علما الجزائر و المغرب

علما الجزائر و المغرب

يبدو أن المقولة العربية “اتفق العرب على ألا يتفقوا” تؤكد الأيام أنها تجد لها صدى في هذا “الوطن” الشاسع الممتد من المحيط إلى الخليج، بل وتكاد تنطبق على واقع العرب الحالي بشكل كبير؛ أخذًا بعين الاعتبار آخر المستجدات (سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءهم من قطر)، بالإضافة إلى الصراعات والنزاعات البينية القائمة بين العديد من الدول العربية، والتي منها ما تمتد لعشرات السنين دون أن تجد لها طريقًا إلى الحل.

من بين الصراعات العربية العربية التي تضرب بعرض الحائط مصالح الشعوب، وتؤجل أي اندماج مفترض قد يقود إلى توحيد هذا “الوطن العربي”، الصراع أو النزاع القائم بين كل من الجزائر والمغرب منذ سنوات بسبب موقف الأولى من قضية الصحراء الغربية المغربية، والتي تدعم فيها جبهة البوليساريو المطالبة باستقلالها عن المغرب، ومن نتائج هذا الصراع وصول البلدين إلى التصعيد من اللهجة الدبلوماسية في سنة 1994 بعد أحداث إرهابية عرفتها مدينة مراكش عندما تم تفجير فندق شهير؛ حيث اتهم فيها المغرب بعض العناصر القادمة من الجزائر بالضلوع في الحادث، ملمحًا إلى تورط الأجهزة الأمنية الجزائرية، في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تعيش في أوج العشرية الدموية بين الأمن والجيش من جهة، وبين الجماعات المسلحة من جهة أخرى، هذا الحادث جعل المغرب يقدم على إغلاق الحدود مع الجزائر، وبقيت مغلقة إلى الآن رغم مرور 20 سنة على إغلاقها دون أن تعرف الأمور بين البلدين بعض التطبيع، بل على العكس تعرف العلاقة بينهما من حين لآخر تصعيدًا كبيرًا إن لم نقل خطيرًا كما هو الشأن حاليًا، إلى درجة جعل البعض يصف الفترة الحالية بالحرب الباردة بين الجارين الشقيقين..

 حرب باردة..

الملك والرئيس

الملك والرئيس

على مدار تاريخ العلاقات بين البلدين تميز الموقف المغربي بالتزام المهادنة ورد الفعل، بعكس الموقف الجزائري الذي كان في معظم الفترات هجوميًّا، ويكفي أن يعلن حكام قصر المرادية (الجزائر) عن إقامة ندوة أو نشاط سياسي هنا أو هناك، في داخل الجزائر أو خارجها، للترويج لجبهة البوليساريو الانفصالية، ليجعل المغرب مضطرًّا للرد على ما يسميها “تحرشات” الجارة الشرقية بـ”وحدة أراضيه”.

لكن وبالرغم من أن قضية الصحراء تعتبر المشكلة الأساسية في توتر العلاقة بين البلدين، إلا أن ذلك لا يعتبر إلا أحد المظاهر والتجليات البارزة لرغبة الطرفين في لعب دور ريادي على الصعيدين العربي والإفريقي؛ ولعل ما ترصده مراكز الأبحاث والتقارير الإستراتيجية المتخصصة في التسلح، يبرز إلى أي حد يتسلح البلدان في سباق بيّن وواضح على التسلح بآخر ما صنعته مصانع السلاح الروسية والصينية والغربية وحتى الإسرائيلية، وما يخشاه الشعبان الجاران هو أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، ولعل إطلاق الرصاص الحي مؤخرًا من طرف قوات عسكرية جزائرية على مواطن مغربي على الحدود وقتله، ثم رشق هذه القوات بالرصاص أيضًا لأحد مراكز المراقبة المغربية، يعتبر رسالة ينبغي أخذها بأكبر قدر من الحذر والتحلي بضبط النفس!

التسابق على الريادة إفريقيًّا

الملك والكوت الديفوار

الملك والكوت الديفوار

لا يكاد يوم يمر دون أن يأتي تصريح لمسئول جزائري يهم المغرب، وحتى إن لم يكن ذلك يهم العلاقة بين البلدين، إلا أن احتضان الجزائر لجبهة البوليساريو ومنحها إقليمًا بكامله في الجنوب الغربي للجزائر (مدينة تندوف)، يعتبر ذلك في حد ذاته سببًا رئيسيًّا لإثارة القلاقل بين الطرفين؛ حيث تعتبر الجزائر نفسها مناصرًا بدون شرط أو قيد لما تسميه “حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره”، وهو المصير الذي يحدده الساسة الجزائريون بكل وضوح في إقامة “دولة صحراوية” على أنقاض أقاليم مغربية وعلى الأقل كما يؤكد ذلك واقع السيادة المغربية على تلك المنطقة.

بوتفليقة البوليساريو

بوتفليقة و البوليساريو

لكن يبدو أن الصراع يتجاوز منطقة الصحراء والحدود بين البلدين ليصل إلى ما هو أبعد جغرافيًّا؛ حيث أثارت مؤخرًا بعض التحركات الدبلوماسية المغربية على الصعيد الإفريقي حفيظة الجارة الجزائر، وجعلت الأخيرة تتهم مباشرة الرباط باستهدافها بتلك التحركات، وفي هذا السياق خرج يوم أول أمس الخميس؛ الوزير الجزائري المنتدب المكلف بالشئون المغاربية والإفريقية، عبد المجيد بوقرة، بتصريحات صريحة اتهم فيها المغرب بالعمل على عرقلة جهود الجزائر في إرساء السلم والأمن في مالي.

ونقلت وسائل إعلام جزائرية تصريحات المسئول الجزائري التي أكد فيها “أن هناك تدخلات تحاول عرقلة جهود الجزائر الهادفة إلى إرساء السلم والأمن في مالي، وأن هذه التدخلات صادرة عن بلدان لم تدرج في أجنداتها استتباب الأمن والسلم في المنطقة”، في إشارة إلى المغرب.

وأضاف المسئول الجزائري أن الجزائر باشرت في يناير الماضي محادثات تمهيدية تهدف أساسًا إلى جعل الحركات الموجودة في شمال مالي تلتف حول العناصر الأساسية التي من شأنها تشكيل أرضية مفاوضات مع الحكومة المالية في باماكو من أجل إيجاد حل لمشكل مالي، مشيرًا إلى أن ثلاث حركات وافقت على توقيع أرضية مشتركة ما عدا الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي تشهد صعوبات داخلية، وأكد على أهمية بذل جهود إضافية من أجل جعل الحركة الوطنية لتحرير أزواد تنضم للحركة التي باشرتها الجزائر منذ يناير الماضي.

الملك وزعيم أزواد

الملك وزعيم أزواد

والواقع أن المسئول الجزائري كان يُعلّق على استقبال أخير للملك المغربي محمد السادس بقصر مراكش لزعيم “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، لتُصدِر الحركة بعد الاستقبال الملكي لزعيمها بيانًا ترحّب فيه بالوساطة المغربية مع باماكو، واللافت في ذلك الاستقبال كان هو طريقة سلام زعيم الحركة للعاهل المغربي، وكذا مكان الاستقبال؛ حيث تم في واحد من أعرق المساجد المغربية والذي يعود إلى عهد الدولة المغربية المرابطية التي كانت تمتد إلى مالي؛ حيث تعتبر قبائل الطوارق بشمال مالي وببعض الدول المجاورة أن “المرابطين” هم أجدادهم إلى الآن، وهذا جعل البعض يقرأ ذاك الاستقبال على أنه رسالة من القصر الملكي مفادها أنه الأحق والأجدر بلعب دور الوساطة بين الحركات المتمردة وباماكو.

ولعل ما زاد تذمر الساسة الجزائريين من التحركات المغربية، هو الزيارات التي يقوم بها الملك المغربي منذ أيام – وإلى اليوم – لعدد من الدول الإفريقية، شملت مالي (الزيارة الثانية له في بضعة أشهر)، والكوت ديفوار (ساحل العاج)، وغينيا كوناكري، والغابون، وهي الزيارات التي تم فيها توقيع ترسانة من اتفاقيات التعاون بين المغرب وهذه البلدان، جعلت الكثير من المتتبعين والخبراء يصفونها بأنها “نموذج للتعاون جنوب – جنوب”، هذا في الوقت الذي تعيش فيه الجزائر وضعًا داخليًّا لا تُحسد عليه بسبب شبه غليان وارتباك سياسي يسود المشهد بسبب إقدام الرئيس الجزائري المريض على الترشح لولاية رئاسية جديدة هي الرابعة، وسط حديث عن وجود صراع أجنحة أمنية وعسكرية حول هذا الترشح.

عرض التعليقات
تحميل المزيد