هل تشكل المغرب الآن نموذجًا للريادة في العالم العربي بعد انقضاء 5 أعوام على 2011 الذي كان عام الثورات في بلاد العرب؟

في هذه الخريطة لعام 2016 التي أصدرتها مؤسسة «فريدم هاوس» (Freedom House) الأميركية، تظهر المملكة المغربية باعتبارها واحدةً من 5 دول عربية فقط، لم تُدرج في خانة الدول التي لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الحرية.

بحسب تلك الخريطة فإن بلدانًا شهدت انتفاضات «الربيع العربي»، مثل مصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، والبحرين، ودفعت ضريبة كبيرة من القتلى والمصابين والمعتقلين بغية الحصول على مطلب الحرية، لم تحصل بعد أكثر من 5 سنوات على قيام الثورات بها على الحد الأدنى المقبول منها، مقارنة بالمملكة المغربية التي استطاعت دولتها احتواء الثورة فيها والإبقاء على النظام السياسي بركيزته الرئيسة: القصر الملكي.

خريطة المنطقة العربية في تقرير مؤسسة «فريدم هاوس» (Freedom House) الأميركية، دون أية مسؤولية لـ«ساسة بوست» عن ترسيم الحدود الوارد فيها.

في نظر البعض استطاعت المغرب منذ عام 2011 وحتى الآن، أن تشكل بهدوء ودون أن يلاحظ أحد، قوة رائدة في العالم العربي على مختلف المستويات، وتعد تلك الخريطة التي قدمتها «فريدم هاوس» أحد الشواهد على هذا الرأي.

سيحاول هذا التقرير أن يقارب السؤال الصعب من مختلف فروعه: هل كانت المغرب أكبر المستفيدين في المنطقة من ثورات الربيع العربي التي أجبرتها على القيام بالعديد من الإصلاحات دون أن تدفع مثل غيرها ضريبة قيام ثورة، من حروب أهلية، وفوضى، وركود اقتصادي، فضلًا عن عدم تحقيق الحلم الرئيسي لها وهو الحرية؟ ومن ثمَّ هل تشكل المغرب الآن نموذجًا للريادة في العالم العربي بعد انقضاء 5 أعوام على 2011 الذي كان عام الثورات في بلاد العرب؟

حقيقة الريادة الاقتصادية

MOROCCO-SOLAR-ENERGY-NOORفي شهر فبراير (شباط) من عام 2016، طالعتنا التقارير الإخبارية بمعلومات تحمل قيمة مجازية تفسيرية كبيرة بالنسبة لهذا التقرير؛ إذ أعلنت المغرب افتتاح محطة (نور-1) للطاقة الشمسية، وهو المشروع الضخم الذي كان من المفترض في البداية أن يقام بتونس تحت اسم مشروع «تونور»، وكان من المفترض أن يساهم بتوفير 20 ألف فرصة عمل للمواطنين التونسيين، لكن المشروع سيقام في المغرب وبقيمة استثمار تعادل 22 مليار دينار، أي ما يساوي 80% من ميزانية تونس الحالة.

وبحسب تقرير أعدته نون بوست، فإن هذا ليس المشروع الأول الذي تخسره تونس وتربحه المغرب؛ فحدث غير مرة أن تكون الفكرة مقررة مبدئيًا في تونس لكنها تفشل في تحقيقها نظرًا لظروفها ما بعد الثورة، ثم تتحقق الفكرة على أرض الواقع في المغرب المستقرة.

فقد قام أكثر من 2600 رجل أعمال، من بينهم تونسيون، بتحويل استثماراتهم من تونس إلى المغرب منذ عام 2011، مبررين ذلك بالخسائر التي لحقت بهم جراء الفوضى والركود اللذيْن صاحبا الثورة التونسية، بالإضافة إلى احتجاجات وإضرابات العمال المستمرة من أجل الحصول على حقوقهم.

لم يكن رجال الأعمال والاستثمارات فقط هم من هربوا إلى تونس وتدفقت أموالهم إلى المغرب، وإنما السياح أيضًا؛ فقد حقق القطاع السياحي في المغرب نموًا بلغ 10% في عام 2014، في حين تراجع عدد السياح في تونس بنسبة أكبر من 30% في عام 2015، حيث قرر 11 مليون سائح في عام 2014 الذهاب إلى المغرب بدلًا من تونس.

وفقًا لتلك المعلومات المبدئية، فإن المغرب لم تستفد فقط من الثورة التونسية عبر إجبارها على إجراء إصلاحات سياسية في البلاد خوفًا من أن تنطلق العدوى الثورية إليها كما سنتبين بعد ذلك، وإنما استفادت أيضًا بنمو دخلها وجذب المشاريع الكبرى والمستثمرين على حساب جارتها تونس، التي يَنظُرُ إليها أصحاب المال باعتبارها أرضًا محفوفة بالمخاطر وطاردة للاستثمارات نتيجة الثورة.

الاقتصاد المغربي يجني «ثمار» الربيع العربي    

منذ اندلاع الربيع العربي أعادت المغرب رسم خطط اقتصادها القومي بما يحقق أهداف النمو الاقتصادي؛ فبعد اندلاع الثورات العربية في شوارع تونس ومصر، عجل الملك بعملية الإصلاح الاقتصادي عبر رسم خطوات واضحة لسيرها، وكانت أهم تلك الخطوات بحسب الخبير الاقتصادي الطيبي سعداوي هي خطوة تعميق اللامركزية عبر تقسيم المغرب إلى مناطق للاستثمار؛ بحيث تُمنح للإدارة المسئولة عن كل منطقة الحرية الكاملة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشاريع الصناعية والخدمية والزراعية، وقد أدى ذلك إلى اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر عقلانية وتخدم على المدى البعيد عملية التوازن؛ لأن كل إدارة تكون على علم بطبيعة المنطقة المسئولة عنها، بالإضافة إلى ما سببته تلك اللامركزية في الحد من تعنت البيروقراطية المتعلقة باستخراج التراخيص اللازمة لإقامة الاستثمارات.

لم تكن تلك هي الخطوة المهمة الوحيدة التي اتخذتها المغرب لحل مشاكلها الاقتصادية بعد الربيع العربي، فقد استطاعت المغرب أن تتخذ خطوات جدية لتنويع اقتصادها أيضًا، وشهدت تطورًا ملحوظًا في ما يخص صناعة السيارات وصناعة أجزاء ومكونات الطائرات، هذا بخلاف التقدم في قطاع الاتصالات، فقد بلغت صادرات المغرب من السيارات ومكوناتها للسوق الأوروبية والأفريقية ما يقارب 3.5 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015، وهو ما يعني أن حجم الصادرات الصناعية فاق حجم الصادرات الزراعية التي بلغت 3.1%، والتي شهدت هي الأخرى مع بقية القطاعات التقليدية رواجًا ملحوظًا نتيجة تحسن البنية التحتية والحوافز الضريبية، التي تقدمها الدولة لتشجيع الاستثمار، فضلًا عن هرب المستثمرين من الجارة المنافسة تونس.

في النهاية تخبرنا إحصاءات البنك الدولي بأن العجز في الموازنة المغربية قد انخفض من 7.3% عام 2012، إلى 4.3% بنهاية عام 2015، كما أن قيمة الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت من 98.2 مليار دولار في عام 2012 إلى 110 مليار دولار بنهاية 2014.

ليس هذا فحسب، ففي حين تقدر نسبة البطالة في معظم الدول العربية بـ25%، حتى بعد 5 سنوات من القيام بثورات خلفت الكثير من الدماء والأحزان وحملت شعارات الحق في الخبز والعمل، صارت نسبة البطالة في المغرب في السنوات الأخيرة بعد الربيع العربي لا تتخطى 16%.

لكن هل شعر المغاربة بأثر تلك الريادة الاقتصادية؟

صورة لمظاهرة للعاطلين عن العمل في الرباط بالمغرب أمام البرلمان، بتاريخ: 15/4/2014

يرى مؤيدو السياسات الاقتصادية المغربية أنها بالطبع تركت أثرًا على المواطن المغربي، على الأقل على مستوى انخفاض نسبة البطالة، لكن عديدًا من المحللين يعتقدون أن تلك السياسات لم تترك أي أثر جذري في حياة أغلب المواطنين.

لم تطبق المغرب نظامًا ضريبيًا صارمًا يعمل على إعادة توزيع الثروة، بما يمنعها من التكدس في أيدي قلة من الناس، فعوامل الجذب المغربية للاستثمارات الأجنبية تمثلت بالأساس في: التسهيلات الضريبية، ورخص الأيدي العاملة المغربية.

على صعيد آخر، فإنه وبحسب الكثير من المحللين لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية وصناعة وطنية قوية، بدون نمو في الطبقات الوسطى بالمجتمع، في حين أن إهمال التوزيع الجاد للثروة قد أدى إلى تراجع تلك الطبقات بالمغرب، وتقع على تلك الطبقات مهمة التعلم، ومن ثم توطين التكنولوجيا وتطويرها، وهو ما يحمي التنمية الصناعية الحقيقية والاستقلال الوطني.

وجدير بالذكر حين نتحدث عن توطين التكنولوجيا، وعن القطاع التعليمي بشكل عام، أن نسبة الأمية ما زالت مرتفعة بالمغرب حيث تتراوح النسبة بين 28% حسب الأرقام الرسمية وتصل إلى 33% وفق بعض التقديرات غير الرسمية، وتصل النسبة في الأرياف إلى 49%، هذا بالإضافة إلى عديد الانتقادات التي تُوجه بسبب تراجع دور الدولة في القطاع التعليمي لصالح القطاع الخاص، وما يتبع ذلك من خلل في التوازن الاقتصادي المنشود.

في النهاية يؤكد البعض على أن الإصلاحات الاقتصادية بالمغرب، لم تُصب أغلب فوائدها إلا في جيوب الطبقة البرجوازية الضئيلة والفئات البيروقراطية، بطرق مشروعة وغير مشروعة؛ خصوصًا في ظل أن هؤلاء الأغنياء لا يدفعون ضرائب تذكر، وفي ظل الحديث أيضًا عن أن الفساد يضيع على المغرب سنويًا نسبة نمو تبلغ نقطتين مئويتين.

لا عجب إذًا حين نستمع في الأخبار اليومية عن تصاعد الاحتجاجات لدى الطبقة العاملة بالمغرب.

ويدفعنا كل ما سبق إلى إعادة السؤال بصيغة أخرى:

هل نجحت المغرب في تحقيق ريادة اقتصادية حقيقية، في مقابل فشل دول الربيع العربي؟ أم أن تلك الدول قد أفشلت أنفسها حين اتبعت بعد الانتفاضات خططًا اقتصادية غير ثورية، اعتمادًا على نظرية التساقط التقليدية التي تقول بأن جذب الاستثمارات هي مسيح الخلاص بالنسبة للاقتصاد، وبالتالي حاولت الركض على نفس الطريق الاقتصادي القديم غير المهيأ له من قبل الحالة الثورية الجديدة؛ ففشلت في إجراء تغييرات جذرية في اقتصادها كما فشلت حتى في اللحاق بالدول التي لم تشهد تبعات الثورة؟

على مستوى السياسة: هل كان ما حدث في المغرب هو الحل الأمثل؟

في حين عانت بلدان انتفاضات الربيع العربي من انعدام الشعور بالأمن، ومما سُمي بالاستقطاب الإسلامي العلماني بعد زوال الأنظمة القديمة، وما صاحب ذلك من عنف مجتمعي وكراهية شاملة، فإن المغرب كان لها طريق آخر.

حين حاولت الانتفاضة أن تندلع في المغرب يوم 20 فبراير2011، بعد ثورتي مصر وتونس، قام الملك محمد السادس بالإعلان سريعًا عن تنازله عن بعض صلاحياته يوم 9 مارس 2011، وبعد إقرار الدستور الجديد الذي سمح بهامش أكبر من الحقوق والحريات، أجريت انتخابات تشريعية سريعة، فاز بالأكثرية فيها حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي، وقام بقيادة الحكومة الجديدة على الفور.

MOROCCO-POLITICS-OPPOSITION-DEMOبالتالي شكلت المغرب الاستثناء الوحيد في فترة الربيع العربي، الذي تسلم فيه الإسلاميون قيادة الحكومة وفق انتخابات حصلت على الحد المقبول من النزاهة، تحت عباءة النظام السياسي القائم ذاته.

وهو ما دفع رئيس تلك الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران أن يقول آنذاك: «المغرب شهد ما يسمى بالربيع العربي على طريقته الخاصة من خلال ثورة حقيقية أطلقها الملك محمد السادس وسار على نهجها الشعب المغربي».

وقد حقق صعود الإسلاميين في ظل النظام القديم، شعورًا عامًا بالاستقرار وبعدم تخوف العلمانيين من صعود الإسلام الراديكالي، كما عملت تلك الحكومة الجديدة على تنفيذ خطط النمو الاقتصادي – التي فصلناها فيما سبق – وفق نفس الفلسفة الليبرالية التي اعتمدها القصر الملكي.

وعلى الجانب الآخر، تواصل المؤسسة الدينية الرسمية بالمغرب نجاحها في تصدير نسختها الخاصة من الإسلام إلى عموم الشعب المغربي، وهي نسخة مركبة من المذهب المالكي والتصوف الجنيدي والعقيدة الأشعرية، حتى أن دولًا مثل تونس وليبيا وغينيا، قد طلبوا رسميًا الاستفادة من التجربة المغربية فيما يخص تدبير الحقل الديني، بعد تصاعد المد الوهابي عندهم.

لا تقتصر الريادة المغربية في تدبير الشأن الديني على نجاحها الكبير في تصدير نسختها من الإسلام للشعب، ولكن أيضًا في قدرتها على احتواء التيار الوهابي بما فيه الخط الجهادي، حيث عفا الملك بعد عام 2011 عن العديد من القيادات السلفية حتى ذوي الميول الجهادية منهم، وحرص على الظهور معهم أيضًا وبث الطمأنينة فيهم، وقال ذات مرةً: «التيار السلفي رغم تشدده لكنه يمكن أن يندمج في الخطاب الديني العام بالمملكة»، وهو ما رآه البعض محاولةً من الملك للاستفادة من دعم التيارات الإسلامية بمختلف أطيافها، في مواجهة الشباب المغربي المتأثر بالربيع العربي.

تظهر المغرب إذًا بمظهر المتمتع بالسكينة والهدوء، وبمظهر من استطاع أن يتجنب الصراعات الأهلية والدينية، وهو ما يحسده عليه جيرانه، بل تطلب بَلدانِ من بلاد الربيع العربي رسميًا وهما تونس وليبيا، أن تنقل المغرب إليهما تجربتها في تدبير ما يسمى بالأمن الديني.

لكن يرى بعض المحللين أن ما حدث في المغرب ظاهره هو الاستقرار والنجاح السياسي؛ فيما فشلت فيه دول الثورات، أما الباطن فهو نجاح الدولة العميقة التى يُطلق عليها في المغرب مصطلح «المخزن» (القصر الملكي، والجيش، والشرطة، والبرجوازيون النافذون)، في ترسيخ أقدامهم بالسلطة، وتطويع رياح التغيير للحفاظ على مصالحهم ومواقعهم النافذة، بحيث تضاعفت شعبية الملك؛ الذي بات ينظر إليه باعتباره ملكًا ديمقراطيًا مصلحًا جنَّبَ البلادَ ويلات الثورات، في حين تقلصت شعبية التيار الإسلامي السائد بشدة منذ أن وصل إلى سدة الحكم وأعطى شرعية كاملة لموقع الملك، واستطاع المخزن في النهاية أن يقضي على أي أمل بالإصلاح الجذري في القريب العاجل.

من أجل ذلك يمكن إعادة السؤال حول حقيقة الريادة المغربية في تدبير الشأن السياسي، وإلى أي حد يعد هذا تقدمًا حقيقيًا ملموسًا، كما يُعاد طرح السؤال الأهم: هل حقًا شهد المغرب ما يسمى بالربيع العربي على طريقته الخاصة من خلال ثورة حقيقية أطلقها الملك وسار على نهجها الشعب كما قال بنكيران في 2011، أم أنها ثورة أطلقها الملك لمنع ثورة الشعب؟

حقيقة الريادة الثقافية

«يشغلني بشكل خاص تآكل الطبقة الوسطى، الفاعل التاريخي الأهم في القرنين الماضيين ومُوجّه الديمقراطية» – أستاذة علم الاجتماع بجامعة كولومبيا ساسكيا ساسين.

صورة من معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب.

منذ وقت كبير، تفتخر البلاد بأن أبرز المثقفين العرب في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة، هم من أبنائها؛ باحثون من أمثال محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وعبد الله العروي وغيرهم الكثير.

في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، كانت البنية التحتية للثقافة في المغرب متهالكة، حيث لم يكن موجودًا سوى 500 مكتبة عامة في الأراضي المغربية، وفي المدن الكبرى كانت أعداد متاجر الكتب في المدينة الواحدة تتراوح بين 10 إلى 12 متجرًا.

لكن بمعونة البنك الدولي والمؤسسات الثقافية والسفارات الموجودة في البلاد، استطاعت الدولة أن تتخذ خطوات جادة في مجال تحسين البنية التحتية للثقافة، بالإضافة إلى الرواج الكبير الذي شهده مجال منح الجوائز للمبدعين والمثقفين، وقد أبدى الملك محمد السادس اهتمامًا بتلك البنية التحتية؛ ظهر في تدشين المبنى الجديد للمكتبة الوطنية المغربية، وظهر في ترميم عدد كبير من المتاحف والآثار، وإعادة تأهيل بنيات الاستقبال، وفي تنظيم مهرجانات جديدة وإقامة المعارض.

على جانب آخر، ومنذ عام 2011، بدأت تشيع فكرة المقاهي الثقافية بشدة في المدن المغربية، في الوقت الذي تشهد فيه مصر – مهد فكرة المقاهي الثقافية في الوطن العربي- الآن، وهي من دول الربيع؛ تضييقًا كبيرًا على أي محاولة للقيام بأي تجمع فكري أو ثقافي بعيدًا عن أعين الأمن.

لكن أين القراء؟

«المفكرون المغاربة جلهم يكتبون ما يريدون، ويسعون إلى التقدم، ولكن في معظم الأحيان بالفرنسية؛ مخاطبين جمهورًا مكتسبًا سلفًا، وأفتح هلالين هنا لأشير إلى مثقفين لدينا مزدوجي اللغة، يكتبون شيئًا بالفرنسية أو الإنكليزية، ويكتبون نقيضه بالعربية. في الأحوال كافة أعتقد أن المهمة ليست سهلة» – المفكر السوري جورج طرابيشي.

في الوقت الذي تتصدر فيه الأسماء المغربية، باعتبارها الأسماء الأبرز على الساحة الثقافية العربية، وتستقطب فيه كل مراكز الأبحاث العربية الكبرى الكوادر البحثية المغربية في مجالات العلوم الإنسانية والفلسفة، مما دفع الأديب المصري سعيد كفراوي للقول ذات مرة: «إن الثقافة المغربية أصبحت منبرًا لتشييد العقل العربي»، لا يزال السؤال الأهم يتركز حول من يقرؤون لهؤلاء الكتاب الكبار والمفكرين البارزين.

يتساءل الكاتب المغربي أحمد بوزفور، الذي رفض جائزة الإبداع المقدمة له في عام 2002، ويقول: «لماذا يتم منح جوائز عن كتب، لا تُباع، لأن نصف المغاربة عاجزون عن القراءة والكتابة، وترتفع النسبة في المناطق الريفية لتصل إلى تسعين بالمائة بين النساء».

رغم السياسات الليبرالية في الإصلاح الاقتصادي، استطاعت الدولة أن تحسن بمساعدة المنظمات غير الحكومية البنية التحتية الثقافية، وقد ينمو في ظل تلك السياسات مثقفون ومفكرون بارزون كأفراد، لكن على الجانب الآخر ساهمت تلك السياسات في تراجع الطبقات الوسطى كما ذكرنا سابقًا، والطبقة الوسطى هي الحاضنة الرئيسية لعادة القراءة، فأين القراء إذًا في ظل الريادة الثقافية المغربية التي يتحدث عنها البعض؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد