أعلنت جبهة البوليساريو، الثلاثاء 31 مايو (أيار) 2016، وفاة زعيمها محمد عبد العزيز، عن عمر يناهز 68 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، وعلى إثر الوفاة بدأ «الانفصاليون»، المطالبون باستقلال الصحراء عن المغرب، حدادًا لمدة 40 يومًا.

وقالت الجبهة إن مراسم تشييع جثمان قائدها، ستبدأ اليوم، في مخيم اللاجئين في تندوف، بحضور وفود رسمية أجنبية، واختارت الجبهة دفن زعيمها، في مجال ما تسميه «المناطق المحررة»، بمنطقة بئر لحلو، الواقعة خلف الجدار الرملي، جدارٌ أقامه المغرب كخط دفاعي متقدم، في إشارة تنم عن إصرار الجبهة على مسايرة الطرح الانفصالي.

 

من هو محمد عبد العزيز؟

ولد محمد عبد العزيز الركيبي عام 1947، بمدينة مراكش، وسط عائلة مغربية، والده هو الخليلي بن محمد البشير الركيبي، عمل كضابط صف بالجيش المغربي.

خلال الستينات من القرن الماضي، انتقل محمد للعيش بين الرباط والدار البيضاء، بغرض دراسة الطب، حيث سيلتقي مجموعة من «المناضلين الصحراويين»، ليبدأ ظهور الحس السياسي الواعد، لدى ابن مدينة مراكش، ثم سينخرط في «النشاط النضالي» سريًا، لفترة من الزمن، ولينشط بعدها علنيًا.

أسس محمد عبد العزيز، رفقة صديقه مصطفى السيد الوالي، جبهة «البوليساريو» عام 1973، وقاد بزيه العسكري غارات حربية، ضد الحاميات الإسبانية، حتى غدا أبرز قيادات الجبهة العسكرية. وبعد انسحاب الاحتلال الإسباني، من الصحراء الجنوبية للمغرب، قرر محمد تأسيس ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية»، في منطقة بئر لحلو عام 1976، مُعتبرا الوجود المغربي والموريتاني في الصحراء حينئذٍ «احتلالًا»، ليشن بعدها الانفصاليون حرب عصابات، ضد القوات المغربية، بدعم جزائري ليبي، في محاولة لفصل الصحراء عن المغرب.

 

استمرت حرب العصابات هذه حتى عام 1991، حيث ستتدخل الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، ومنذ ذلك الوقت ظلت مشكلة الصحراء عالقة، على طاولة المفاوضات بين طرحين: مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، والآخر تصر عليه «البوليساريو» وهو «تنظيم استفتاء لتقرير المصير».

قاد محمد عبد العزيز الجبهة منذ تأسيسها، قبل 40 سنة، إلى أن وافته المنية هذا الأسبوع، واعتبره الانفصاليون «زعيمًا تاريخيًا»، بينما وصفه الوطنيون بـ«ابن عاق» لوطنه المغرب. وكان لمحمد تسعة إخوة وأختين، بعضهم سايره في الطرح الانفصالي، والبعض الآخر دافع عن الوحدة الترابية للمغرب.

 

من سيخلف محمد عبد العزيز؟

فتح رحيل محمد باب التكهنات، بعد أربعة عقود من الزعامة، وظهر السؤال البديهي على الساحة السياسية، عن هوية خليفته في زعامة الجبهة، وبحسب المادة 49 من القانون الأساسي للجبهة، يتولى ما يسمى «رئيس المجلس الوطني»، منصب الأمين العام للجبهة، إلى أن يتم انتخاب الأمين العام الجديد، في مؤتمر استثنائي، يعقد في ظرف 40 يومًا من وفاة رئيس الجبهة.

ويرشح معظم المحللين ثلاث شخصيات محتملة، لخلافة محمد عبد العزيز، أولهم إبراهيم غالي، وهو مسؤول التنظيم والشؤون السياسية، كما أنه من زمرة المؤسسين الأوائل لجبهة البوليساريو، وتقلد عدة مناصب داخلها، كسفير لدى الجزائر ثم وزير دفاع، وأمين عام لقبيلة «الركيبات» المهيمنة على الجبهة، ويعتبره البعض بالأوفر حظًا لرئاستها، خاصة وأن فئة واسعة من «المكونات الصحراوية» تسانده.

 

أما المرشح الثاني فهو محمد خداد، منسق جبهة البوليساريو، مع بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، والمكلف بالعلاقات الخارجية في الجبهة، ويتميز بعلاقاته الخارجية الواسعة، وقدراته السياسية، إذ كان ضمن الوفد المفاوض للملك المغربي الراحل، الحسن الثاني، وولي عهده ووزير داخليته آنذاك.

ثم المرشح الثالث المحتمل لتزعم الجبهة، وهو عبد القادر الطالب، ويشغل حاليًا منصب الوزير الأول داخل الجبهة، ويعد عضوا تأسيسيًا لها، وانتخب في مكتبها السياسي، خلال مؤتمرها الأول، عام 1973.

وهناك أيضًا من يطرح أسماءً أخرى، قد تخلف محمد عبد العزيز في الرئاسة، مثل محمد لمين البوهالي، وعبد الله الحبيب، وعمر منصور، وتروج بعض التقارير الإعلامية لوجود «نزاع» حول الزعامة، بين قيادات البوليساريو، فيما تذهب أخرى إلى أن اختيار الرئيس الجديد قد تم فعليًا، منذ مارس (آذار) الماضي.

 

ما هو مستقبل البوليساريو؟

يضع رحيل محمد الجبهة أمام مرحلة انتقالية غير مسبوقة، ولا سيما أنه كان النواة المحركة لها، في «معركتها السياسية الكبرى»، ومن ثم تُطرح تساؤلات عديدة، حول الطريق الذي ستنحو نحوه البوليساريو، في تعاملها مع قضية «الصحراء»، وهو أمر يعني المغرب بالتحديد.

ومن المؤكد أن الجزائر ستؤثر، بشكل أو بآخر، في اختيار الزعيم الجديد لجبهة البوليساريو، باعتبارها حليفا حميميًا للجبهة، حتى أنها أعلنت الحداد لثمانية أيام، إثر وفاة محمد عبد العزيز، ومن ثم فإن الرئاسة ستتجه غالبًا، بدعم من الجزائر، نحو جناح صقور الجبهة، من أمثال إبراهيم غالي ومحمد لمين البوهالي.

في حال سارت الزعامة إلى هذا الجناح، فإن جبهة البوليساريو ربما تعتنق مجددًا، حسب بعض المحللين، الخيار العسكري، وتعود إلى رفع السلاح أمام المغرب، كما فعلت خلال الثمانينيات، خصوصًا بعد وصول مفاوضات «الصحراء» إلى نفق مسدود، وعدم ظهور أي مقاربة جديدة، يتوافق حولها المغرب والجبهة، حتى الآن.

من جهة أخرى، يُرجح أن تستمر وضعية السكون السائدة منذ عقود، في حال نجحت الوساطات الأممية، في بعث مسار المفاوضات من جديد، بين المغرب والبوليساريو، من أجل إيجاد حل لمشكلة «الصحراء» التي طال أمدها.

كما أن المجتمع الدولي سيحاول بالتأكيد منع اندلاع حرب جديدة، في المنطقة المغاربية، التي لا تنقصها الأزمات السياسية والأمنية، في ظل انهيار الوضع بليبيا، وتوالي الهجمات «الإرهابية» على تونس، ونشاط «الجماعات الجهادية» على الحدود الجزائرية والمالية.

كل ما هو مؤكد حتى الآن، أن هذه المرحلة المفصلية، التي تعيشها البوليساريو بعد رحيل زعيمها، ستحدد مستقبل قضية «الصحراء»، ومستقبل الوضع الأمني بالمنطقة عمومًا، حسب سياسة الزعيم الجديد وتوجهه، ووفق تطورات السياق السياسي الإقليمي والدولي.

المصادر

تحميل المزيد