على غرار «بؤساء»رواية فيكتورهيغو،في نهاية 2014 حكم على خادمة تشتغل في منزل والية (محافظ) بمدينة القنيطرة المغربية بستةأشهر وغرامة مالية

على غرار «بؤساء» رواية فيكتور هيغو، في نهاية 2014 حكم على خادمة تشتغل في منزل والية (محافظ) بمدينة القنيطرة المغربية بستة أشهر وغرامة مالية، أدينت الخادمة التي تنتمي إلى أسرة فقيرة قروية بتهمة سرقة قطعة لحم من مطبخ السيدة «الوالية»، ظنا منها أنه لا بأس من أخذ قليل من اللحم لسد رمق أسرتها الفقيرة، ولولا تدخل المراكز الحقوقية على الخط لكانت قابعة في أحد زنازين النساء من أجل قطع لحم.

ومع بداية 2016 قام شاب مغربي بتصوير فيديو، يكشف فيه الغش والتلاعب الذي حصل في تعبيد أحد شوارع منطقته، وبدل محاسبة المسؤولين عن فضيحة الفساد تلك، تم اعتقال الشاب وإيداعه السجن، قبل أن يطلق سراحه هو الآخر بعد حملات التضامن الشعبية التي خلفها خبر اعتقاله.

لعل الحادثتين تمثلان بداية جيدة لإدراك لمحة أولية عن الطريقة التي يشتغل بها القضاء بالمغرب، الجهاز الذي «لا يحظى لا بثقة المواطنين ولا بثقة المستثمرين» كما يورد تقرير تراسبرانسي.

وقد أثير ملف القضاء بالمغرب في الفترة الأخيرة على خلفية عزل القاضي محمد الهيني، المعروف بآرائه السياسية الجريئة وقراراته القضائية الشعبية، والذي غادر يوم إقالته المحكمة بدراجة وسط حشود المتضامنين في مشهد مشابه لما حدث مع وزيرة العدل الفرنسية المقالة كريستيان توبيرا صباح مغادرتها مقر وزارة العدل.


و إذا ما شئنا تناول الأعطاب التي تشوب المنظومة القضائية المغربية بشكل مبسط، فيجدر بنا طرح ثلاثة عناصر أساسية مترابطة فيما بينها.

1- سؤال الاستقلالية

استقلالية القضاء هي أحد الشروط البديهية لعمل أي جهاز قضائي بشكل طبيعي، واستقلالية القضاء تعني ببساطة فصله عن السلطة السياسية، بحيث يمكنه ممارسة مهامه القضائية بشكل مستقل وبعيدا عن إمكانية تأثير السلط الأخرى (التشريعية أو التنفيذية).

وقبل دستور 2011 كان القضاء بالمغرب موغلا في اللاستقلالية، ثم جاء الدستور الجديد لينص على استقلالية القضاء، دون أن يقطع بشكل تام تداخله مع السلطة السياسية بالبلاد.

في هذا السياق كان القاضي محمد الهيني المعزول قد عارض مشروع الإصلاح القضائي الذي تعزم وزارة العدل مباشرته، لما يحتوي من بنود تمس استقلالية القضاء وحرية التعبير، منها المادة 97 من مشروع النظام الأساسي للقضاة التي تمنح الحق لوزارة العدل بإقالة القضاة إذا ارتكبوا خطأ جسيما، دون تحديد ماهية هذا «الخطأ الجسيم» بدقة، ما قد يجعل عمل القاضي مرتهنا بالسلطة السياسية التي قد تستغل ذلك « العبارة الفضفاضة» لمعاقبة القضاة غير السائرين على نهجها.

وتصف دراسة أعدتها جمعية «عدالة» حول «استقلالية السلطة القضائية بالمغرب» الجهاز القضائي بالبلد، بأنه يعاني من «قصورعلى مستوى سيْر المحاكم، وضعف في النظام القضائي».

في نفس السياق أصدرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في سبتمبر 2010 تقريرا أسود مكونا من 66 صفحة حول القضاء في المغرب، أوردت فيه أن «النظام القضائي المغربي يخضع للتأثير السياسي» لافتة إلى «الميكانزمات التي يتم بها تعيين القضاة، والحركة الانتقالية في صفوفهم، والإجراءَات التأديبية، تجعلهم يتخوفون من الانتقامات السياسية».

وعلى الرغم من تسجيل تقدم ملحوظ لاستقلالية القضاء على مستوى الديباجة بعد دستور 2011، غير أنه واقعيا لا يزال متخبطا في التدخلات الخارجية بسبب التأخر في إصدار قوانين تنظيمية موضوعية، وكذا طغيان الثقافة السائدة الممثلة في التأثير السياسي على القضاة بشكل أو بآخر.

2- سؤال النزاهة

لعله من الأشياء التي يدمن عليها المغرب، أنه يضمن دائما مقعدا له في فئة «مستوى فساد عال جدا» لدى تقارير منظمة «الشفافية الدولية» المعنية بالفساد، إذ يغطي هذا البعبع الذي ينخر الدولة والمجتمع جميع القطاعات تقريبا، والقضاء المفترض به محاربة الفساد ليس استثناء!
تقول منظمة «ترانسبرانسي المغرب» في تقرير أعدته مع بداية العام الجديد بأنه «لا يزال القضاء المغربي كما هو، لاسيما من حيث الاستقلالية والحكامة الرشيدة» معتبرة إياه «غير قادر على القيام بمكافحة فعالة للفساد».

وكان الفرع المغربي لمنظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) قد صدم المغرب، عندما أكد في إحصائية له بأن %70 من المواطنين المغاربة يعتقدون أن الفساد مستشر في القضاء، معتبرا التقرير أن «القضاء مؤسسة تعتريها الرشوة بشكل كبير».

ورسم المجلس الأوروبي في تقرير أعده بطلب من الدولة المغربية خلال 2014 صورة قاتمة للفساد بالقضاء المغربي، حيث رصد «أن القانون المغربي الحالي ما زال يسمح بحماية المفسدين، وعلى رأسها رشاوى القضاة والأمنيين»، معيبا على القانون المغربي عدم تضمنه قوانين زجرية تمنع القضاة من تلقي الهدايا.

ومن الجدير بالذكر أن محكمة الاستئناف بولاية تكساس الأمريكية قد رفضت تنفيذ حكم صادر عن محكمة مغربية ضد رجل أعمال أمريكي، باعتبار أن القضاء المغربي على حد قولها «ليس مستقلا، ويعاني من استفحال الفساد، ويخضع لنفوذ السلطة السياسية»، وذلك بعد أن رفضت المحكمة الابتدائية الفيدرالية تنفيذ حكم قضائي مغربي يدين رجل أعمال أمريكي بتعويض قدره 123 مليون دولار أمريكي، لصالح شركة “مغرببتروليوم” وصندوق الاستثمار”ايمايفايم”،على خلفية القضية المعروفة بـ”كذبة بترولتالسينت”،وعللت رفضها لنفس السبب.

لكن هذا لا يمنع وجود فئة مهمة من القضاة والمهتمين بالسلك القانوني لديهم رغبة عازمة في مكافحة الفساد والرشوة داخل قطاعهم، وسن مدونة قضائية أخلاقية ترفع بقيم النزاهة والشفافية إلى المكانة التي تليق بجهاز مثل القضاء.

3- سؤال الكفاءة

من المعلوم أن المغرب يصطف في ذيل التقارير الدولية المعنية بالتعليم، بجانب بلدان تعيش حروبا (العراق) ومجاعات (الجيبوتي)، وأن الجامعات المغربية عادة ما يتجاوز ترتيبها الألفين في التصنيفات العالمية للجامعات، ومن ثم فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك في كفاءة المتخرجين من المهنيين الذين من بينهم القضاة، باعتبار التعليم محطة أولية للتكوين وتلقي المعرفة.


يتكفل المعهد العالي للقضاء بتأهيل القضاة الجدد المتخرجين من طلبة القانون، كما يتحمل مسؤولية التكوين المستمر والمتجدد لقضاة المغرب، بيد أنه من الواضح أنه يعاني من اختلالات في نظام التكوين وضعف الفعالية، لكن في نفس الوقت هذا لم يمنع وجود كفاءات قانونية كبيرة في المغرب.

يمثل القضاء في الدول المتقدمة التجسيد الحقيقي للنظام الديموقراطي لديها، والجدار الأول والأخير الذي يحمي القانون والحقوق، ومن ثم ليس من الغريب أن نشاهد رؤساء ووزراء ونجوم ومشاهير ورجال أعمال كبار يقتادون إلى المحاكم كأي مواطن عادي، لكن عندما يصبح هذا الجهاز موضع تساؤل وشكوك كالشأن مع كثير من دول العالم الثالث، فإنه بالتأكيد سيفقد فاعليته، هذا إن لم يستعمل كأداة لـ «شرعنة»الفساد والاستبداد.

لذلك، وفقما يؤكد المراقبون دوما، فإن القضاء هو القلعة التي لا ينبغي أن تدخلها سوسة الفساد أو ضعف الكفاءة أو التدخلات السياسية مهما كان حال البلد، وإذا حدث العكس، فإنه يعني غياب رادع للفساد والاستبداد في باقي القطاعات، كما يوسع ذلك هوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد