ترسل العديد من الدول الغنية نفاياتها السامة وغير السامة إلى الخارج بعيدًا، فيما تستقبلها بعض الدول النامية للتخلص منها، لقاء أموال لصالح بعض الأفراد والشركات. لكن في كثير من الأحيان، ينتهي الأمر بتلك النفايات إلى الحرق بشكل غير وقائي، أو إلقائها في مكبات النفايات أو المصارف، مما يؤدي إلى مخاطر على البيئة والصحة العامة.

ويبدو أن المغرب قد دخل رسميًّا نادي البلدان التي حوَّلت أرضها إلى «مقالب قمامة خلفية للدول الغنية»، بعد أن سنَّ قانونًا يسمح باستيراد النفايات ويؤطر هذه التجارة المربحة لبعض اللوبيات، على الرغم من المخاطر الصحية والبيئية التي قد تهدد الصحة العامة للمغاربة.

رسميًّا.. المغرب يسمح باستيراد النفايات من العالم

أصدرت وزارة الطاقة والمعادن والبيئة  في المغرب قرارًا حديثًا، يتيح جلب النفايات من الخارج، ويحدد لائحة بأصناف النفايات «غير الخطرة» الممكن استيرادها، وتضمُّ هذه اللائحة حوالي 300 نوع من النفايات، بعضها أثار سخرية الرأي العام، من قبيل «الغائط والبول».

وغصَّت مواقع التواصل الاجتماعي بالأصوات الرافضة لتحويل المغرب إلى «مزبلة خلفية» للدول الصناعية، وفي هذا الصدد يرى الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان أنَّ تمرير هذا القرار، في غفلة وهدوء وفي خضم أزمة وبائية، «ليس بريئًا»، مشيرًا إلى أن هناك من يسعى لجني ثروة من وراء استيراد النفايات على حساب الصحة العامة. وعدَّ الائتلاف الحقوقي «هذه المغامرة الخطيرة المتمثلة في هذا القرار، تعبر عن استرخاص الحكومة لقيمة المواطن داخل وطنه، بإصدارها مراسيم وقرارات تهدد صحته وأمنه الإنساني وأمنه البيئي، وتربة بلده ومياهه وهواءَه»، بحسب تعبيره.

بينما تقول الحكومة إنَّ «النفايات المرخص لها لا تشكل خطرًا على البيئة، وأنها تخضع لمراقبة صارمة قبل استيرادها»، ورأت أن هناك حاجة صناعية في البلاد لهذه النفايات، التي قالت إنها «محط تسابق ومنافسة حادة بين الشركات الدولية في سياق اقتصاد إعادة التدوير».

ولا يعد استيراد البلد للنفايات أمرًا جديدًا؛ إذ استورد المغرب، فقط في الفترة الممتدة ما بين 2016 و2019م، حوالي مليون ونصف مليون طن من النفايات، حسب بيان الوزارة، وجاء هذا القرار الجديد من أجل تأطير عمليات هذه التجارة، وتحديد الأصناف المرخصة من هذه النفايات. وهذا يعني ضمنيًّا أن استيراد «الأزبال» كان يسير في البلاد على قدم وساق منذ سنوات طويلة بدون أي ضوابط، بما له من خطر على صحة المواطنين.

وكان الرأي العام المغربي في 2016م قد هزَّه خبر وصول سفينة إيطالية محملة بأطنان من النفايات إلى المغرب، وعلى إثر الغضب الشعبي أعلنت الحكومة أنها ستوقف استيراد النفايات من إيطاليا، وقالت إنها «تدرس قرارًا للإيقاف النهائي لاستيراد أي شحنة أخرى من النفايات من أي وجهة»، على حد تعبيرها، ومع ذلك استمر استيراد آلاف الأطنان من القمامة، والآن أصبح الأمر رسميًّا وقانونيًّا.

وبات استيراد النفايات في السنوات الأخيرة تجارة مربحة في بعض الدول النامية، من جراء العرض المتزايد من قبل الدول الصناعية الغنية، التي أضحت تبحث بشق الأنفس عمن يعتني بنفاياتها الهائلة، مقابل مبالغ مالية تبدو قيِّمة بالنسبة للدول المنخفضة الدخل، ولفهم سبب تسابق عدد من الدول النامية على خردة وقمامة أوروبا وأمريكا، يجدر بنا الالتفات إلى الصين.

على جانب آخر.. الصين تحظر استيراد النفايات!

كانت الصين إلى وقت قريب بمثابة «مكب نفايات العالم»، حيث كانت تتكفل بإعادة تدوير معظم نفايات الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان، وتحولها عبر مصانعها الضخمة إلى أشكال ومواد مختلفة لإعادة توظيفها في صناعتها المحلية. «كان الجميع يرسلون موادهم إلى الصين، لأن معيار التلوث المعمول به هناك كان منخفضًا وأسعارهم كانت رخيصة للغاية»، كما يقول أحد مسؤولي شركات التدوير.

لكن بدءًا من 2018م، أعلنت الصين فجأة حظر استيراد النفايات، وقالت إنها لن تستقبل أي خردة بعد الآن ما لم تكن نقية بنسبة 99.5%، وهي نسبة شبه مستحيلة، وذلك في سياق سياسة صارمة أسمتها «السيف الصيني»، لدرجة أنه عندما أُعلنت أول مرة لم يعتقد الكثير من الدول والعاملين في صناعة التدوير أنها ستنفذ بالفعل.

مثَّلت الصين مصنعًا مثاليًّا لإعادة تدوير نفايات العالم، فلديها البنية التحتية التكنولوجية المؤهلة لإعادة تدوير كل هذا الكم الهائل من نفايات البلدان الغنية، وتتميز بالعمالة الرخيصة والتنظيم البيئي المتراخي. غير أن الأمر تغيَّر؛ فقد أدركت الصين أخيرًا أن هذه الخردة المستوردة تلوث مياهها الجوفية وهواءها، وتجذب شبكة من الفساد إلى هذه السوق، لتقرر حظر استيراد النفايات كلية، بالرغم من أن الشركات الصينية كانت تتربح من ورائها مليارات الدولارات.

وقد أدى قرار حظر الصين لاستيراد النفايات إلى «أزمة نفايات عالمية»، بصفتها الدولة الوحيدة في العالم القادرة على التعامل مع ملايين الأطنان من نفايات الدول الغربية، وتركت البلديات وشركات النفايات من أستراليا ودول الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة تتسابق بحثًا عن بدائل، من أجل التخلص من نفاياتها المتراكمة.

بعد الحظر الصيني، أصبحت الدول الثرية تكافح للتعامل مع نفاياتها، إلا أن التكاليف الباهظة لنقل النفايات وتدويرها تجعل هذه الصناعة غير مربحة بالنسبة للشركات الغربية، خصوصًا مع المعايير البيئية الصارمة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه الدول وجدت جزءًا من الحل في تصديرها إلى البلدان ذات الدخل المنخفض، لا سيما في جنوب شرق آسيا وأفريقيا، والتي يفتقر العديد منها إلى البنية التحتية للتعامل بشكل صحيح مع المواد القابلة لإعادة التدوير.

الفساد والتلوث حصيلة استيراد النفايات

عقب انسحاب الصين، بدأت بعض البلدان تعرض نفسها «مكبَّ نفايات» مقابل المال، مثل إندونيسيا، ونيجيريا، وفيتنام، وتايلاند، وماليزيا، وتايوان، وتركيا، والفلبين، وبولندا، وأخيرًا التحق المغرب رسميًّا بركب هذه البلدان المستقبِلة للنفايات، وتجدر الإشارة إلى أن بعض هذه البلدان واجه مشكلات في إعادة تدوير النفايات، وبدأت تقيِّد وتحد من هذه التجارة.

شكَّلت تجارة النفايات في هذه البلدان حاضنة للذين يجيدون تحويل القش إلى ذهب، من شركات ووسطاء، دون مراعاة المعايير البيئية والصحة العامة، وأصبحت قطاعًا يعمُّه التهريب والفساد والتلوث، كما يظهر تحقيق «فاينانشيال تايمز».

وعلى مدار سنين كانت هذه التجارة السوداء حاضرة في المغرب بدون ضوابط، ودون أن يُسلَّط عليها الضوء، ويخشى المراقبون أن يتضخم هذا القطاع بعد أن أصبح قانونيًّا ويهدد الصحة العامة للمغاربة، لا سيما وأن البلد غير قادر على إعادة تدوير نفاياته، فكيف يمكنه التكفل بنفايات الآخرين، الأمر الذي يوحي بأن هناك لوبيات ترغب من التربح من خلال هذه التجارة.

صحيح أن السويد نفسها تستورد النفايات، لكن الأخيرة تمتلك نظامًا متطورًا لإعادة التدوير ومعالجة النفايات، وقوانين حساسة للبيئة والصحة العامة، وهي بالفعل تعيد تدوير 99% من مخلفاتها المحلية، ولم تقدم على ذلك إلا بعد أن حققت تقدمًا كبيرًا في ثورة إعادة التدوير طوال عقدين، وتأكدت من قدرتها على التعامل مع النفايات المستوردة.

أما في المغرب فلا توجد البنية التحتية الصناعية للتعامل حتى مع النفايات المحلية، وعلى الأرجح سينتهي المطاف بمعظم المخلفات المستوردة بطمرها أو حرقها بشكل غير مناسب، أو رميها ببساطة في مكبات النفايات والأماكن النائية، وجميع هذه الطرق مضرة بالبيئة. والمغرب يحتاج إلى تنظيف فنائه الداخلي قبل فناء الآخرين.

ورغم أن المرسوم الوزاري الجديد المتعلق بتأطير استيراد النفايات، يقول إنه يخضعها لمجموعة من شروط السلامة وعدم تأثيرها في البيئة والصحة العامة، فقد وجدت دراسة أنه «حتى أكثر المحارق حداثة يمكن أن تنبعث منها الملوثات الضارة». ولم يأت حظر الصين لاستيراد النفايات، مع ترسانتها الصناعية الهائلة وتقدمها التكنولوجي، إلا بسبب التلوث والفساد الذي يجلبه هذا القطاع.

ويبقى السؤال: إذا كانت صناعة إعادة التدوير غير مضرة للبيئة والصحة، كما يجري التبرير، فلماذا يتعين على أمريكا وأوروبا واليابان أن تصدر نفاياتها، رغم قدراتها الصناعية المتقدمة، إلى بلدان أخرى؟

مجتمع

منذ شهرين
مترجم: كمامات وقفازات.. كيف تتأثر المحيطات بـ«نفايات كورونا»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد