ملك إسبانيا الجديد فيليبي السادس سيقوم بزيارة للمغرب خلال شهر رمضان المقبل، وستكون أول زيارة لهذا الملك خارج المملكة الاسبانية منذ اعتلائه العرش قبل أيام فقط. والزيارة التي أعلن عنها الساسةُ في العاصمة الاسبانية مدريد هم الأوائل قبل المغاربة، تحمل أكثر من رسالة إلى الرباط، قبل غيرها من عواصم العالم؛ فهي من جهة تؤكد مدى أهمية وأولوية التعاون بين مملكتين تفصلهما كيلومترات معدودة فقط من مياه البحر المتوسط، بالرغم من تواجدهما في قارتين مختلفتين، وهي من جهة أخرى تريد طمأنة الرباط بمكانتها لدى القصر الإسباني، وإن كانت الحكومات الإسبانية المتعاقبة تختلف درجة “تعاونها” معها، بل قد لا تكون على أحسن ما يرام كما حدث ذات يوم حين حرّكت أساطيلها البحرية وطائراتها الحربية ملوحة بحرب ضد المغرب لمجرد أن جنودًا مغاربة دخلوا إحدى الجُزر التي تزعم إسبانيا أنها تابعة لها، بينما المغرب يعتبرها إلى جانب جزر أخرى ومدينتين هُما سبتة ومليلية مناطق محتلة من طرف اسبانيا، وإن كان هذا المغرب لا يطالب بهما إلى اليوم لأسباب غير معلومة.

حوار سياسي !

وزيرا خارجية البلدين صلاح الدين مزوار وغارثيا مارغايو خلال لقائهما هذا الأسبوع في الرباط

وزير الخارجية الإسباني غارثيا مارغايو يكشف بداية الأسبوع أن ملك إسبانيا فيليبي السادس سيقوم بزيارة للمغرب خلال شهر رمضان المقبل، وذلك خلال ندوة صحفية عقب لقاء جمع مارغايو بوزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار، بمقر وزارة الخارجية بالرباط، وزير الخارجية المغربي لم يدل بدلوه في الموضوع على اعتبار أن أخبار القصر المغربي لا تخرج إلا من القصر وعبر بيان رسمي من الديوان الملكي.

مارغايو أوضح أن زيارة الملك فليبي السادس للقاء الملك محمد السادس، تدخل ضمن زيارات “الحوار السياسي” التي دأب عليها البلدان منذ عقود.

وفي سؤال لأحد الصحافيين عن إمكانية حدوث “مشاكل” كتلك التي أثارتها زيارة الملك خوان كارلوس للمغرب في نفس التوقيت من السنة الماضية، حينما تم العفو عن مغتصب الأطفال (البيدوفيل) دانييل غالفان الإسباني، الذي كان محكومًا عليه بـ30سنة سجنًا، بتهمة اغتصاب 11 طفلًا مغربيًّا، غير أنه استفاد من عفو من ملك المغرب وهو ما أثار موجة من السخط الشعبي اضطرت الملك المغرب محمد السادس لأن يصدر لأول مرة ما يشبه “الاعتذار”، بعدما أصدر بلاغًا يسحب على إثره العفو ويطالب السلطات الإسبانية بإعادة اعتقال ذاك “الوحش الآدمي”، أوضح مارغايو أن مثل هذه الأشياء لن تتكرر في المستقبل، مؤكدًا على “العلاقة الجيدة” التي تجمع بين الملك محمد السادس والملك فيليبي السادس، الذي تولى العرش قبل أسبوعين بعد أن تنازل له والده خوان كارلوس عن ذلك.

سبتة ومليلية واستمرار الاحتلال !

العديد من التحليلات تستبعد أن يتطرق ملك اسبانيا الجديد حول ملف مدينتي سبتة ومليلية مع العاهل المغربي

يبدو من العبث، لدى عدد من المتتبعين، القول أنه سيفتح أثناء الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا الجديد للرباط ملف المدينتين المحتلتين المتواجدتين بالشمال المغربي “سبتة” و”مليلية”، اللتين يعود احتلالهما إلى القرن 15 الميلادي، ولا يتم التطرق إليها من طرف ساسة الرباط بمن فيهم ساسة القصر إلا نادرًا وبطريقة “خجولة” جدّا وعبر التلميح دون التصريح في غالب الأحيان.

وفي آخر مرة “تجرّأ” المغرب الرسمي على فتح فمه والتطرق إلى وضعية المدينتين “السليبَتين” كما يفضل المغاربة وصفهمها، كانت في عقد الثمانينيات عندما دعا الملك الراحل الحسن الثاني إسبانيا إلى أن يُنشئ البلدان “خلية تفكير” في وضعية المدينتين، لكن دعوة الملك الراحل لم تتعد البحر إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط وبقيت دون صدى لدى الجيران الإسبان.

ويبدو أن القول بـ”تجميد” المطالبة بسبتة ومليلية لإرجاعهما إلى المغرب، سواء في عهد الملك الإسباني السابق خوان كارلوس، أو في عهد الملك الحالي فيليبي السادس، في انتظار تصفية مشكلة الصحراء التي تطالب البوليساريو بدعم من الجزائر باستقلالها عن المغرب، وهي القضية التي تستنزف من المملكة المغربية منذ نحو أربعة عقود الكثير من المال والجهد الدبلوماسي، يبدو أن هذا الطرح يتسم بكثير من الصواب، وفي الغالب ربما كان الموقف الملائم بالنسبة للرباط على اعتبار أنه سيكون أمرًا غير محسوب العواقب وذا تكلفة باهظة أن تفتح الرباط جبهة مواجهة جديدة في الشمال إلى جانب الأخرى الموجودة في الجنوب (الصحراء) منذ سنة 1975.

سفير المغرب باسبانيا فاضل بنيعيش المقرب من الملك محمد السادس الذي اختاره ليكون سفيرًا للمملكة لدى الجيران الإسبان

هذا التوجه الأخير يبدو أنه مع مرور الوقت تولدت عنه أفكار لدى ساسة الرباط قد تنفعهم انطلاقًا من مقولة “رب ضرة نافعة”؛ فعندما غادر المغرب الاتحاد الأفريقي (منظمة الوحدة الأفريقية سابقًا)، في بداية الثمانينيات (سنة 1983) غضبًا واحتجاجًا ضد ضم المنظمة الأفريقية كيانًا وهميًّا اسمه “الجمهورية الصحراوية” التابعة للبوليساريو المتواجدة على الأرض الجزائرية، كان من اللازم على المغرب أن يبحث عن فضاءات أخرى بديلة لتجنب السقوط في “عزلة” إقليمية، فكان أنْ أرسل الراحل الحسن الثاني العديد من الإشارات العلنية وغير العلنية إلى الفضاء الأوروبي من أجل تمتيع المغرب الذي يعتبر أقرب نقطة جغرافية إلى أوروبا بـ”وضع خاص” إزاء فضاء الاتحاد الأوروبي، قبل أن يقولها الحسن الثاني صراحة ويطلب العضوية بالاتحاد الأوروبي، وهو ما رفضه البعض بينما أبدى البعض الآخر تفهمه للطلب المغربي لاسيما أنه كان مؤسسًا على معطيات موضوعية.

وضعٌ متقدمٌ

هذه الصورة المؤثرة التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية في سنة 1999 في جنازة الملك الحسن الثاني تؤكد متانة العلاقات بين الأسرتين الملكيتين بالرغم من الخلافات السياسية

الحسن الثاني اعتمد بالأساس في طلبه على “الامتداد” الجغرافي للاتحاد الأوروبي، حيث له حدود مع المغرب، وكان الملك الحسن الثاني يقصد حدود مدينتي سبتة ومليلية، مع الفرض جدلًا بأن يتخلى المغرب عنهما لإسبانيا في هذه الحالة، أي انضمامه إلى الفضاء الأوروبي.

هذا المطلب المغربي سرعان ما طُوي بمجيء الملك المغربي الحالي محمد السادس، حيث تم اقتراح منح المغرب “وضعًا متقدمًا” أو صفة “الشريك المتميز” للاتحاد الأوروبي، وهو ما تم فعلًا في سنة 2008 بعد مفاوضات ماراثونية استمرت من سنة 2000 إلى سنة 2007. ولعل ذلك فسره البعض بكونه ناتج عن قناعات الملك محمد السادس المبنية على أساس تعاون متكافئ بين الاتحاد والمغرب، وهي القناعات التي ترجمها الملك في بحث نيل شهادة الدكتوراه لما كان وليا للعهد، بحيث تطرق لإشكاليات التعاون بين الطرفين.

بعيًدا إذن عن ملفات الأمن ولاسيما المرتبطة بالهجرة السرية والإرهاب، والاقتصاد، والمهاجرين المغاربة، يبقى من المستبعد جدًا حالياً وفي ظل استمرار مشكلة الصحراء التطرق لملف سبتة ومليلية حتى ولو تبدّل ملوك المملكتين الصديقتين المغرب وإسبانيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد