دائمًا ما يكون هناك رابحون وخاسرون من كل الأزمات بين الدول، وهذا الأمر يتوقف على حسن الإدارة والتعامل مع الأزمة من الناحية الاقتصادية، سواء إن كنت طرفًا في الأزمة أم لا، وهذا الأمر ربما نلمسه بوضوح في تعامل كل من إيران وتركيا مع الأزمة الخليجية الحالية، إذ إن الدولتين سارعتا في مساعدة قطر، ولكن في الواقع الفائدة تعود عليهما قبل قطر، كذلك الوضع بالنسبة للمغرب التي ربما يجب عليها أن تستفيد من هذه الأزمة هي الأخرى.

ورغم أن المغرب قال إنه سيبقى على الحياد في الخلاف، وعرض الوساطة بين الدول الخليجية العربية، مؤكدًا أن جميع الأطراف من الحلفاء المقربين للمملكة المغربية، بحسب بيان للخارجية، إلا أن المملكة أكدت إرسال طائرات محملة بمواد غذائية إلى قطر لتعزيز إمداداتها، وهو الأمر الذي يكشف عن أن المغرب تحاول البحث لها عن سوق مميزة لمنتجاتها الزراعية.

المغرب حاول تبرير هذا الموقف بأنه يأتي تماشيًا مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما يستوجبه، خاصةً خلال شهر رمضان الكريم، من تكافل وتآزر وتضامن بين الشعوب الإسلامية، حسبما أشار البيان، إذ أكدت الخارجية المغربية أن هذا القرار لا علاقة له بالجوانب السياسية للأزمة القائمة بين دولة قطر، ودول شقيقة أخرى.

كيف يمكن أن تساعد قطر المغرب في علاج خلل الميزان التجاري

في الواقع لا يخفى على أحد مدى حاجة المغرب لدول الخليج بشكلٍ عام، وقطر باعتبارها سوقًا باتت الآن أكثر احتياجًا للواردات الخارجية، إذ إن مجلس التعاون الخليجي هو سوق تجارية مميزة بالنسبة للبلاد، ولكن حجم التبادل التجاري حتى الآن لا يعالج الخلل الكبير في الميزان التجاري، ولكن مع حاجة قطر الآن لمنتجات متوفرة بالمغرب باتت هناك فرصة للمغرب للاستفادة من هذا الأمر في ظل تفاقم العجز التجاري بشكلٍ ملحوظ، إذ قال مكتب الصرف المغربي مؤخرًا، إن العجز التجاري للمغرب ارتفع (13.1%) إلى 78.45 مليار درهم (8.03 مليار دولار) في الأشهر الخمسة الأولى من 2017 مقارنة به قبل عام، وذلك بفعل زيادة الواردات.

وزاد العجز التجاري من 69.45 مليار درهم في الفترة ذاتها من العام الماضي، إذ نمت واردات الطاقة 42.7% لتصل إلى 28.25 مليار درهم، وارتفع الإنفاق على المعدات (8.1%) إلى 50.61 مليار درهم، فيما نمت الصادرات الإجمالية 5.3% عنها قبل عام لتصل إلى 103.31 مليار درهم، مدعومة بزيادة 7.9% في صادرات الفوسفات إلى 17.41 مليار درهم.

ويعد اعتماد التجارة المغربية على الدول الأوروبية، مشكلة أساسية، لذلك دائمًا ما يطرح الخليج بوصفه بديلًا قويًّا للبلاد، واتجهت نسبة 22% من الصادرات بالعام الأسبق لإسبانيا، و20% لفرنسا، و5% للهند، و4% لكل من الولايات المتحدة وإيطاليا، وجاءت نسبة 14% بوارداته السلعية من إسبانيا، وفرنسا 12%، والصين 8.5%، والولايات المتحدة 6.5%، وألمانيا 6%، وإيطاليا 5.5%.

وتأتي نسبة صادرات المغرب بالمنطقة العربية في السنوات الخمس الماضية ما بين 4% إلى 6% فقط، والتي اتجهت للجزائر والسعودية والإمارات والعراق ومصر وتونس وقطر، وتراوحت نسبة وارداته البينية عربيًّا ما بين 13% إلى 15%، من السعودية والجزائر ومصر وتونس وموريتانيا ولبنان، وهو الأمر الذي يكشف ضعفًا كبيرًا في الميزان التجاري بين المغرب والدول العربية.

الأزمة الخليجية سلاح ذو حدين

أحمد كشيكش، الباحث الاقتصادي المغربي، يرى أن الاستفادة الخليجية الراهنة، مسألة يجب أن يُنظر إليها بحذر شديد لأن ضريبتها الاقتصادية والسياسية قد تكون عالية جدًّا، وذلك بعكس دول كتركيا وإيران التي لها هامش كبير من الاستفادة من الأزمة، وقدرة على تحمل أي توترات قد تحدث في ظل أي ردود فعل غير متوقعة من الجانب السعودي والإماراتي.

وتابع كشيكش، خلال حديث لـ«ساسة بوست» أن لغة الأرقام تقول إن صادرات المغرب نحو المملكة العربية السعودية أكبر من نظيرتها لقطر، وذلك بأكثر من 6 أضعاف، إذ تبلغ حوالي 122 مليون دولار، مقابل 19 مليون دولار سنة 2015، حسب إحصائيات البنك الدولي، الأرقام هنا تتحدث عن نفسها بدون احتساب المبادلات التجارية بين المغرب وحلفاء المملكة العربية السعودية في هذه الأزمة، لكن في الوقت نفسه لا يمكننا تجاهل الاستثمارات القطرية في المغرب التي تمثل فرصًا واعدة يجب العمل على تنميتها لما لقطر من سبق في مجال الاستثمارات المباشرة في الخارج.

«الصادرات المغربية تعاني من مشاكل هيكلية يجب حلها إذا أردنا الانفتاح على الأسواق الواعدة كالسوق الخليجية، ومنها ضعف القيمة المضافة لهذه المنتجات، وتركيزها على الأسواق الأوروبية؛ مما يؤدي إلى إضعاف تنافسية الصادرات المغربية في أسواق واعدة كالسوق القطرية، وهناك الكثير من العمل يجب القيام به، ولا أظن أن محاولة استغلال الأزمة بين قطر والسعودية وإعطاء أي إشارات لانحياز المغرب إلى أحد الأطراف فكرة جيدة، يجب التركيز على تنويع وتطوير الصادرات المغربية للرفع من قيمتها المضافة، إضافة إلى محاولة الانفتاح على أسواق جديدة»، كما يقول كشيكش.

وسجل التبادل التجاري بين المغرب، ودول مجلس التعاون الخليجي 28.6 مليار درهم (ثلاثة مليارات دولار)، وهو ما يمثل 4.9% من إجمالي التبادل التجاري للمغرب، مقابل 3.6% في 2000، فيما بلغت واردات المغرب من دول مجلس التعاون الخليجي 26.8 مليار درهم (2.7 مليار دولار) سنة ، وهو ما يمثل 6.9% من إجمالي واردات المغرب مقابل 5.3% سنة 2000.

وتعتبر السعودية أكبر مستورد للصادرات المغربية في منطقة الخليج بنحو 920 مليون درهم (100 مليون دولار)، أي ما يعادل 52.4% من إجمالي الصادرات نحو المنطقة، تليها الإمارات العربية المتحدة بنحو 589 مليون درهم (60 مليون دولار) وبنسبة 33.5%، كما أن السعودية هي أول مزود للمغرب بالطاقة، بينما تمثل الإمارات أول مستثمر عربي في المغرب، وتبلغ الاستثمارات الخليجية نحو ربع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتستفيد الرباط أيضًا من تمويلات خليجية بقيمة خمسة مليارات دولار.

تفاؤل بمستقبل اقتصادي أفضل

تشير الأرقام الحالية إلى أن المغرب يقترب من فترة إيجابية؛ إذ توقعت المندوبية السامية للتخطيط في المغرب (الهيئة الرسمية المكلفة بالإحصاء) أن يحقق الاقتصاد المحلي نموًا نسبته 4.6%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعدما سجل الاقتصاد المغربي نموًا نسبته 0.5%، خلال الفترة المناظرة من 2016.

ويرجع هذا التحسن القوي بالأساس إلى التطور الذي عرفه قطاع الزراعة، الذي سجل تحسنًا على مستوى الإنتاج الحيواني كالدواجن، وارتفاع إنتاج الحبوب والقطاني والخضروات الموسمية، فيما تشير التوقعات إلى تسجيل الاقتصاد الوطني، نسبة نمو تبلغ 4.3% خلال الربع الأول من 2017، مقارنة مع 1.7% في الفترة المناظرة من 2016.

وعلى الجانب الآخر، زاد الإنتاج الزراعي 12.9% في الربع الأول من العام الجاري، ومع زيادة الأمطار تتجه البلاد إلى حصاد محصول جيد، بعدما تقلص الإنتاج الزراعي في العام الماضي بسبب موجة جفاف، حسبما ذكرت المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، إذ تشكل الزراعة أكثر من 15% من الاقتصاد المغربي، ويبلغ عدد العاملين في القطاع الزراعي أربعة ملايين شخص، وتشكل المنتجات الزراعية بين 15 و20% من إجمالي الصادرات المغربية.

أزمات مزمنة

ورغم أن حال الاقتصاد المغربي ربما يكون أفضل من كثير من الدول العربية، إلا أن الموازنة المغربية تعاني عجزًا مزمنًا، تراوحت نسبته للناتج المحلي الإجمالي في السنوات الخمس الأخيرة، ما بين 4% بالعام الماضي، و9.5% بالعام الأسبق، فيما يحتل اقتصاد البلاد المركز الـ62 عالميًّا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بسعر الصرف بقيمة مائة مليار دولار في العام الأسبق، وفي العام الماضي المركز 59 بالناتج بتعادل القوى الشرائية.

ويتوقع محللو البنك الدولي، تحسن النمو الاقتصادي في المغرب خلال 2017، بنسبة تصل إلى 4%، فيما توقع البنك في تقريره لشهر يناير (كانون الثاني) 2017، بعنوان «آفاق الاقتصاد العالمي»، أن يشهد النمو الاقتصادي بالمغرب خلال عامي 2018 و2019 ارتفاعًا بنسبة 3.5% و3.6% على التوالي.

ومن جانبها أوضحت بعثة لصندوق النقد الدولي في الرباط، أن نمو الاقتصاد المغربي يُفترض أن يتسارع عام 2017، ليبلغ 4.4%، وهو التقدير الأقرب إلى الحكومة المغربية، الذي لم يتجاوز نسبة 4.5%.

يشار إلى أن عجز الميزان التجاري ليس هو فقط أكبر الأزمات التي عانى منها المغرب، إذ يعد البلد الأكثر مديونية على الصعيد العربي والإفريقي، محتلًا المرتبة الـ 29 في التصنيف الحديث لمعهد «ماكنزي» الأمريكي للبلدان الأكثر استدانة في العالم، إذ أصبحت تمثل القروض 136% من الناتج الداخلي الخام، بارتفاع ـ20 نقطة في الناتج الداخلي الخام خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2014.

ولم يسبق لحكومة مغربية من قبل أن حصلت على ثلاثة خطوط مالية، تقارب في مجموعها الـ 15 مليار دولار، في ولاية واحدة، من طرف مؤسسة صندوق النقد الدولي، علاوة على الفوائد المالية التي ستتبعها، وهو ما يشكل عبئًا اقتصاديًّا ثقيلًا بالنسبة للأجيال القادمة.

وصل الرقم الجديد الذي حطمته الحكومة المغربية في تاريخ الديون الخارجية، إلى 300 مليار و826 مليون درهم، حسبما جاء في معطيات حديثة لمديرية الخزينة والمالية الخارجية، فيما كان الدين المغربي خلال 2011، قبل تقلد الحكومة الحالية مسؤولية التدبير، في حدود 189 مليار و108 ملايين درهم، ليبدأ حينها الخط التصاعدي للديون، إذ انتقلت الديون في العام الموالي من تعيين الحكومة إلى 213 مليار و 713 مليون درهم، أي بزيادة 23 مليار و605 ملايين درهم، ثم تواصلت بعدها الزيادات الصاروخية في استلام القروض حتى بلغت 296 مليار درهم خلال 2014، لتصل حاليًا إلى ما يقارب 31 مليار درهم.

بالإضافة إلى الديون، تعاني المغرب كذلك من أزمة بطالة متفاقمة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد العاطلين تراجع ما بين سنتي 2015 و2016، من 1.148.000 شخص إلى 1.105.000 عاطل عن العمل بمعدل بلغ الـ9.4%، ولكن رغم التراجع تظل هذه النسبة مرتفعة، وكشفت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها السنوي عن تراجع عدد العاطلين بالمدن بـ45 ألفًا مقابل ارتفاعه بـ2000 في الأرياف، فيما يؤكد التقرير أن معدل البطالة بلغ في المدن 13.9%، وفي الأرياف وصل إلى 4.2%.

المصادر

تحميل المزيد