كشفت النتائج شبه النهائية لانتخابات مجلس النواب بحسب «وكالة المغرب العربي للأنباء» الرسمية يوم التاسع من سبتمبر (أيلول) 2021، عن تصدّر حزب «التجمع الوطني للأحرار» قائمة الفائزين بـ102 مقعدًا، فيما حلّ «حزب الأصالة والمعاصرة» المرتبة الثانية بـ86 مقعدًا، ويوصف هذان الحزبان بأنّهما «حزبا الإدارة»؛ نظرًا لارتباطهما الوثيق بالبلاط الملكي.

وجاء في المرتبة الثالثة «حزب الاستقلال» بـ81 مقعدًا، يليه «الاتحاد الاشتراكي» بـ35 مقعدًا، فيما مُني حزب «العدالة والتنمية» الذي قاد الحكومة منذ سنة 2011، بهزيمة قاسية بحلوله المرتبة الثامنة بـ13 مقعدًا فقط، وقد فشل رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بالفوز بمقعد برلماني.

الانتخابات التي بلغت نسبة المشاركة فيها حوالي 50.18% من المسجّلين في القوائم الانتخابية، حملت مفاجأة غير سارة لـ«الإسلاميين» في المغرب؛ فالحزب الذي حصل على 125 مقعدًا سنة 2016، وقاد الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية، عرف هزيمة ساحقة في هذه الانتخابات أدّت إلى استقالة الأمانة العامة للحزب، ومن خلال الفوز الكبير الذي حقّقه حزبا «الأحرار» و«الأصالة والمعاصرة»، فإن القصر الملكي قد أحكم قبضته بصورة كليّة على المشهد البرلماني، والتشكيلة الحكومية في المغرب.

وانتقدت الأمينة العامة لحزب «الاشتراكي الموحد» الانتهاكات التي شابتها العملية الانتخابية، وأهمّها استخدام المال للتأثير على نتائجها، وقالت: «وجدنا أنفسنا في معركة ضد أباطرة الانتخابات يستعملون الأموال بشكل لا يستوعبه العقل»، كما انتقد حزب «العدالة والتنمية» ما وصفه بالخروقات التي شابت العملية الانتخابية، وقال الحزب في بيان له: إن النتائج «غير مفهومة وغير منطقية، ولا تعكس حقيقة الخريطة السياسية في البلاد».

عزيز أخنوش.. «رجل القصر» يقترب من رئاسة الحكومة

لا يمكن معرفة ما يعنيه حصول حزب «الأحرار» على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية دون معرفة تاريخ هذا الحزب وظروف تأسيسه، فقد تأسس الحزب سنة 1978، عقب الانتخابات البرلمانية لسنة 1977، لكي يكون «يد الملك» داخل الساحة الحزبية المغربية والبرلمان، وينافس بذلك الأحزاب الراسخة في الحياة السياسية، التي تملك تاريخًا نضاليًا ضد الاستعمار وبالتالي تنازع القصر الملكي في الشرعية التاريخية والنضالية، مثل «حزب الاستقلال» و«الاتحاد الاشتراكي».

 عزيز أخنوش رئيس حزب «التجمع الوطني للأحرار»

مؤسّس الحزب هو رئيس الوزراء السابق أحمد عصمان، وهو صهر الملك الحسن الثاني وأحد رجال القصر الملكي الرئيسيين في السلطة، وتعرف تركيبة الحزب بـ«النخبوية» باعتبار أنها تمثل تجمعًا لرجال الأعمال، والأعيان، وكبار الموظفين في الإدارة، والسلطة، وأصحاب الأموال، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2016 أصبح رجل الأعمال المقرّب من القصر الملكي، الملياردير صاحب عشرات الشركات عزيز أخنوش رئيسًا للحزب.

ورغم بعض المفاجآت التي حملتها نتائج الانتخابات البرلمانية المغربية، لم يكن فوز «التجمع الوطني للأحرار» بالمرتبة الأولى مفاجئًا للكثير من متابعي الشأن السياسي المغربي، بالنظر إلى الحملة المسبقة للتسويق لشخصية عزيز أخنوش وحزبه؛ خصوصًا بعد معرفة إلى علاقاته القوية مع الإدارة، وباعتباره يحظى بالدعم المباشر من القصر الملكي، ولأن حزبه يعدّ أحد أدوات القصر الملكي للتأثير والتحكم في الساحة السياسية المغربية؛ إذ يوصف من طرف المعارضة بأنّه أحد «أحزاب الإدارة».

ويدير الملياردير المغربي مجموعة «آكوا» الاقتصادية التي تضمّ حوالي 50 شركة في مختلف القطاعات، والتي ورثها عن والده ولحاج أخنوش، وتتوزّع استثمارات الشركة على قطاعات المحروقات والعقار والإعلام والاتصالات والسياحة وغيرها، ويتهكّم بعض المغاربة المعارضين على تشعّب شركاته واستثماراته في مختلف القطاعات الاقتصادية بالقول بأنّه «يبيع حتى الأكسجين»، وهي المعلومة الحقيقية بالنظر إلى أنّ شركته «المغرب للأكسجين» تزوّد المستشفيات المغربية بالأكسجين، وهو ما أدرّ عليه أرباحًا طائلة خلال أزمة كورونا، حسبما يذكر منتقدوه.

أموال وفنانون ودعاية رقمية في خدمة «حزب المليارديرات»

شغل أخنوش العديد من المناصب الإدارية والاقتصادية في الدولة، إلى جانب العمل على استثماراته في «أكوا»، وقد عُيّن وزيرًا للفلاحة والصيد البحري منذ سنة 2007 واستمرّ في المنصب مع صعود «العدالة والتنمية» إلى السلطة سنة 2011؛ ويتّهمه رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران بأنّه أحد مهندسي إخراجه من الحكومة بسبب الانسداد الذي افتعله حزب «الأحرار» من أجل منع تشكيل الحكومة؛ وذلك بإيعاز من القصر الملكي حسبما يقول محلّلون.

وقد أثيرت تساؤلات حول الصعود الصاروخي لشعبية أخنوش وحزب «الأحرار» في فترة قصيرة، رغم الامتعاض الشعبي الكبير ضد شركاته قبل سنوت قليلة، خصوصًا أن المغرب شهد سنة 2018 حملة مقاطعة شعبية بعنوان «خليه يروب» ضد شركات أخنوش في مجال المياه، والحليب، والمواد الغذائية، والوقود بسبب زيادة أسعارها، وهو ما أدى إلى انخفاض أسهم الشركة في البورصة.

في الواقع، لقد استعان الحزب بالفنانين والمغنيين والمشاهير من أجل التسويق له، بالإضافة إلى مبالغ طائلة جرى دفعها للدعاية في وسائل التواصل الاجتماعي، بلغت 270 ألف دولار في ستة أشهر حسبما كشفت شركة «فيسبوك»، وهو مبلغ يعادل حوالي 10 أضعاف ما أنفقه «حزب الاستقلال»، عدا عن الأموال التي يقول منتقدو أخنوش أنه قد جرى دفعها على المستوى القاعدي من أجل التأثير في نتائج الانتخابات عبر شراء أصوات الطبقات الفقيرة، ويرى بعض المعارضين أن هذه الشعبية الكبيرة التي تحوّلت إلى فوز في الانتخابات، تقف وراءها الإدارة المرتبطة بالقصر الملكي، وكان رئيس الحكومة السابق وزعيم حزب «العدالة والتنمية» عبد الإله بن كيران قد انتقد في فيديو عشية الانتخابات عزيز أخنوش، وتساءل فيه عن سرّ شعبيته المفاجئة، واعتبره غير مؤهّل لقيادة الحكومة.

يمثّل حزب «الأحرار» ورئيسه أخنوش تيّار رجال الأعمال في الاقتصاد المغربي، فقد ترأس أخنوش من قبل «جمعية النفطيين المغاربة» وعضوية «الاتحاد العام لمقاولات» المغرب؛ ويحاول الحزب الارتكاز على هذه الخبرات الاقتصادية من أجل تسويق شعبيته لدى العامة، وكانت أحد أبرز وعوده الانتخابية توفير مليون منصب شغل جديد.

ومع تصدّر حزب «التجمع الوطني للأحرار» النتائج شبه النهائية للانتخابات، يرجّح أن يعيّن الملك محمد السادس، رئيس الحزب عزيز أخنوش رئيسًا للحكومة، وبذلك يكون القصر الملكي هو الفائز الأكبر في الانتخابات البرلمانية لسنة 2021، من خلال تصدّر أحزاب «المخزن» لنتائجها بحلول «الأحرار» في المرتبة الأولى، و«الأصالة والمعاصرة» في المرتبة الثانية، وبهذا يكون «القصر» قد أحكم سيطرته على مؤسستيْ الحكومة والبرلمان، وأضعف أي هامش مستقبلي للاعتراض داخل هاتيْن المؤسستيْن بتعيين رجاله الأوفياء داخل الحكومة.

تخلّت عنهم قواعدهم.. الإسلاميون ضحيّة البراجماتية السياسية

كانت المؤشرات حول نهاية حقبة «العدالة والتنمية» في الحكومة المغربية، وباستهدافه من طرف «الدولة العميقة» قد بدأت منذ تعديل قانون الانتخابات الأخير، الذي سُمّي بـ«القاسم الانتخابي»، والذي يرى البعض أنّه أعدّ خصيصًا لضمان عدم هيمنة الأحزاب الكبرى على البرلمان، وقد اعتبر الحزب أنّ هذا القانون يستهدفه بصورة مباشرة، وتوقّع أن يخسر 35 مقعدًا بسببه، لكن الهزيمة الثقيلة التي نقلت الحزب من 125 مقعدًا إلى 13، أكبر من أن تُلصق بقانون الانتخابات.

وينصّ «القاسم الانتخابي» على توزيع المقاعد الانتخابية بناء على عدد الناخبين المسجّلين في اللوائج الانتخابية، وليس عدد المصوّتين، وهو ما يؤثّر بشكل مباشر على حصّة العدالة والتنمية في الدوائر التي اعتاد الفوز بها.

رئيس الحكومة المغربي سعد الدين العثماني 

الحزب الإسلامي يُتّهم بتخليه عن قيمه ومبادئه التي لطالما دافع عليها أثناء تواجده في خانة المعارضة، وهو ما عرّضه لانتقادات من طرف قاعدته الشعبية وأنصاره التقليديين بأنّه تخلى عن ثوابته لصالح التقرّب من القصر الملكي، ومن بين هذه القضايا التي عرّضت «العدالة والتنمية» للانتقادات، توقيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، وهو ما رآه الغاضبون «خيانة» للقضية الفلسطينية التي لطالما شكّلت قضية محورية لا جدال فيها بالنسبة للإسلاميين.

بالإضافة إلى تمرير الحكومة لمشروع «القانون الإطار للتعليم» الذي يعزّز مكانة اللغة الفرنسية في المدرسة المغربية، وملف تقنين زراعة القنب الهندي (الحشيش)، وهي الملفات التي أقرّتها كتلة «العدالة والتنمية» رغم تعارضها مع الأيديولوجيا التقليدية التي يتبنّاها الحزب، قبل أن يتّجه منذ وصوله للسلطة وبشكل تدريجي، للتخلي عن الخطاب الهوياتي، ويعتنق ما رآه منتقدوه البراجماتية السياسية معتقدًا أنّها ستكسبه ثقة القصر الملكي، إلا أنها أفقدته ثقة بعض أنصاره وقواعده الشعبية.

بدخوله الحكومة ومغادرته مقاعد المعارضة، واجه حزب «العدالة والتنمية» واقعًا شائكًا أرغمه على «الانقلاب» على بعض مقولاته وشعاراته التي دافع عنها من قبل حسبما يقول منتقدوه؛ ليس فقط على الصعيد الهوياتي والأيديولوجي فحسب، بل حتى على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.

فبينما تتشكّل القاعدة الرئيسة للحزب من الطبقة الوسطى والفئات الهشة والفقيرة المحافظة اجتماعيًا، اتخذ الحزب سياسة اقتصادية ليبرالية، رفعت يد الدولة من التزاماتها الاجتماعية، مثل إصلاح قانون التقاعد، وصندوق الدعم الاجتماعي (المقاصة)، وتحرير أسعار بعض المواد المدعمة.

تمرير هذه القوانين التي لا تحظى بشعبية صبّ في المصلحة المباشرة لمنظومة الحكم الملكية: فمن جهة، يفقد «العدالة والتنمية» جزءًا من شعبيته بسبب غضب قواعده من هذه الاجراءات الاقتصادية التقشّفية، ومن جهة أخرى يتجنّب القصر الملكي الانتقادات التي تصاحبها؛ ومن جهة ثالثة، فإن هذه الاجراءات الاقتصادية كانت مخطّطًا لها منذ مدّة، لكن القصر فضّل تمرير هذه المشاريع التي لا تحظى بشعبية، بأيدي حكومة منتخبة من الإسلاميين، لتدفع هذه الحكومة فاتورة هذه القرارات، بدل «القصر»، رغم أن هذا الأخير هو الذي يحوز على السلطات الحقيقية في البلاد.

في المقابل استخدم «القصر» إستراتيجية مدروسة ومصمّمة على المدى المتوسّط من أجل إنهاك الحزب سياسيًا، وإحراجه أمام قواعده، وتجريده من شعاراته الهوياتية والأيديولوجية، من خلال إجباره على المصادقة على قوانين وملفات تتعارض مع الشعارات التي رفعها في حملاته الانتخابية، ودعايته السياسية والدعوية أثناء تواجده في المعارضة، مثل التطبيع مع إسرائيل، وتقنين الحشيش وغيرها؛ ناهيك على أن استناد الملك إلى «الشرعية الدينية» في حكمه للبلاد باعتباره «أميرًا للمؤمنين» حسب الدستور المغربي؛ يجعله في صدام غير مباشر مع أي حزب يستند إلى المرجعية الدينية.

 

المصادر

تحميل المزيد