انتشر في الأيام القليلة الماضية على الصفحات المغربية فيديو يظهر فيه ثلاثة شبان بلباس شبابي وقد وصلوا لتوهم إلى ألمانيا، يخاطبون الملك محمد السادس مترجين إياه أن لا يعيدهم إلى البلد، مرددين أن كل ما يريدونه هو فقط أن يؤسسوا مستقبلهم ويعودوا إلى الوطن، ليختتموا كلامهم بـ«عاش الملك».

سجل العام المنصرم وصول آلاف المغاربة اللاجئين إلى ألمانيا والسويد والنمسا، مستغلين موجة هجرة اللاجئين السوريين والعراقيين نحو أوروبا عبر تركيا، شأنهم في ذلك شأن كثير من المهاجرين الباكستانيين والجزائريين والتونسيين وجنسيات أخرى، لمزيد من التعمق في هذا السياق، يمكنك قراءة موسم الهجرة إلى الشمال: كيف غدت «جبة» اللاجئ السوري طريقًا للهجرة؟

بيد أن الحظ لم يبتسم كثيرا للاجئين المغاربيين، فما لبثت أن تراجعت ألمانيا والسويد والنمسا عن إمكانية قبولهم باعتبارهم لاجئين، وحاولت جاهدة تلك الدول التفاوض مع حكومات بلدانهم الأصلية من أجل ترحيلهم، ولا سيما المتورطين منهم في جرائم جنائية، وقد قبل المغرب إعادة بعض مواطنيه اللاجئين بطلبٍ من كل من السويد وألمانيا، وهو ما أثار حنق العديد من المغاربة اللاجئين هناك خشية العودة إلى بلدهم، بعدما اجتازوا رحلة محفوفة بالمخاطر للوصول إلى مبتغاهم.

السويد والقاصرون المغاربة

اشتكت السويد منذ شهور المغرب من أطفاله المشردين، حيث تقول الشرطة السويدية إنه سجل دخول 800 قاصر مغربي الأراضي السويدية في 2015، منهم 200 قاصر يتجولون بالعاصمة ستوكهولم، ينشطون بأعمال السرقة والمخدرات بالمحطة الكبرى بالعاصمة.


وأعد معهد «غاتستون» تقريرًا حديثًا في هذا الصدد، يقول فيه إن «جل الأطفال المغاربة قادمون من طنجة والدار البيضاء ويتعاطون المخدرات والخمر في سن مبكرة ما يجعلهم لا يحترمون السلطات السويدية»، يضيف التقرير أن معظمهم يفر إلى الشارع، خصوصًا بالعاصمة ستوكهولم، مفضلين إياه على المنازل المخصصة لإيواء اللاجئين.

وكانت مجموعة ملثمة من الشباب السويدي قد هاجمت القاصرين المغاربة المنتشرين بمحطة ستوكهولم الأسبوع الماضي بغية طردهم، ما استدعى استنفار الشرطة السويدية بالمروحيات وتكثيف عناصر الشرطة لمطاردة المجموعة المتطرفة، حيث ألقوا القبض على بعض منهم.

وبعد محاولات فاشلة، حاولت فيها السويد إقناع المغرب باستقبال أطفاله المشردين، توصل البلدانِ أخيرًا إلى اتفاق بينهما، تعهدت فيه الحكومة السويدية بتقديم دعم مالي للمغرب من أجل استقبال القاصرين المعنيين بشكل لائق، حيث قال وزير الداخلية في هذا السياق «لا نريد أن يتيه هؤلاء الأطفال في شوارع الرباط عندما يتم ترحيلهم من السويد».

وربط بعض المراقبين قبول المغرب لهذا الاتفاق بتراجع السويد عن الاعتراف بما يسمى «جمهورية الصحراء الغربية» المتبنية من طرف البوليساريو، بعد أن بلغت العلاقة الدبلوماسية بينهما ذروة التوتر نهاية العام الماضي بسبب قضية الصحراء.

لاجئون مغاربة في ألمانيا

برزت لأول مرة قضية اللاجئين المغاربيين في ألمانيا خلال «أحداث كولونيا» في احتفالات رأس السنة، حيث اشتبه في قيام المئات منهم بأعمال تحرش وسرقة ضد نساء وفتيات ألمانيات، ومنذ ذلك الحين عملت السلطات الألمانية على فلترة قبول طلبات اللجوء، بعد أن كانت تقبل معظمها لدواع إنسانية دون تدقيق أو تمييز بين الجنسيات المتقدمة باللجوء.

وتماشيًا مع ذلك، صنفت الحكومة الألمانية كلًّا من المغرب والجزائر وتونس بوصفها «بلدانًا آمنة»، ما يعني اندثار حظوظ مواطني هذه البلدان في قبول طلبات لجوئهم، وبالتالي ترحيلهم.


إلا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وجدت في بداية الأمر صعوبة في إقناع حكومات تلك البلدان بقبول إعادة مواطنيها، قبل أن تهددهم بقطع مساعدات البرنامج الإنمائي التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لدول شمال إفريقيا.

وتشير تقارير إعلامية مستندة لإحصائيات مسؤولين بأن عدد المغاربة الذين وصلوا إلى ألمانيا خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام المنصرم بلغ 10 آلاف مغربي لاجئ، بالإضافة إلى ألفي حالة في وضعية غير قانونية.

وينظر الإعلام الألماني إلى لجوء آلاف المغاربة بغرابة، حيث لا يفهمون كيف لبلد لا يعيش حالة حرب أن تطلق منه موجة هجرة جماعية بهذا الشكل.

ما سبب لجوء آلاف المغاربة إذن؟

تعد ظاهرة الهجرة بالمغرب عموما هي ظاهرة قديمة، إذ ما يقارب سدس مجموع المواطنين المغاربة يقيمون ببلاد المهجر؛ حوالي 4,5 ملايين مهاجر، موزعين على بلدان أوروبا، ولا سيما فرنسا وهولندا.

لكن لجوء الآلاف من الشباب المغربي خلال العامين الماضيين، يطرح أسئلة أليمة، لماذا تهاجر أعداد هائلة في بلد يعتبر «آمنًا»؟!

إذا ما نظرنا إلى المعدلات المتعلقة بالاقتصاد المغربي وفق الإحصاءات المقدمة من السلطات الرسمية، فإنها تبدو مقبولة وليست بالخطيرة، لكن الوضع في الواقع يخالف ذلك تماما، حيث يضرب الفقر والبطالة أطنابه في المجتمع المغربي، ومن ثم وجد كثير من الشباب فرصتهم للنزوح مع السوريين إلى ألمانيا بغية تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

عزز هذا الطريق الصورة الذهنية عن ألمانيا والسويد الشائعة بين الشباب المغربي، خصوصًا القاطنين منهم بالمناطق الفقيرة والشعبية، كـ«جنة للرفاه والاستمتاع بالجنس».

كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا رئيسًا في التسبب بموجة لجوء آلاف المغاربة، إذ شكلت قصص المغاربة الواصلين إلى ألمانيا والسويد، والذين يعمدون إلى نشر صورهم ومنشوراتهم معبرين بفخر عن الوصول لمبتغاهم؛ حافزًا إضافيًا لأقرانهم ومعارفهم ليحذوا حذوهم، حتى أصبحت رحلة اللجوء إلى ألمانيا بمثابة «موضة» للشباب المغربي في الوقت الراهن، ولا سيما مع ظهور صفحات عديدة توفر خارطة طريق للراغبين بالهجرة إلى ألمانيا عن طريق اللجوء بجانب السوريين.

دفعت البطالة المستفحلة، والتعليم الفاشل، وانعدام الفرص؛ الكثير من الشباب المغربي إلى اختيار الهجرة طريقا لبناء حياة أكثر أمانًا ورفاهية، وإن استدعى ذلك المخاطرة بركوب الأمواج. وبسبب الأداء المحبط للحكومة المغربية في توفير فرص شغل وتحسين حياة المغاربة، يبدو أن ظاهرة الهجرة السرية للعديد من الشباب المغربي مستمرة، هذه المرة عبر ليبيا التي لوحظ مؤخرًا ازدياد رحلات المغاربة إليها، بعد تشديد الخناق في اليونان ومقدونيا.

المصادر

تحميل المزيد