أشعلت حادثة مقتل بائع السمك المتجول، محسن فكري، طحنًا بواسطة شاحنة فرم القمامة، مظاهرات حاشدة في المغرب، شارك فيها الشباب و النساء والكبار والأطفال، رافعين شعارات ساخطة أمام مؤسسات السلطات رفضًا لـ«الحكرة» في البلاد.

وفي الوقت الذي تتسع فيه دائرة التضامن مع «شهيد الحسيمة»، تحذر بعض الأصوات من مظاهر النزعات المناطقية العرقية التي تخللت بعض مظاهرات مدن الريف.

مظاهر نزعات مناطقية

انطلقت  المسيرات الاحتجاجية السلمية المنددة بحادثة «طحن مو» في مختلف ربوع المملكة المغربية، من الشمال إلى الجنوب، تضامنًا مع تاجر السمك الذي مات بطريقة مروعة، بعد أن حاول استرداد سمكه المصادَر من قبل السلطات الأمنية.

https://www.youtube.com/watch?v=9GPAML8XlKE

رُفعت خلال المظاهرات هتافات تطالب بالقصاص من «قتلة» محسن، وعلى الرغم من تحوُّل العديد من هذه الاحتجاجات إلى مطالبات سياسية اجتماعية، إلا أنها ظلت ترفع شعارات دارجة في الاحتجاجات المغربية، مستلهمة من حراك 20 فبراير (شباط) 2011، من قبيل «الشعب يريد إسقاط المخزن»، و«كرامة حرية عدالة اجتماعية» و «لا للحكرة».

بيد أن بعض الاحتجاجات بمنطقة الريف في شمال المغرب، وتحديدًا بمدينة الحسيمة، عرفت مظاهر «انفصالية»، حيث رُفعت أعلام قديمة تعود لما يُعرف بـ«جمهورية الريف» علاوة على صور زعيمها التاريخي، عبد الكريم الخطابي، ووصل الأمر خلال مسيرات الأحد بمدينة الفقيد إلى إقدام مجموعة من الشباب على إزالة العلم الوطني المغربي من فوق مركز نسوي، ووضعوا بدلًا منه علم ما يسمى بـ«جمهورية الريف».

وأكثر من ذلك، صدحت حناجر بعض النشطاء المشاركين في مظاهرات الحسيمة بشعارات «عرقية مناطقية»، من مثل «إيمازيغن.. إيمازيغن» و«الشعب يريد إسقاط النظام» و«بنكيران قول لسيدك.. ريافة ماشي عبيدك»، وهم يرفعون الأعلام الأمازيغية وعلم ما يسمى «جمهورية الريف»، معلنين عصيانًا مدنيًا، حسبما أوردت «هسبريس».

ولوحظ رواج الأعلام الأمازيغية بشكل مكثف خلال مسيرات التنديد بالقمع والتهميش في عدد من المدن المغربية، وكان التجمع العالمي الأمازيغي قد أعلن دعمه لاحتجاجات الحسيمة تنديدًا بما وصفه «الجريمة البشعة في حق الشهيد محسن فكري»، داعيًا مكونات الشعب الأمازيغي إلى الاتحاد وتصعيد الاحتجاج ضد «الظلم والطغيان».

وفيما اعتبر البعض هذه «المظاهر الانفصالية» مجرد تصرفات طائشة من شرذمة من الناشطين لا تؤثر على الأجواء العامة المتسمة بالسلمية، والشوق لمغرب أفضل يخدم الجميع، رأى آخرون فيها علامة على انحراف هذه الاحتجاجات و«فتنة» تهدد استقرار الوطن، والاتجاه الأخير هو الذي سار فيه قيادي في حزب العدالة والتنمية، بقوله في تدوينة له على «فيسبوك» إن «الاستغلال السياسي ورفع شعارات وأعلام انفصالية وشعارات إسقاط النظام في بعض الوقفات.. لا ثم لا.. هي إساءات لقضية محسن».

 أصول ما يسمى «جمهورية الريف»

تعود أصول النزعة المناطقية الدفينة في الريف شمال المغرب، إلى سنة1921  عندما ثار سكان منطقة الريف على الاستعمار الإسباني، وأعلنوا استقلالهم عن الحماية الإسبانية والفرنسية للمغرب، ليتم إعلان قيام «جمهورية الريف» رسميًا سنة 1923،  التي تضم الحسيمة وتطوان والناظور، برئاسة عبد الكريم الخطابي، والحاج الحاتمي كرئيس للوزراء.

إلا أن «جمهورية الريف» لم تستمر طويلًا في شمال المغرب، إذ سرعان ما واجهت بعد ولادتها هجومًا فرنسيًا إسبانيًا بعتاد هائل، أسفر عن حلّها بعد احتلال مناطقها، وبذلك انتهى وجود ما عُرف بـ«جمهورية الريف المستقلة» في تاريخ المغرب 1926.

لكن ظلت فكرة ترديد «جمهورية الريف» قائمة في أذهان فئات من سكان المنطقة الشمالية، كطريقة لمواجهة ما اعتبروه تهميشًا وظلمًا من قبل الدولة، إذ مباشرة بعد استقلال المغرب، اندلعت «ثورة الجلاء« بالريف، المعروفة بـ«اقبارن«، سنة 1958، في ظروف سياسية واقتصادية قاسية شهدتها البلاد آنذاك، حين ساد الفقر المدقع والجفاف والظلم، وتحول البلد في نظر العديد من المؤرخين إلى ساحة فظيعة لتصفية الحسابات وممارسة التنكيل والاختطاف بين القوى السياسية المتنافسة على السلطة.

ولم تكن المرة الأولى التي تسوء فيها علاقة الدولة مع الريف، بل تكرر الأمر مجددًا خلال عهد الملك الحسن الثاني عام 1984، عندما انتفضت ساكنة الريف جرَّاء الوضع الاقتصادي المزري حينها في المنطقة، وخرج تلاميذ المدارس والمتظاهرين إلى الشوارع، لتواجه الاحتجاجات بتدخل عسكري قاس.

وعلى مرّ العقود الأخيرة تتعامل الدولة مع منطقة الريف بحذر شديد، بالنظر إلى الأحقاد التاريخية التي تحملها بعض فئات من السكان تجاه ممارسات الدولة، غير أن الوضع تحسن كثيرًا خلال الألفية الجديدة.

لماذا تظهر النزعات الانفصالية عامًة؟

تعود أصول النزعات الانفصالية في الغالب إلى ظروف تاريخية معينة، لم يتم طيها بشكل سليم، غير أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة تؤدي إلى إذكاء هذه النعرات، خاصة عندما تشعر فئة سكانية معينة أنها مستهدفة بالإقصاء والتهميش والحيف.

ويلجأ الناس عادة إلى التعصب المناطقي أو العرقي أو الطائفي، عندما تواجه الدولة أزمات اقتصادية سياسية، كالشأن مع الدول التي تعرف في العلوم السياسية بالدولة الهشة، التي تعاني من هشاشة هياكلها البنيوية، ومن ثمة تعجز عن تمثيل مصالح كل الفئات السكانية باختلاف نوعهم أو دينهم أو مرتبهم الاجتماعية.

ويعرف تقرير الاتحاد الأوروبي حول التنمية »الدولة الهشة« بأنها التي تفشل في بسط السلطة وفي توفير الخدمات وفي الحفاظ على الشرعية، وهو أمر يحدث على التوالي عندما »تعجز الدولة عن حماية مواطنيها من العنف، وعن توفير الخدمات الأساسية لكل المواطنين، وعن الحصول على اعتراف بشرعيتها من مواطنيها«.

وحينما ينتشر الفساد ويشيع الاستبداد وتتسع الهوة بين الطبقات الاجتماعية وتتدهور خدمات الدولة الأساسية، تسقط الدولة في مستنقع الهشاشة، ومن ثمّة تفقد بنية العقد الاجتماعي القادرة على تمثيل مصالح السكان بجميع فئاتهم، وتفشل في إدارة الاضطرابات والصراعات الاجتماعية والسياسية بدون استخدام العنف، مما يوفر بيئة خصبة لبروز الحركات المتطرفة.

لذا، ليس غريبًا أن العديد من المراقبين ينظرون إلى قضية النعرات المناطقية والطائفية والعرقية في معظم البلدان على أنها تمثل لإشكالية التنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان بالأساس، التي تعانيها الدولة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد