كما يحدث في كل رمضان، يتعالى من جديد الجدل حول مستوى برامج التلفزيون المغربي، التي يبثها في الشهر الفضيل

كما يحدث في كل رمضان، يتعالى من جديد الجدل حول مستوى برامج التلفاز المغربي، التي يبثها في الشهر الفضيل، خصوصًا حول برامج الترفيه ومسلسلات الدراما، المتعرضة لسيل من الانتقادات، لمستواها الفني المتدني، في ظل تساؤلات حول معايير إنتاج البرامج، وانتقاء المواد الإعلامية.

برامج رمضان على الشاشة المغربية

كالعادة، طغت برامج الترفيه على القنوات المغربية في رمضان، واستأثرت بأوقات الذروة، مثلما تشغل الحيز الأكبر على الشاشة المغربية، أما بالنسبة للمسلسلات الدرامية، المعروضة على القنوات المغربية، فعرفت تنوعًا بين القديم والجديد، وبين المحلي والأجنبي.

برز، في إطار مواد الترفيه، البرنامج الفكاهي «لوبيراج»، بفريق عمل مكون من دنيا بوتازوت، وعزيز حطاب، ومجدولين الإدريسي، وأيضا برنامج «أنا ومُنى ومنير»، من بطولة دنيا بوتازوت، وعزيز حطاب، وفضيلة بنموسى، بالإضافة إلى الكاميرا الخفية «مشيتي فيها»، التي وجهت لها اتهامات بالفبركة المسبقة.


أما على صعيد المسلسلات، فتعرض القناة الثانية مسلسلًا جديدًا، بعنوان «سر المرجان»، وبالنسبة للقناة الأولى، فقد اختارت تكرار مسلسل «وعدي»، الحائز على مشاهدات عالية في رمضان الماضي، بينما فضلت قناة «ميدي 1 TV» الاستعانة بالدراما المصرية، لتعزيز شبكة مسلسلاتها في رمضان، حيث تبث مسلسلي «أوراق التوت» و«نص يوم»، بالإضافة إلى دراما مغربية بعنوان «الغول»، تتناول قصة مافيا المخدرات بالمغرب.

انتقادات واسعة للتلفزة المغربية في رمضان

واجهت برامج القنوات المغربية، المعروضة خلال رمضان، سيلًا من الهجوم اللاذع، من قبل الجمهور والنقاد، لمستواها المتدني، حتى وصل الأمر ببعض رواد موقع التواصل الاجتماعي، «فيسبوك»، لشن حملة مقاطعة للتلفاز المغربي، تحت شعار «رمضان بدون تلفزيون».

وكتبت صحيفة «المساء» المغربية، في عمودها الافتتاحي، بأن البرامج الرمضانية المذاعة على التلفاز المغربي، في شهر رمضان «وفية للرداءة، خاصة منها الفكاهية والسيتكومات، العالقة في الابتذال والارتجال»، مضيفة أن معدي البرامج الرمضانية «يعدون المشاهد بشيء واحد هو «الضحك»، رغم أن هذا التوجه يطرح هو الآخر أكثر من علامة استفهام، لكنهم يفشلون حتى في تحقيق ذلك، ليصلوا إلى السخافة».

من جهتها، عبرت الجمعية المغربية لحقوق المشاهد، على لسان عبد العزيز بن عبو، عن استيائها من البرامج المقدمة في رمضان، واصفة إياها بـ«استهتار بالمشاهد المغربي، والضحك على ذقنه، وتكرار سنوي للرداءة والبشاعة في أوقات الذروة».

في هذا السياق، أيضا وصف الناقد الفني، مصطفى الطالب، برامج رمضان المعروضة على الشاشة المغربية بـ«الارتجالية والسطحية وضعف المضامين»، بينما يرد أحد معدي البرامج التلفازية، إدريس الإدريسي، بأن معظم هذه الانتقادات «غير موضوعية ويتحكم فيها منطق الريع، كما أنها تغفل الجوانب الإيجابية».

على جانب آخر، ذكرت مؤسسة «ماروك متري»، المعنية بقياس نسبة مشاهدة القنوات المغربية، أن القنوات المغربية استقطبت أكثر من 74% من المشاهدات، في الأسبوعين الأولين من رمضان، بفضل البرامج الفكاهية، وهو ما يعكس مفارقة غريبة، إذ من جهة تتعرض برامج الفكاهة بالذات لنقد شديد، من طرف الرأي العام المغربي، ومن جهة أخرى تحظى بمتابعات واسعة من طرف الجمهور!

وتحيلنا هذه المفارقة إلى «حالة الفصام»، التي يبدو أن المتلقي المغربي يعيشها، بالإضافة إلى ما يطلق عليه «فساد الذوق»، كما أن هذا الأمر يجعل القائمين على التلفاز المغربي، في وضع مريح، ما دامت المواد الإعلامية الرمضانية تجلب مشاهدات جيدة، وبالتالي الحفاظ على المعلنين ونسب الإعلانات، تبعًا لارتفاع نسب المشاهدة.

فيما يفضل قسم آخر من المغاربة، الهجرة إلى القنوات العربية، لمتابعة برامج ومسلسلات رمضان، أو إمضاء الوقت على شبكة الإنترنت، بدلًا من التلفزة المغربية.

ويُرجع البعض رداءة البرامج الرمضانية، على الشاشة المغربية، إلى إنجازها على عجل، في الفترات الأخيرة قبل رمضان، ما يفقدها المضمون والجودة والإبداع، على الرغم من الأموال الطائلة المنفقة عليها، والمسددة بشكل كبير من قبل دافعي الضرائب في المغرب.

أسباب متعددة لضعف الإنتاج الفني بالمغرب

لا تقتصر هزالة الإنتاج التلفازي بالمغرب، على شهر رمضان فقط، وإنما تمثل ظاهرة مستمرة طوال الوقت، ما عدا بعض البرامج الاستثنائية، المالكة لاحترام الجمهور، محليًا وخارجيًا. وإذا كان هناك سبب لرداءة المنتوج المغربي التلفازي، فبالتأكيد يعود إلى ضعف المجال الفني بالمغرب، بشكل عام، المرتبط بدوره بغياب البيئة السياسية والثقافية والاقتصادية، القادرة على احتضان البرامج الهادفة والمبدعة.

يعد المغرب إحدى الدول القليلة في العالم، التي لا تزال تحتكر القطاع التلفازي، ولا تسمح بإنشاء القنوات الخاصة، كما هو شائع في البلدان العربية، ومن ثمة فجميع القنوات المغربية الموجودة، هي ملك عام للدولة، ويمولها المغاربة من ضرائبهم. وضع لا يوفر بيئة صالحة، لتطوير المنتج الفني المغربي، إلى أن يتم تحرير القطاع السمعي البصري، حيث لا يمكن للإبداع والإنتاج الجيد أن يزدهرا، إلا في مناخ الحرية والتنافسية.

ويشير الممثل المغربي، بن عيسى الجيراري، إلى عامل آخر من أسباب الرداءة، وهو غياب النصوص الجيدة والمبدعة، بحيث تغرق معظم الإنتاجات التلفازية المغربية، في «الشعبوية والتسطيح والنمطية»، في غياب تام لاتجاهات فنية نوعية، ما يحيل إلى أن الوسط الفني المغربي يعيش أزمة تأليف بالأساس.


في ذات السياق، يفصل الناقد المغربي، مصطفى المسناوي، أسباب ضعف الإنتاج الفني المغربي، كمًا وكيفًا، في كتابه «أبحاث في السينما المغربية»، فيقول: «التحدي الأكبر الذي تواجهه السينما المغربية، هو أن توجد أولًا، وأن تربطها في النهاية علاقة وثيقة بمشاهديها»، في إشارة منه إلى وجود أزمة أساسية، تعيشها السينما المغربية. ويضيف بأن البث الفضائي، كشف للمتفرج المغربي قيمة إنتاج تلفازه المحلي، مقارنة مع الأجانب أو حتى العرب.

ويرى مصطفى المسناوي الدور الذي ينبغي أن يلعبه التلفاز المغربي، ممثلًا في معرفة الإنسان المغربي لذاته، وسط دوامة التحولات المحلية والعالمية، بدلًا من أن يساهم التلفاز في مفاقمة شعور الاغتراب لدى المواطن، مع ذاته، ومع الآخر المختلف عنه، ومع العالم.

المصادر

تحميل المزيد