تعيش السياسة المغربية هذه الأيام تحولا نوعيا، فبعد زيارة الملك محمد السادس لروسيا مارس الماضي، ثم قيامه بجولة رسمية لدول الخليج، ها هو يزور الصين

تعيش السياسة المغربية هذه الأيام تحولًا نوعًيا؛ فبعد زيارة الملك «محمد السادس» لروسيا مارس (آذار) الماضي، ثم قيامه بجولة رسمية لدول الخليج، يزور حاليًا برفقة وفد وزاري رفيع «جمهورية الصين الشعبية»، الزيارة التي حظيت باهتمام استثنائي من قبل الإعلام الرسمي، الذي اعتبرها دفعة جديدة للعلاقات الصينية المغربية.

السر وراء الزيارة

أثمرت زيارة العاهل المغربي للصين، إرساء شراكة استراتيجية بين البلدين، تمثلت في توقيع كل من الملك محمد السادس ورئيس جمهورية الصين الشعبية، «شي جين بينغ»، الأربعاء 11 مايو (أيار) 2016، حزمة من الاتفاقات الثنائية، تهم المجال القضائي والاقتصادي والثقافي.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=KXd4gxd33kI ” width=”800″ height=”450″ ]

كان من بين نتائج هذه الاتفاقات المشتركة، تشجيع استقرار المقاولات الصينية والمغربية المستثمرة في البلدين، وترحيل الأفراد المتابعين أو المدانين قضائيًا الموجودين فوق تراب أحد البلدين وتسليمهم إلى سلطاتهم الأصلية، وكذا تسهيل منح التأشيرات للمواطنين الراغبين في السفر للبلد الآخر، وإلغائها بالنسبة لبعض الفئات.

الصين والبلدان المغاربية

حتى نفهم التوجه الجديد للسياسة المغربية باتجاه «بكين»، فمن الجيد إلقاء نظرة على الدور الصيني في المنطقة المغاربية ككل.

لا توصف علاقة الصين بالدول المغاربية عامة بالجديدة؛ إذ تعود إلى الحقبة الاستعمارية، حين كانت الصين الشيوعية تساند حركات التحرر بشمال إفريقيا، وتمدها بالسلاح، كما كانت سباقة للاعتراف باستقلال دول المنطقة.

بيد أن هذه العلاقة بقيت منحصرة على مستوى التضامن الأيديولوجي والعسكري مع بعض الدول المغاربية، دون أن تعرف تطورًا نوعيًا، وبقي الأمر على حاله، حتى انطلاق نهضة جمهورية الصين الشعبية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليدخل بعدها البعد الاقتصادي دائرة العلاقات الصينية المغاربية.

أصبحت الصين، مع تزايد نمو اقتصادها بشكل مطرد، في حاجة ماسة إلى توسيع أسواقها التجارية، ومن ثمة كانت القارة الإفريقية الحقل الخصب المنشود لضخ الاستثمارات المالية الصينية التي بلغت 200 مليار دولار في العام الأخير؛ إذ نالت منطقة شمال إفريقيا حصة ما يزيد عن %20 من تلك الاستثمارات.

تشمل هذه الاستثمارات مشاريع البنية التحتية، ومحطات الكهرباء والوحدات السكنية والطرق ومناجم المواد الخام وقطاع الطاقة.

ومثلما تمثل المجتمعات المغاربية سوقًا نموذجيًا لطوفان السلع الصينية الرخيصة، تعد المنطقة المغاربية، بالنسبة للصين، منجمًا للمواد الأولية التي تحتاجها في صناعاتها، وملجأ مهمًا لتلبية حاجاتها الطاقية.

ومن الواضح أن الصين تعول على ركيزة الاقتصاد في علاقاتها مع المنطقة المغاربية، وهو أمر يتوافق مع سياستها مع مختلف دول العالم، التي تنبني على البعد الاقتصادي أكثر مما هو سياسي.

المغرب يغير الوجهة نحو الصين

ليس من الصعب لأي مراقب للوضع، ملاحظة توجه جديد لسياسة الرباط، التي باتت تنفتح على شركاء جدد، بدا ذلك واضحًا في الفترة الأخيرة من العام الجاري، عندما زار الملك محمد السادس «الهند»، ثم بعدها «روسيا»، وأخيرًا جمهورية الصين الشعبية.

اعتبر بعض المتتبعين هذه السياسة الخارجية الجديدة للمغرب توجهًا استراتيجيًا طبيعيًا، يدخل في باب تنويع الحلفاء الدوليين، بغرض دفع عجلة التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع هذه البلدان إلى الأمام.

إلا أن البعض الآخر يذهب في اتجاه آخر؛ إذ بدا تقرب سياسة «الرباط» نحو بلدان، مثل روسيا والصين، كرد فعل لـ«خيبات الأمل» التي تلقاها المغرب خلال الفترة الأخيرة من قبل حلفائه التقليديين، «أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية»؛ بخصوص موضوع «الصحراء».

تؤكد هذه القراءة مجموعة من الوقائع التي حصلت نهاية العام الماضي، تمثلت في قرار المحكمة الأوروبية إلغاء التبادل الحر في المجال الفلاحي، والصيد البحري، بين المغرب والاتحاد الأوروبي، في ديسمبر من العام الماضي؛ بسبب «الصحراء»، والمواقف المتذبذبة للولايات المتحدة الأمريكية حول القضية الترابية الأولى للمغرب، «الصحراء».

بعد هذه النكسات التي تلقاها المغرب من قبل الغرب، تبين بشكل جلي أن الحلفاء التقليديين «غير أوفياء» بما فيه الكفاية، وبالتالي لا يصح التعويل عليهم؛ مما قاد الرباط إلى الانفتاح حول شركاء جدد؛ من أجل خلق توازنات جديدة، وإيجاد مصادر دعم أخرى لوحدته الترابية.

يطمح المغرب أيضًا إلى أن تكون الصين بديلًا عسكريًا عن الحلفاء التقليديين، لاسيّما إذا علمنا أن التعاون في صناعة الدفاع، هي إحدى الاتفاقات التي تمخضت عن الزيارة الملكية لبكين، ما قد يحيل إلى أن المغرب يرغب في الاستفادة من التجربة العسكرية الصينية لتحقيق حلم قديم، ممثلًا في إرساء صناعة حربية محلية؛ إذ خاب أمله في الجانب الأمريكي والأوروبي لتمكينه من الوصول إلى هذا الهدف.

ويتقاطع المغرب مع «دول الخليج» في سياسة الانفتاح الجديدة نحو الصين، التي أتت بعد إعلان الإدارة الأمريكية تراجع اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط، وتحول أولوياتها نحو منطقة «المحيط الهادئ»؛ لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد هناك، ذلك ما ذكره الرئيس «باراك أوباما» في حوار له مع مجلة «ذي أتلانتك» في مارس (آذار) 2016.

موقف الصين من الصحراء

تعد قضية الصحراء المحرك الرئيس للسياسة الخارجية المغربية، وبوصلة اتجاهها، وبالتالي فإن استحضار الموقف الصيني من القضية الترابية للمغرب، يبدو هامًا؛ لفهم الاتجاه الجديد في سياسة الرباط، خصوصًا وأن بكين تملك في يدها ورقة «الفيتو».

تتبع الصين بشكل عام «سياسة الحياد» والنأي بالنفس في معظم الأزمات السياسية في العالم، ولا تعير للبعد السياسي اهتمامًا بقدر ما تعتمد على البعد الاقتصادي في علاقاتها مع الدول. ولم يكن المغرب استثناء في هذه السياسة؛ إذ لم يتطرق البيان المشترك بين العاهل المغربي والرئيس الصيني بشكل نهائي لقضية الصحراء، عكس ما نجده عادة في البيانات المشتركة مع الدول الأخرى في الزيارات الرسمية.

تدعم الصين جهود الأمم المتحدة في قضية الصحراء، بدون أن تتخذ موقفًا خاصًا بها، لكنها تبدو ـ نوعًا ما ـ قريبة نحو الرباط، خاصة أنها كانت في صف المغرب في آخر تصويت في مجلس الأمن حول قضية الصحراء.

الصين تقلق أوروبا

بالرغم من أن الغرب عامة غير مهتم بالسلوك الجديد للسياسة الخارجية المغربية، إلا أن هناك دول أوروبية بعينها، كفرنسا وإسبانيا، بشكل أساسي، لا تخفي قلقها من تزايد نفوذ الصين الاقتصادي في شمال إفريقيا.

يعد الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الرئيس للدول المغاربية؛ بالنظر للقرب الجغرافي والعلاقات التاريخية، ويستحوذ على معظم التجارة الخارجية للمنطقة، وتستثمر أوروبا في العديد من القطاعات بالسوق المغاربية، لما تتوفر فيه من يد عاملة رخيصة، منها قطاع صناعة السيارات، من طراز «رينو» و «بي إم دبليو».

إلا أن قدوم وافد جديد، مثل الصين، إلى المنطقة المغاربية من شأنه تعريض الاستثمارات الأوروبية لخسائر اقتصادية.

تملك الصين قدرات تنافسية تتميز بها على دول الاتحاد الأوروبي، من بينها: السياسة الاقتصادية «البراغماتية» لبكين؛ إذ لا تتدخل في شئون البلدان الأخرى، ولا تفرض شروطًا معينة مرتبطة بحقوق الإنسان ـ مثلًا ـ أو حرية التعبير، كما أنها تسوق منتجات رخيصة تتوافق والقدرة الشرائية المنخفضة لشعوب شمال إفريقيا، بالإضافة إلى أنها لا تملك إرثًا استعماريًا مرتبطا بالمنطقة المغاربية أو العربية ككل.

وتستغل الصين هذه الميزات لتعزيز وجودها الاقتصادي في البلدان المغاربية، وبدورها دول المنطقة، ومنها المغرب. تستعمل ورقة الصين كنوع من الاحتجاج ضد مواقف الاتحاد الأوروبي حول القضايا السياسية والحقوقية في المنطقة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد