مثل كل عام عادت حرب الطماطم بين فلاحي المغرب ولوبيات الفلاحة في أوروبا؛ لتبدأ مع وصول الفةرة الذهبية لتصدير الطماطم، والتي تمتد من شهر يناير (كانون الثاني) إلى شهر مارس (آذار)، حيث تواجه الطماطم المغربية تحديات جمة، انعكست في غلاء سعرها إلى الضعف خلال الأسابيع الأخيرة.

الطماطم المغربية معرضة للخسائر

تلقت فلاحة الطماطم في المغرب ضربة قاسية خلال الأسبوع المنصرم بعدما قررت روسيا منع استيراد الطماطم المغربية بسبب اكتشافها شحنة من هذه الطماطم مصابة بديدان «توتا أبسلوتا»، التي تضر بالمحاصيل الزراعية وتشكل خطرًا على صحة الإنسان، ومن المرجح أن تُعاد هذه الشحنة البالغة حوالي 40 طنًا إلى المغرب مرة أُخرى لتُسوّق محليًا كما درجت العادة.

ويسعى المغرب إلى تنويع أسواقه العالمية في تصدير مواده الفلاحية، بدلًا من الاقتصار على سوق الاتحاد الأوروبي كمستقبل وحيد قد يفرض شروطًا غير محببة للمغرب، إلا أن تجميد روسيا لصادرات الطماطم المغربية وقبلها رفض الولايات المتحدة الأمريكية دخول حمضيات المغرب إلى أراضيها بعد عثورها على طفيليات في إحدى شاحنات المملكة المحملة بالحمضيات، من شأنه أن يقلص مساحة اللعب بالنسبة للمغرب في تعامله الفلاحي مع الاتحاد الأوروبي، إذ يبقى السوق الأساسي لتصدير المنتجات الفلاحية للمملكة في ظل تعثّر الأسواق الأخرى، الأمر الذي يمنح الأسواق الأوروبية اليد الطولى في الشراكات الفلاحية بين المنطقتين، ولاسيما مع رغبة المجموعات الفلاحية لبعض البلدان الأوروبية في تقليص واردات المغرب الفلاحية إلى الاتحاد الأوروبي تجنبا للمنافسة، مما ينعكس سلبًا على الفلاحة المغربية.

 

ويعتبر القطاع الفلاحي أحد أهم قطاعات الأنشطة على الصعيد الوطني، بتوفيره حوالي أربع ملايين فرصة شغل، ويمثل القطاع الفلاحي نسبة مهمة من الاقتصاد الوطني بحوالي 74 مليار درهم، وهو ما يعادل %14 من الناتج الداخلي الخام، وبفضله يؤمن المغرب اكتفاءه الذاتي الكامل في اللحوم والخضر والفواكه، وتصل صادراته إلى ما بين 15% و21% من مجموع الصادرات الوطنية، كما تورد وزارة الفلاحة والصيد البحري المغربية.

حرب لوبيات الفلاحة الأوروبية على الطماطم المغربية

بحسب المفوضية الأوروبية في لقاءها الشهر الماضي ببروكسل، فإن صادرات الطماطم المغربية بلغت ما مجموعه 537 ألفًا و120 طنًا خلال الموسم الفلاحي 2015/2016، حيث صدّر المغرب للسوق الأوروبية وحدها نحو 406 ألف و963 طنًا من الطماطم، فيما ذهبت 130 ألفًا و156 طنًا إلى أسواق أخرى أهمها السوق الروسية التي استوردت 112 ألف طن في نفس الفترة، ومنه تشكل صادرات الطماطم بالمغرب جزءًا مهما من الصادرات الوطنية، تدر ما يقارب 295.7 مليون يورو سنويًا.

لكن الصعوبات التي تواجه الطماطم المغربية ليست فقط بسبب أعطاب المنظومة الفلاحية المغربية وقلة التساقطات، وإنما أيضًا بسبب منافسة المجموعات الفلاحية الأوروبية التي جعلت صادرات المغرب من الطماطم تتراجع نحو السوق الأوروبية بمعدل %5 خلال العام الأخير، حيث كانت تستحوذ أوروبا على %64 من إجمالي الطماطم الموجهة لأسواق الخارج قبل عامين، وأصبحت لا تتجاوز نسبة %59 خلال السنة الماضية.

وتمثل صادرات المغرب من الطماطم نحو الاتحاد الأوروبي عامل قلق بالنسبة للمجموعات الفلاحية في إسبانيا، التي تعقد الندوات واللقاءات بين المعنيين بالشأن الفلاحي الإسباني لمواجهة المنافسة المغربية، وتنتظم على شكل نقابات فلاحية وتنسيقيات مع المجموعات الفلاحية في إيطاليا وفرنسا، تضغط سياسيًا على الحكومات الأوروبية لضمان حصة تسويقهم لمنتجاتهم الفلاحية، خاصة منها الطماطم، أمام ارتفاع الواردات المغربية.

 

وتقود المجموعات الفلاحية الإسبانية حملة واسعة خلال الفترة الأخيرة لدفع بروكسل إلى تفعيل الشرط الاحترازي الموجود في الاتفاق الفلاحي مع المغرب، وهو بند يقضي بتدخل المفوضية الأوروبية لتقليص الصادرات المغربية من المنتجات الفلاحية في حالة ثبت أنها تشكل تهديدًا على صادرات الفلاحين منتجي ومصدري الطماطم في الجنوب الأوروبي.

هذا ويفضل المواطنون الأوروبيون، خصوصًا الفرنسيين منهم، اقتناء الطماطم الطبيعية القادمة من المغرب بدل الطماطم الإسبانية المشبعة بكيماويات الحفظ، ومن أجل الحد من مزاحمة الطماطم المغربية في الأسواق الأوروبية تعمل لوبيات الفلاحة الإسبانية بطرق شتى، تتنوع بين إثارة ملف حقوق الإنسان بالمغرب وملف الصحراء بالسياسة والقضاء الأوروبي لتقليص الشراكة الفلاحية مع المغرب، وشن حملات إعلامية وشعبية من أجل «تشويه» جودة الطماطم المغربية، أملًا في تراجع الإقبال عليها.

ونجحت هذه اللوبيات في مثل هذه الفترة من العام الماضي في إخراج قرار من محكمة العدل الأوروبية، يقضي بتعطيل الشراكة الفلاحية مع المغرب، على خلفية قضية الصحراء، قبل أن يستأنف الحكم، بعد أن رد المغرب بتعليق اتصالاته مع الاتحاد الأوروبي، لتعود المياه إلى مجاريها.

الطماطم بين إسبانيا والمغرب

تعد الطماطم إحدى الأجناس الفلاحية النادرة المصنفة ضمن الخضر والفواكه في نفس الوقت، ويعود أصلها إلى أمريكا اللاتينية، وبالتحديد ظهرت في البيرو كما تشير الأدلة الجينية، قبل أن تنتقل إلى سائر أنحاء العالم من خلال المستعمرين الإسبان، ويقال إن المستكشف الإسباني، المدعو كورتس، هو من قام بنقل الطماطم الصغيرة الصفراء إلى أوروبا سنة 1521، بعد استيلائه على مدينة تينوشتيلان الأزتيكية (ميكسيكو سيتي حاليًا)، وكان بييترو أندريا ماتيولي، أحد الأطباء وعلماء النبات الإيطاليين، أول من كتب عنها سنة 1544، وأسماها «التفاح الذهبي».

ويحتفل الإسبان في الأربعاء الأخير من شهر أغسطس (آب) من كل عام بالمهرجان السنوي للتراشق بالطماطم المسمى «لاتوماتينا» في قرية «بيونول» بمقاطعة فالنسيا. ويلقى المهرجان شهرة عالمية وإعلامية، حيث يتم فيه جمع حوالي 100 طن من الطماطم ويبدأ المحتفلون المحتشدون  برشق بعضهم البعض بها لمدة ساعة، ونال المهرجان اعترافًا رسميًا سنة 1952.

من جهة أخرى، عرف المغرب هذه الفاكهة مبكرًا مقارنة مع الشرق الأوسط، حيث وصلته منذ القرن الـ18 عن طريق علاقاته التجارية مع الشمال الأوروبي وغدت بعد انتشارها مادة أساسية في الطعام المغربي، وأقبل الفلاحون المغاربة على زراعتها بكثافة، في حين لم تظهر الطماطم بالشرق الأوسط إلا في بدايات القرن العشرين مع الاحتلال البريطاني.

ورغم أن المغرب يصدر كميات هائلة من الطماطم نحو الأسواق الأوروبية، إلا أن المواطنين يشكون باستمرار  من أسعارها المرتفعة، إذ تصل أحيانا إلى أكثر من دولار للكيلوغرام الواحد، في حين أن الكيلوغرام في فرنسا التي تستورد الطماطم المغربية لا يتجاوز عادة دولارًا واحدًا، مع العلم أن الطماطم وسائر المواد الفلاحية المصدرة نحو الخارج تكون بجودة مضاعفة مقارنة مع المنتوجات الفلاحية الوطنية الموجهة محليًا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد