كانت ثلاث ساعات من التساقطات المطرية، قبل يوم أمس، كافية لتحول شوارع مدينتي سلا والرباط بالمغرب إلى بحيرات مائية تطفو عليها السيارات وتُغرق المنازل وتعطل حركة السير فيما استغلها بعض الأطفال والمراهقين في ممارسة السباحة على أرضية الشوارع الغارقة بالماء، بعدما عجزت شبكة التصريف الصحي في تنفيس المدينة.

وعجت شبكات التواصل الاجتماعية بالمنشورات الساخرة من الحالة السوداوية التي بدت فيها العاصمة لمجرد هطول كمية من التساقطات، قدرتها الأرصاد الجوية بـ119 مليمتر، تعد طبيعية لدى بعض البلدان ما يثير التساؤل حول العوامل المسؤولة وراء تعرض المغرب لفيضانات فادحة بشكل مكرر، على الرغم من عدم تناسب كمية الأمطار المتساقطة مع حجم الخسائر البادية.

الفيضانات في المغرب

ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المملكة المغربية لفيضانات جامحة، إذ سبق أن واجهت البلاد منتصف العام الماضي فيضانًا بمنطقة تارودانت حصد ستة أرواح، وكانت قد خلفت سيول سنة 2014 بالجنوب الشرقي للمغرب حوالي 32 ضحية.

https://www.youtube.com/watch?v=xk2IZlfIDmw

وتحذر المنظمات العالمية البلدان النامية والفقيرة، باعتبارها الأكثر هشاشة أمام الكوارث الطبيعية، من خطر تداعيات التغيرات المناخية التي قد تظهر على شكل فيضانات بفعل تساقطات عالية في وقت وجيز، منها البنك الدولي الذي كشف في تقرير سابق أن 1.8 مليون مغربي مهددون بالفيضانات والسيول، من بين 25 مليون في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وكان المجلس الأعلى للحسابات، وهو مؤسسة رسمية، أشار في تقرير له إلى أن المغرب شهد 96 كارثة كبرى، عرفها في أكثر من 300 مدينة خلال الفترة ما بين 1960 و2014، منبهًا إلى أن عدد الكوارث الطبيعية تضاعف بين سنة 2000 و2014 بـ22 مرة تقريبًا، وذهب إلى أن المملكة أصبحت معرضة أكثر للفيضانات، التي تكبد الاقتصاد الوطني 800 دولار سنويًا، بالإضافة إلى الخسائر البشرية.

ووعد البنك الدولي خلال لقاء مؤتمر الأطراف الأممي المقام نهاية العام المنصرم، المغرب، بتوفير 281 مليون دولار سنويُا، في حالة تطبيقه حزمة الإجراءات التي يقترحها للتصدي للكوارث البيئية، وفي حالة العمل على التحذير المبكر من الكوارث الطبيعية، مؤكدا أن الفقراء والمهمشين، خاصة بالمناطق الريفية، هم الأكثر تعرضا للخسائر أثناء التعرض للكوارث الطبيعية.

وعادة ما تُعرّي هذه الفيضانات التي تضرب المغرب البنيات التحتية للبلد وتفضح فشل إدارة المخاطر به، كما تظهر عجز المسؤولين الحكوميين والإعلام الرسمي في التعاطي مع مثل هذه الكوارث، في استسهال لحياة المواطنين ومصالحهم المعيشية.

أموال وقوانين بلا فائدة

يخصص المغرب صندوقًا خاصًا بمكافحة آثار الكوارث الطبيعية، لتعبئة الموارد اللازمة لمواجهة الخسائر الناجمة هذه الكوارث، ويقدر حجمه بـ 625 مليون درهم، كما يخصص غلافا ماليا خاصا بالمتضررين من الفيضانات يبلغ قدره مائة مليون درهم، وتم تسريع وتيرة بناء المنشآت المتعلقة بالحماية من الفيضانات، والتي تهم 50 نقطة سوداء أكثر أولوية، في الفترة 2009-2014، بمبلغ يصل إلى 590 مليون درهم، حيث استفادت ستة أقاليم من البرنامج، حسب تقرير «الحسابات الخصوصية للخزينة».

هذا وأنفق المغرب حوالي 210 ملايين من أجل تقوية شبكة الأرصاد الجوية خلال السنوات الخيرة، حيث وُسّعت رقعة تغطية الرادارات وتحديث أجهزة الاستشعار والإنذار بالتساقطات المطرية الغزيرة، وتحسين كثافة شبكة تتبع الأرصاد، وتعزيز الأنظمة الرقمية الخاصة بتتبع التغيرات الجوية وجمع المعطيات المناخية.

وعقد المغرب في هذا الإطار اتفاقيتين للشراكة مع الوكالة الفرنسية للتنمية، بمناسبة أشغال الدورة 22 لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية، نوفمبر (تشرين الأوّل) من العام الماضي، تهم أساسًا توسيع وتأهيل شبكات الصرف الصحي في 30 جماعة محلية، تحتضن ما يقرب 800 ألف من السكان، موزعة على حوالي 23 مقاطعة.

كما تتوفر المملكة على ترسانة قانونية مهمة في مجال إدارة الشأن المحلي ومجال التهيئة وإعداد التراب الوطني، التي لها علاقة بتدبير خطر الفيضانات، تتجسد في قانون الماء «10-95»، وقانون التعمير «25–95»، بالإضافة إلى مراسيم الوكالات العمومية المعنية، مثل وكالة الحوض المائي لملوية ومديرية التجهيز والجماعة الحضرية.

[c5ab7

لكن رغم كل هذه الأموال والنصوص القانونية المخصصة لمكافحة الفيضانات، فقد بدت العاصمة الرباط نفسها في حالة يرثى لها أمام السيول الأخيرة، والتراخي المهول في إنقاذ حياة المواطنين في فيضانات كلميم قبل عامين، ما يحيل إلى وجود خلل حقيقي في منظومة مكافحة الفيضانات بالمغرب.

وكان المجلس الأعلى للحسابات قد أقرَّ بهذه المشكلة، في تقرير له سنة 2015 بعنوان «تقييم تدبير الكوارث الطبيعية في المغرب»، حيث اعتبر أن فيضانات الجنوب الشرقي سنة 2014 كشفت عن «مكامن الضعف المرتبطة بهشاشة النسيج الاجتماعي والاقتصادي»، وأبانت عن خصاص في البنية التحتية الأساسية وعن أعطاب في تدبير الكوارث الطبيعية على المستوى المؤسساتي والتقني والتنظيمي.

أسباب هشاشة المغرب أمام الفيضانات

تعرضت المملكة لفيضانات متكررة على مدى عقود، إلا أنه في كل مرة تتكبد خسائر مادية وفي الأرواح كلما تهاطلت المطار بغزارة، دون استفادة الجهات المسؤولة من الدروس لإظهار تعاطي أفضل مع الكارثة، حيث تقوم مقاربة السلطات العمومية على  السلطات على  «رد الفعل»، والذي عادة ما يكون بطيئا وغير فعالا بشكل قوي، بدل نهج «المقاربة الاستباقية» للحماية من مخاطر الفيضانات والكوارث الطبيعية.

ويفسر بريان توكر في ورقة بحثية له نشرها سنة 2013، سبب هذه المقاربة السائدة لدى بلدان العالم الثالث تجاه الكوارث الطبيعية عموما، والمتسمة باللامبالاة، إلى تشبع تلك المجتمعات بموروثات ثقافية دينية متجذرة، تعتبر الكوارث الطبيعية «قدرا إلهيا لا مناص منه»، ينبغي الاستسلام له، فتكف عن العمل على مواجهة تلك الكوارث، ما يجعلها عرضة للخسائر الفادحة، مرة تلو الأخرى دون التعلم من الخطاء السابقة.

ومن ثمًّة يدعو المتخصصون في إدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، كما أكدوا خلال الاجتماع الأممي بسينداي اليابانية قبل عامين، إلى ضرورة بلورة مشروع شامل ومتكامل يعنى بهذا المجال، بحيث يقوم على فهم مخاطر الكوارث، وتقوية تنظيم إدارة المخاطر في جميع القطاعات، والاستثمار في إجراءات الحَدّ من المخاطر التي تعزز المرونة، وتحسين التجهيز لمجابهة الكوارث، والاستجابة السريعة للكوارث بحيث تتعافى المناطق المتضررة بشكل أفضل.

وفي الحقيقة يملك المغرب برنامجًا على مستوى الأوراق، من شأنه تخفيف خسائر الفيضانات على الأقل، وهو متجسد اساسا في الترسانة القانونية المنظمة للماء والتعمير والإنقاذ، لكن ضعف الحكومة واستشراء الفساد يحيل دون تفعيل هذه النصوص النظرية على أرض الواقع، ما يفقدها جدوانيتها العملية في حماية المواطنين من الفيضانات، ويعري هشاشة البنيات التحتية الأساسية، غير القادرة على تحمل الأمطار الغزيرة، ومنه تفشل السلطات في الاستجابة الفعالة والسريعة قبل وأثناء وبعد الكارثة.

كما يتوفر البلد على مخطط وطني للحماية من الفيضانات، وهي دراسة أنجزتها وزارة الماء الوطنية، مكَّنت من رصد 400 موقع في المملكة معرض للفيضانات، وعلى أساس هذه المعطيات تم بناء نظام الإعلام الجغرافي «MNHPRA»، الذي يمكن من التحليل الاحتمالي لمخاطر الكوارث الطبيعية في المغرب، حيث يستطيع جرد المواقع الأكثر عرضة للفيضانات بشكل مُحيَّن، وتحليل الآثار المالية لهذه المخاطر، إلا أنه لم يتم استغلاله كما يجب لدى أجهزة الوزارات المختلفة، وفق المجلس الأعلى للحسابات.

لكن ما ينقص المغرب، كما بدا جليًا خلال فيضان العاصمة وسلا الأخيرة، هو عدم وجود قنوات خاصة بتصريف الأمطار والسيول، إذ أن شبكة الصرف الصحي تكون مصممة أساسا لتصريف مياه المنازل فقط، وعندما تنضاف الأمطار الغزيرة إليها فإنها تعجز عن استيعاب كميات المياه الهائلة، بخاصة وأن التساقطات تختلط بالمواد الصلبة على الأرض بعد هطولها، لتتسبب في انسداد قنوات الصرف الصحي.

ولهذا السبب، تلجأ بعض البلدان إلى بناء شبكات خاصة بتصريف مياه المطار والسيول، لمنع اختناق المدن بالمياه في حالة التعرض للأمطار الغزيرة، وبالتالي منع حدوث فيضانات قد تسبب تدميرا للممتلكات والأرواح وتشل حركة السير.

وتحظى بعض المناطق في العالم بالريادة في هذا المجال، التي يمكن الاستفادة من تجربتها في مكافحة الفيضانات، منها هولندا إحدى أكثر بلدان العالم تعرضا للفيضانات بسبب انخفاضها عن سطح البحر وكميات الأمطار الغزيرة التي تشهدها، إلا أنها تبدع أنظمة متطورة في كل مرة لمواجهة خطر الفيضانات، وتنجح في منع البحر والأمطار من قضم أراضيها المنخفضة. ونفس الشأن مع كاليفورنيا الأمريكية التي تتعرض بشكل اعتيادي للأمطار الغزيرة والسيولة المصحوبة بالأعاصير، لكنها تستطيع مواجهة أعتى الكوارث بأقل خسائر، وآخرها فيضان وإعصار ساندي، بفضل خبرتها وكفاءة أنظمتها في مواجهة المخاطر الطبيعية.

اقرأ: 

علوم

منذ 4 سنوات
لماذا تُخلّف كوارث الطبيعة خسائر فادحة في بلدان دون أخرى؟
1816
خالد بن الشريف

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد