتؤكد الصحفية على أن بعض النساء تعرضن لمحاولات الاغتصاب بشكل عنيف، وحسب التحقيق فإن «عددًا من العاملات يضطررن لقبول نزوات المسيرين، في حين تعرض عدد منهن للطرد بسبب رفضهن الرضوخ لهذا الاستغلال الجنسي».

فيما نشرت صحيفة «إلباييس» شهادة لعاملة مغربية حامل في شهرها السادس تعرضت لاعتداء جنسي من قبل صاحب العمل الذي داهم منزلها، وذكرت السيدة: «كنت في البيت أنا وسيدة أخرى، إلى أن دخل الرجل المكان، وأمسك بي من بطني. قلت له ابتعد عني أنا حامل، لكنه قال لي: إن هذا ليس بمشكل، يمكن أن نمارس الجنس الفموي أو نمارس الجنس من الخلف».

وأضافت وهي تؤكد على رفضها تلبية طلبه: «أحسست بالدوار، وبدأت أصرخ وأنادي على صديقاتي كي يخرجنه من البيت، ومنذ ذلك الوقت ونفسيتي مريضة»، وسبق أن أكدت مصادر مغربية على حقيقة الاستغلال الجنسي من قبل المشغلين لحاجة العاملات بهذا العمل الموسمي، فأكدت مجموعة من الجمعيات النسائية المغربية أن «التجارب السابقة أظهرت أن عددًا من الفلاحات المغربيات تم استغلالهن من طرف مافيا الاتجار بالبشر، مستغلين أميتهن وظروفهن الاجتماعية الصعبة من أجل دفعهن لامتهان الدعارة مقابل وعدهن بالاستمرار على الأراضي الإسبانية».

ونفت وزارة الشغل والإدماج المهني في المغرب وجود حالات اعتداء جنسي تعرضت لها العاملات الموسميات المغربيات، ولم تكن الحكومة المغربية وحدها من فندت حقيقة تعرض العاملات للاعتداءات الجنسية، بل انضمت لها بعض العاملات المغربيات اللاتي اتهمت زميلاتهن بادعاء التعرض لاعتداءات جنسية بغية الحصول على بعض الحقوق وفقًا للقانون الإسباني، كوثائق إقامة، وعدم الترحيل، والحصول على امتيازات اجتماعية، وقالت تلك العاملات اللاتي بلغ عددهن 131 في بلاغ إلى الحرس المدني الإسباني: إن «ادعاء مغربيات بالتحرش يجلب مشاكل لعاملات أخريات، ويشوه صورة البلاد».

لماذا لا يتبرع المغاربة بالدم؟

البرلمان الإسباني يفتح ملف الاعتداءات الجنسية ضد المغربيات

فيما لن تهدأ الضجة الإعلامية حول تعرض العاملات للاعتداءات الجنسية، سارعت بعض المغربيات العاملات في حقول الفراولة للتقدم بأربع شكاوى للمدعي العام الإسباني، تتضمن اتهام لمشغلهن بالاعتداء الجنسي عليهن أثناء عملهن في حقول الفراولة بمدينة هويلفا، وبالفعل فتح القضاء الإسباني تحقيقًا إثر هذه البلاغات، ويرى المراقبون أن هذه الاستجابة كانت لتخويف مدريد من ردود فعل المجتمع المدني في أوروبا؛ إذ من الممكن أن يعلن مقاطعته لمنتجات الفواكه الحمراء والفراولة الإسبانية في حال تم تجاهل التعامل مع القضية.

وعمليًا، تمكنت الشرطة الإسبانية من توقيف مشرف حقل إسباني، ورغم اطلاق سراحه إلا أن الإجراءات القضائية مستمرة بحقه، ويبلغ المتهم السابعة والأربعين من العمر، وهو مدير إنتاج في إحدى الضيعات الفلاحية بالمنطقة، وإثر التحرك الإسباني وجهت انتقادات عدة للحكومة المغربية لعدم تعاطيها الجدي مع شكاوى المغربيات، ووصل الأمر إلى نفي الوزير المسئول لحقيقة وجود اعتداءات جنسية ضد العاملات.

فقد نقل عن وزير الشغل والإدماج المهني المغربي، محمد يتيم، قوله: «لا يوجد اعتداء جنسي ضد المغربيات؛ لأن السلطات الإسبانية حازمة في هذه القضايا، التحرشات محدودة وأصحابها متابعون في القضاء، لذلك ينبغي أن ننتظر كلمة القضاء لنتبين أنها ثابتة»، كما أضاف: «كل عملية التشغيل تحيط بها بعض السلبيات؛ وحتى في المغرب يمكن أن تكون حالات شاذة للتحرش والإساءة، وما نشر حول القضية نتابعه؛ لأن الأمر بيد القضاء، والحالات محدودة»، لكن يتيم تراجع عن موقفه بعد فتح إسبانيا تحقيقًا، وأقر بأن «العاملات المغربيات بالفعل تعرضن لحالات تحرش، وعددهن ما بين 10 و12 حالة».

«مجموعة الموت» ليست في المونديال فقط.. 4 حروب سابقة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال

المصادر

تحميل المزيد