في الأسبوع الماضي، استقبلت الرياض الملك المغربي «محمد السادس»، خلال أعمال القمة المغربية الخليجية الأولى. هذا اللقاء الذي انتهى بمكاسب إستراتيجية كُبرى للمغرب، تمثل فيما جاء به البيان الصادر عن اللقاء، والذي أوضح دعم دول الخليج لمغربية الصحراء، ومساندتهم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، «كأساس لأي حل لهذا النزاع الإقليمي المفتعل».

كما شملت قائمة دعم دول الخليج للمغرب تعهدًا، من جانبهم، برفض أي مساس بالمصالح العليا للمغرب، إزاء المؤشرات الخطيرة التي شهدها الملف في الأسابيع الأخيرة. مُختتمًا بتأكيد القادة، على «أهمية استمرار التشاور والتنسيق من أجل دعم ركائز الشراكة القائمة بين دول مجلس التعاون الخليـجي والمملكة المغربية، تحقيقًا لتطلعات شعوبهم، وخدمة لمصالح الأمّتين العربية والإسلامية، ولتحقيق السلم والأمن الدوليين».

هذا اللقاء الذي يأتي ضمن سياق تحالف أكبر بين السعودية والمغرب، يحمل وراءه القضايا السياسية الخفية، ورهانات مُتبادلة بين كُل طرف على الآخر، على عدد مُشترك في تحديات رئيسة، تهدد كليهما.

لماذا تسعى السعودية إلى تحجيم نفوذ الجزائر؟

مساعي المملكة العربية السعودية، لتوسيع نفذوها في المغرب العربي، بالشروع في تحالف استراتيجي مع المغرب، فيما يبدو أنه إعادة لترميم معسكر «الملكيات العربية»، مرتبط بمسألة تأتي على أولويات السياسة الخارجية للسعودية، في تحجيم نفوذ الجزائر، الذي كان تاريخيًا منضويًا تحت معسكر «الجمهوريات العربية»، ضد المعسكر الذي تتزعمه السعودية.

مساعي السعودية، لتحجيم نفوذ الجزائر مرتبط كذلك بالتنافر في المواقف بينها وبين الجزائر، في القضايا الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، وانخراط الأخيرة في تحالفات تجابه السعودية، في تنفيذ سياساتها. هذا الأمر ظهر في قرار جامعة الدول العربية، الذي دفعت به السعودية ودول الخليج، لتصنيف حزب الله منظمة إرهابية، بينما كانت الجزائر مُعارضًا رئيسًا لصدور هذا القرار، وهي المسألة التي بررها وزير خارجيتها بأن «حزب الله حركة سياسية وعسكرية تعتبر عنصرًا فاعلًا على الساحة السياسية الداخلية لبلد شقيق، وهو لبنان».

كذلك كان موقف الجزائر الرافض للمُشاركة في تحالف عاصفة الحزم، الذي تقوده السعودية في حربها على «الحوثيين» في اليمن، وهي المسألة التي أرجعها الخبراء إلى أن الجزائر لا تقبل أن تلعب دورًا أقل من الأدوار السابقة لها، في مُكافحة ما أسموه بـ«الإرهاب»، بخاصة في تشكيلها لتحالفات إقليمية سابقة، في حربها على الجماعات المسلحة، في تشاد ومالي والنيجر ونيجيريا ومصر والسودان، بجانب التصريحات الرسمية المُبررة هذا الموقف، بمضامين الدستور الجزائري، الذي ينص على عدم انخراط الجيش الجزائري في أية مهام قتالية خارج الحدود، ما شكّل عقيدة راسخة في السياسة الخارجية، مفادها عدم السماح بخروج قوات مقاتلة جزائرية خارج الوطن.

القضية الثالثة التي كانت عاملًا رئيسًا وراء تعميق الأزمة بين السعودية والجزائر، هو موقف الأخيرة من الأزمة في سوريا، المتطابق مع روسيا، حليف نظام بشار الأسد. كما أن الجزائر دعمت بقاء الأسد في مقعده الحاكم، فضلًا عن دخول الرئيس الجزائري على خط الأزمة السورية، بتنظيم أكثر من لقاء داخل الجزائر، للوصول لحل سياسي للأزمة، وهو الموقف المُناقض لوجهة نظر السعودية حيال الأزمة السورية. وجدير بالذكر، أن الجزائر تعتبر من أكبر شركات روسيا في أفريقيا، لاسيما في المجال العسكري والسياسي.

المغرب ذراع السعودية في شمال أفريقيا

الملك المغربي محمد السادس

سعت المملكة العربية السعودية لتوسيع رقعة نفوذها في المغرب العربي، منذ سنوات بمد أواصر العلاقة مع المملكة المغربية؛ في مسعى من السعودية لتحجيم نفوذ الجزائر في النظام الإقليمي العربي، عبر دعم متزايد للمغرب، وترجيح كفتها في التنافس التاريخي مع الجزائر أيضًا

هذا الدعم شمل تقديم السعودية منحًا مالية لا تُسترد للمغرب، خلال الشهر الجاري، شاملةً ثلاث اتفاقيات تمويل، تصل قيمتها الإجمالية إلى 230 مليون دولار، تخصّص الأولى لمشروع خاص بالري الفلاحي، والثانية لمشروع توفير التجهيزات الطبية للمستشفيات العمومية، فيما تخصّ الاتفاقية الثالثة مشروعًا لدعم المقاولات المتوسطة والصغرى.

هذا الدعم المالي مرتبط باعتماد السعودية على المغرب، كحليف عسكري قوي لها، شارك معها في مجموعة من الجبهات العسكرية، آخرها عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، ومناورات «رعد الشمال».

كما يرتبط هذا الدعم السخي من السعودية للمغرب بمحاولة توظيف القدرات الأمنية والمعلوماتية، التي تمتلكها الرباط لصالح مشروع الزعامة للسعودية في الشرق الأوسط؛ بجانب القدرات البشرية والعسكرية للمغرب؛ بغرض مساندة السعودية ضمن تحالف إسلامي واسع؛ في مواجهتها مع إيران.

بجانب ذلك، فالمغرب هي الواجهة السياحية المُفضلة لملوك السعودية؛ لقضاء «أجازاتهم»، ومن ذلك العطلة الصيفية الأخيرة للملك «سلمان بن عبدالعزيز»، بجانب كونها من بين أهم الوجهات التي يقصدها المستثمرون السعوديون، خاصة مناطقها السياحية.

مكاسب المغرب الاستراتيجية

كذلك فإن إحدى القضايا الرئيسة التي تسعى المغرب لاستخدام دعم السعودية ودول الخليج فيها، مقابل التماهي في المواقف الإقليمية مع السعودية، هي قضية الصحراء الغربية، التي تقع ضمن سيطرة المغرب. ويجد هذا الأمر ضغطًا متواليًا على المغرب في هذه القضية، من طرف الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون»، الذي اعتبر وجود المغرب هناك «احتلالًا»، ما يجعل الدعم الخليجي السياسي فائق الأهمية في هذا السياق للمرحلة الحالية.

الدعم السعودي للمغرب في قضية الصحراء الغربية، مسألة تأتي على أولوية سياساتها، خاصة بعد انخراط الجزائر ـ بإمكاناتها النفطية الكبيرة ـ في مساندة «جبهة البوليساريو»، وهي المسألة التي تسعى المغرب، من خلال دعم السعودية لها، إلى موازنة الضغط الجزائري عليها، بعلاقات متينة مع دول الخليج العربية.

هذه المسألة تعول المغرب عليها، من خلال تمويل مشتروات عسكرية مغربية؛ لغرض منع موازين القوى العسكرية بين الرباط والجزائر، وهي المسألة التي تكررت في مرحلة سابقة من الآن .

كذلك تعيش المغرب ضائقة مالية من حيث حجم الاستثمارات الأجنبية، وهي المسألة التي ترغب المغرب في تعويض النقص منها، بالاستثمارات الخليجية، التي تمثل أقل من 16% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في المغرب، من خلال زيادة الاستثمارات السعودية، وكذلك تسهيل حصول المواطنين المغاربة على فرص عمل في الدول الخليجية؛ لمنع تفاقم مشكلة البطالة من ناحية أخرى.

كما يسعى المغرب لتعظيم حجم التحويلات المالية من الخليج، من وراء هذا التحالف الاستراتيجي، خاصة مع بلوغ حجم الميزان التجاري بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي حوالي ثلاثة مليارات دولار عام 2014.

رهان السعودية على المغرب كحليف استراتيجي لها، تعكسه كذلك الوثيقة المُسربة ضمن وثائق «ويكليكس»، والتي تُظهر انزعاج الحكومة المغربية لما نشرته صحيفة «الحياة اللندنية» سعودية التمويل، بعنوان «دولة متكاملة في مخيمات البوليساريو تنتظر الاستفتاء»، وهي المسألة التي ارتأها وزير خارجية المغرب أمرًا مُهددًا للتحالف بين البلدين، بينما كان جواب السعودية مُمثلًا في اتصال تليفوني، بين وزير خارجية المغرب والعاهل السعودي، الذي طمأنه بموقف بلاده الثابت، والمؤيد للمملكة المغربية في قضيتها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد