أعلنت دولة جنوب السودان حصولها على 5 مليون دولار من المملكة المغربيّة، من أجل تمويل التخطيط الأوليّ لعاصمتها الجديدة «رامشيل» التي ستشرع في بنائها، وذلك بعدما أكّد المغرب تمويله الكامل لبناء عاصمة جديدة للدولة الأفريقية.

استبق هذا الإعلان الرسمي من جانب المغرب زيارة للملك محمد السادس لجنوب السودان في محاولة لتعزيز النفوذ المغربي الذى بات حاضراً بشكل كبير فى كثير من العواصم الإفريقية، والذى يتنوّع بين استثمارات بملايين الدولارات وعلاقات دبلوماسية نافذة مع قادة هذه الدول، تحاول من خلال ذلك المملكة المغربيّة زيادة نفوذها وحضورها السياسيّ في القارة السمراء، خصوصًا في منطقة القرن الافريقي الذي بات يشغل اهتمام الكثير من اللاعبين الإقليميين.

ليست جنوب السودان فقط.. كيف تحول المغرب لأكبر مستثمر في القارة الإفريقية

لا يُعد تكفّل المغرب بتمويل بناء عاصمة جديدة لجنوب السودان توجّهًا استثنائياً بالنظر إلى استراتيجية البلد العربي نحو التوسّع في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

Embed from Getty Images

ملك المغرب محمد السادس في قمة الإتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي

وتزامن الإعلان المغربي عن اتفاقيات تعاون مع جنوب السودان وتعهّد من جانب السلطات المغربية إيفاد بعثات إلى جوبا لتعزيز الفرص الاستثمارية والتعاون الثنائي فى مجالات الزراعة والصحة والدعم الإنساني.

ويُعد الملك محمد السادس هو أول حاكم عربي يزور دولة جنوب السودان، في فبراير (شباط) العام الماضي، وهي الزيارة التي نتج عنها توقيع تسع مذكرات تفاهم بين جوبا والرباط، شملت مجالات البنية التحتية لعاصمة جنوب السودان المستقبلية «رامشيل»، بالإضافة إلى مجالات الزراعة والصناعة والاستثمار والصحة وغيرها.

تقوية العلاقات بين المغرب وجنوب السودان تزامن كذلك مع تحرّك مواز للملك محمد السادس كي لا يفقد علاقات بلاده مع السودان ورئيسها عُمر البشير عبر فتح قناة اتصال دائمة، وتنسيق زيارات متبادل بينهما.

وزار الملك محمد السادس ما لا يقل عن 14 بلداً افريقياً منذ أكتوبر (تشرين الأوّل) 2016، وتنوّعت استثماراتها بمنطقة غرب ووسط القارة بين قطاعات الاتصالات، والمصارف، والتأمين، والعقار، والبناء، والنقل الجوي، والمعادن، والكهرباء، والصحة، والصيدلة، والتجارة، والصناعة، والأسمنت. وتستورد المغرب من إفريقيا نحو نصف احتياجاتها من الغاز وباقي المشتقات النفطية.

وقد صُنفت سبع مدن مغاربية ضمن تقرير للأمم المتحدة ضمن الأكثر جذبا للاستثمار في القارة الأفريقية، من بينها أربع مدن مغربيّة. وتتواجد الاستثمارات المغربيّة في عدّة دول أفريقيّة، من بينها رواندا؛ التي شملت بناء مصنع مساحته 10 آلاف متر مربع سيبدأ تشغيله في العام 2019، وتشييد نحو 5 آلاف  وحدة للسكن الاجتماعي في العاصمة الرواندية كيغالي باستثمار يفوق 62 مليون يورو (65 مليون دولار).

كما يشارك المغرب دولة نيجيريا في تدشين مشروع خط إقليمي لأنابيب الغاز يربط موارد الغاز لنيجيريا بأسواق العديد من بلدان غرب أفريقيا والمغرب، فيما قدّر النسخة 16 من التقرير الذي صدر عن البنك الإفريقي للتنمية في اجتماعه السنوي 52 عن «الآفاق الاقتصادية في إفريقيا»، الصادر سنة 2017 أن حجم استثمارات المغرب في القارة الإفريقية  يبلغ نحو 8 مليارات دولار وذلك خلال عامي 2015-2016.

كما تتواجد كبرى الشركات المغربية في كافة الدول الإفريقية كالمكتب الشريف للفوسفات، المتواجدة في إثيوبيا من خلال مصنع ضخم بقيمة 3.7 مليارات دولار. وتُخطط المغرب لإنشاء 14 شركة تابعة له في نيجيريا، وإثيوبيا، وغانا، وكينيا، وموزامبيق، وزيمبابوي، وزامبيا، وتانزانيا، وأنغولا، والكونغو الديمقراطية، وبنين، والكاميرون، والسنغال وساحل العاج ، مستغلا توجه هذه الدول للزراعة الحديثة.

مجال التعليم هو الآخر كان أحد أسلحة المغرب الناعمة لاختراق القارة الأفريقية، إذ يقدّم المغرب منحًا دراسية لآلاف الطلاب الأفارقة لمتابعة الدروس الجامعية في الجامعات ومعاهد التعليم العالي المغربية، كما يدرّب عناصر الجيش في مدارسه الحربية ورجال الدين في أكاديمية الإمام الشهيرة.

وقد شكلت الخبرة المغربية فى مواجهة التنظيمات المتشددة أحد عوامل تعزيز التعاون مع إفريقيا؛ خصوصاً فى ظل انتشار التنظيمات المتطرفة فى جنوب إفريقيا، ومحاولة المملكة المغربية تقديم خبرتها ووسائل مكافحتها بعدما ارتفعت مخاطرها من الناحية الأمنيّة أو المُجتمعيّة.

ولعل ما يؤشر على التركيز المغربي على تصدير خبرتها فى مكافحة التنظيمات الإرهابية لدول جنوب إفريقيا؛ الحضور المُكثف لهذه الدول فى «منتدى مراكش للأمن» الذي عُقد العام الماضي، وهو مؤتمر سنوي شبه رسمي يجمع خبراء وصنّاع سياسة ينظمه أبرز مركز للأبحاث والدراسات يُعنَى بالسياسة الخارجية في المغرب.

كما توسّع المغرب فى الاستثمارات من خلال شركة كوماناف للنقل البحري والخطوط الملكية المغربية، فضلاً عن البنوك المغربية وبالأخص البنك التجاري (وفا)، بالإضافة إلى الفرع الأفريقي للبنك المغربي للتجارة الخارجية فتح فروع في أغلب دول غرب أفريقيا.

ويُمثل القطاع المصرفي 52% من التواجد المغربي بأفريقيا، بأكثر من 500 فرع لبنوك مغربية منتشرة في معظم المدن والعواصم الإفريقية، يليها قطاع الاتصالات بـ 26%.

وكان التحول الأكبر في علاقة المغرب مع دول إفريقيا فى عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وجنوب إفريقيا بعد قطيعة دبلوماسية دامت 13 سنة نتيجة اختلاف الرؤى بشأن قضية الصحراء الغربية، وذلك عقب لقاء العاهل المغربي محمد السادس بنظيره الجنوب إفريقي جاكوب زوما، فى ديسمبر (كانون الأوّل) العام الماضي، على هامش مشاركتهما في أشغال القمة الخامسة للاتحاد الإفريقي – الاتحاد الأوروبي.

وقد توج هذا التحرك الدبلوماسيّ المكثف من جانب المغرب في الانضمام للمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكوواس) بعد تقدمها بطلبٍ رسمي للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية في 24 فبراير (شباط) 2017. وقد استبقت تلك المحاولة عودة المغرب الناجحة إلى الاتحاد الأفريقي في 30 يناير (كانون الثاني) 2017 بعد 33 عاما من تجميد عضويته في الاتحاد الإفريقي.

أولويات المغرب في أفريقيا: حصار «البوليساريو» والضغط على الجزائر

يرتبط توسع المغرب في الاستثمارات داخل البلدان الأفريقية بأكثر من هدف يحاول تحقيقه من وراء هذا التوسع والعلاقات الدبلوماسية النافذة. أحد أهم هذه الأهداف هو محاولة استخدام هذا النفوذ فى تغيير مواقف الدول الأفريقية تجاه «جبهة البوليساريو» فى إقليم الصحراء؛ بعدما اعترفت غالبية الدول الأفريقية بها سابقًا وبمطالبها بالاستقلال عن المغرب.

Embed from Getty Images

الحدود الجزائرية المغربية

ولا تنفصل زيارة الملك محمد السادس وتعهد بلاده بتمويل بناء عاصمة جديدة لجنوب السودان عن قضية الصحراء الغربية؛ خصوصًا أن مسؤولين من جنوب السودان استقبلوا في العام 2011 مسؤولين من «جبهة البوليساريو»، وأعلنت عن اعترافها بها وقبولها بأن تفتتح الحركة مقرًا لها في جوبا.

وقد انعكس هذا الحضور المغربي النافذ خلال العامين الأخيرين على اختراق مواقف الدول الداعمة للجبهة، وتبني الطرح المغربي بحل أزمة النزاع في الإقليم من خلال الحكم الذاتي، وهو ما انعكس فى تغيير مواقف العديد من الدول وتبنى الموقف المغربي مثل السنغال وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى والجابون والكونغو الديمقراطية وبوركينا فاسو.

كما يرتبط تعزيز الحضور المغربي في القارة الأفريقية من أجل منافسة النفوذ الجزائري، خصوصًا بسبب التحركات الجزائرية من أجل انتزاع اعتراف الدول الأفريقية باستقلال الصحراء، وهو ما نجحت فيه قبل الحضور المغربي المُكثف في أفريقيا.

ويربط تصريح صادر عن وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل في مداخلة له في منتدى جامعي،  تزايد الاستثمارات المغربية في أفريقيا في السنوات الأخيرة، بالمهام غير قانونيّة تنفذها المصارف المغربية من خلال تبييض الأموال الناجمة عن الاتجار بالمخدرات. وقال: «المغرب يعني تبييض أموال الحشيش»، مضيفا «العديد من القادة والزعماء الأفارقة يعرفون هذا الأمر ويقرون به».

كما ربط بين نشاط حركة الخطوط المغربية في أفريقيا وبين أدوارها غير القانونية، قائلًا: «الملكية المغربية (للطيران) تقوم بنقل أشياء غير الركاب، وهذا يعلمه الجميع. لسنا المغرب، نحن الجزائر. لدينا إمكانات، لدينا مستقبل. نحن بلد مستقر».

ولم تكتف الجزائر لمجابهة نفوذ المغرب السياسي فى أفريقيا بهذه التصريحات الرسمية فقط، بل روجت على المستويات الرسمية باستغلال المملكة لهذا التعاون الاقتصادي مع القارة الأفريقية لخدمة مصالح الغرب من خلال فتح الأسواق لمنتجات الشركات المتعددة الجنسيات من أجل التصدّي للنفوذ الصيني؛ وذلك في محاولة لدفع الدول الأفريقية لوقف هذا التعاون.

Embed from Getty Images

صورة لملك المغرب مع الرئيس الفرنسي خلال جولة مشتركة

المُحدد الثالث الذي يرتبط بتعزيز الحضور المغربي في غرب أفريقيا هو فشل تجربته في إقامة علاقات تجارية واستثمارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي كانت تعول عليها في أعوام 2006 إلى 2008 ، فضلًا عن ارتفاع خسائر القطاعات الأساسية – كالتجارة، السياحة، التحويلات، الاستثمارات – القائمة على التعاون مع أسواق أوروبا بعد اندلاع أزمة منطقة اليورو في العام 2007.

ويرتبط بالمُحدد الثالث بشكل أخص كذلك الرغبة المغربية فى أن يتحوّل إلى مركز للتجارة والإنتاج قادر على الربط بين الكتل التجارية في أوروبا وأمريكا وأفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدًا من بعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء عن الأسواق الأوروبية، وما يترتب عليه من صعوبة الوصول إلى أسواقها.

وحسب بحث صادر عن مركز «كارنيجي» للأبحاث والدراسات السياسية، فإن توجيه البوصلة نحو أفريقيا هو ثمرة مسار طويل أعاد المغرب من خلاله تقويم المنافع والخسائر المترتّبة عن أولويته السابقة المتمثلة في السعي إلى إقامة علاقات تجارية واستثمارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

المصادر