لم يعد يفصلنا عن موعد الانتخابات البرلمانية المغربية سوى أقل من ثلاثة أشهر، وباقتراب الموعد الانتخابي، 7 أكتوبر 2016، تستعد الأحزاب السياسية في المغرب إلى خوض غمار هذا الاقتراع

لم يعد يفصلنا عن موعد الانتخابات البرلمانية المغربية سوى أقل من ثلاثة أشهر، وباقتراب الموعد الانتخابي، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تستعد الأحزاب السياسية في المغرب إلى خوض غمار هذا الاقتراع، الذي يعد محطة مهمة في التاريخ السياسي للمغرب.

لماذا تحظى هذه الانتخابات باهتمام خاص؟

قبل ست سنوات، خرج الشباب في مظاهرات «عشرين فبراير»، الحركة الاحتجاجية التي جسدت النسخة المغربية من الحراك العربي عام 2011، طالب خلالها الناس بإسقاط ما أسموه بـ«الفساد والاستبداد»، بعد عقود من فشل التجارب الحكومية، وفقًا لهم.

وبخلاف البلدان العربية الأخرى، التي شهدت ثورات عاصفة أطاحت بأنظمة، وبعضها تحول إلى حروب أهلية، فإن الاحتجاجات في المغرب آنذاك لم تتجاوز سقف «الإصلاح»، وسرعان ما تلاشى أثرها بعد بضعة أشهر، بمجرد إعلان الدولة لدستور جديد وانتخابات جديدة سابقة لأوانها.

على إثر هذه الانتخابات، وصل حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية، بأغلبية المقاعد، ليشارك الإسلاميون القصر في الحكم لأول مرة في تاريخ المغرب.

لم يتفاعل المغاربة مع حركة عشرين فبراير، على عكس البلدان العربية الأخرى، التي شهدت التفافًا شعبيًا وسياسيًا حول حركاتهم الاحتجاجية، وذلك لأن طائفة واسعة من المواطنين رأوا أن الإصلاح في ظل الاستقرار هو أقل تكلفة من احتجاجات هوجاء، بل إن جزءًا كبيرًا من متظاهري حركة عشرين فبراير انسحب من الشارع بمجرد إعلان الإصلاحات، ناهيك عن تبرؤ الأحزاب السياسية، بما فيها حزب العدالة والتنمية، علنيًا من الحركة.

لقد كان حزب العدالة والتنمية، الورقة الأخيرة، التي رأى فيها كثير من المغاربة أملًا أخيرًا في تحسين أوضاع معيشتهم، ومن ثم قدموا أصواتهم لصالح الحزب، إلا أنه بعد خمس سنوات من حكم الحزب، لا يبدو أن الوضع تغير كثيرًا، فماتزال التقارير الدولية تبشر باستفحال الفساد، ومايزال استخدام القمع قائمًا.

الآن وبعد أن احترقت كل الأوراق، خاب أمل كثير من المغاربة، وعليه ومنه تصبح الانتخابات التشريعية المقبلة محطة أساسية في الحياة السياسية للمغرب، والتي ستحدد الطريق الذي سيسلكه البلد إزاء الأوضاع المحبطة من حوله.

من جهة أخرى، تنظر الأحزاب السياسية المغربية لهذه الانتخابات التشريعية القادمة بكثير من الجدية والاهتمام، باعتبار هذه المناسبة تمثل اختبارا يعكس مدى ثقة الناس في الأحزاب والحياة السياسية ككل، ولذا بدأ كل حزب يشحذ موارده ويعد تكتيكاته استعدادًا لمواجهة هذه الاستحقاقات.

رهان الأحزاب.. تسابق الكتلتين

من الواضح أن الانتخابات المقبلة ستشهد مواجهة بين كتلتين مهمتين في الخريطة الحزبية، الكتلة الأولى تمثل تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب التقدم الاشتراكي وحزب الاستقلال، بينما تجسد الكتلة الثانية تحالف حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التجمع الوطني للأحرار. وكلا التحالفين يمثلان كتلة غير منسجمة أيديولوجيا، لكن ما يجمع كل تحالف هو المخاوف والمصالح المشتركة.

ويطرح حزب الأصالة والمعاصرة نفسه بديلًا لحزب العدالة والتنمية لتقلد رئاسة الحكومة، ويعتبر نفسه مدافعا عن القيم الحداثية الليبرالية أمام ما يصفه بـ«الزحف الرجعي».

يطمح حزب الأصالة والمعاصرة في هذه الاستحقاقات القادمة، إلى الظفر بالسلطة دون الاضطرار إلى الدخول في شراكات أو تحالفات، فهو، كما يقول المحلل السياسي كمال القصير: «لم يعد يطيق لا المعارضة ولا مجرد الشراكة مع أحزاب أخرى بدون رئاسة الحكومة».

لكن قبل ذلك يريد حزب الأصالة والمعاصرة تصحيح ولادته الاصطناعية خلال الانتخابات المقبلة، فهو يدرك جيدًا بأنه لا يزال ينظر إليه بالكائن الحزبي «غير الطبيعي» منذ أن تأسس سنة 2009 بدعم من السلطة، مما جعله في قمة القوى السياسية بين ليلة وضحاها، منذ عام ولادته.

يدرك الحزب جيدًا أن مستقبله السياسي، يتحدد في نتائج هذه الانتخابات الحاسمة، ومن شأن خسارته أن تدفعه إلى كرسي المعارضة الذي طال جلوسه فيه، مقابل تعزيز وجود خصمه اللدود، حزب العدالة والتنمية، في دواليب الدولة ومساحات المجتمع. ومن ثم يراهن في هذه الاستحقاقات على جذب الفئة الناخبة إليه في المدن، باعتبار أنه مطمئن لرصيده الانتخابي في البوادي، التي يسيطر عليها «الأعيان والوجهاء»، الذين يتبعون له.

في نفس كتلة حزب الأصالة والمعاصرة، يوجد حزب التجمع الوطني للأحرار، المتصل وظيفيًا بخط الأصالة والمعاصرة، باعتباره تابعًا لأجندات الدولة هو الآخر، وإن كان يشارك في الأغلبية الحكومية. لكن ما يهم هذا الحزب هو المشاركة في كعكة السلطة أيًا كان الفائز في الانتخابات القادمة، سواء كان حزب العدالة والتنمية أو حزب الأصالة والمعاصرة، ومن ثم يبقي خطابه السياسي متوازنا بين الطرفين لضمان الدخول في أي تحالف حكومي قادم.

أما حزب الاتحاد الاشتراكي، يساري التوجه، الذي يشارك حزب الأصالة والمعاصرة في كتلته السياسية، فهو يعي جيدًا أن وجوده في خريطة الناخبين أصبح مهددًا، بعدما شهدت شعبيته خلال السنوات الأخيرة انحسارًا سريعًا بفعل تقادم خطابه السياسي وتزايد تناقضاته الداخلية، وصار بالكاد يحافظ على وجوده ضمن رقعة الأحزاب الكبرى في المغرب، بالرغم من تاريخه النضالي.

في مقابل الكتلة الأولى، يتزعم حزب العدالة والتنمية الكتلة الثانية، الذي تبدي قياداته ثقة كبيرة في الفوز في الاستحقاقات المقبلة، فهو يعلم جيدًا أنه يحظى بشعبية في الأوساط المحافظة الواسعة بالمجتمع المغربي، كما يدرك رئيسه، عبد الإله بنكيران، هشاشة خصومه السياسيين، مما يجعله لا يتوانى عن تقريع الأحزاب السياسية المعارضة لحكومته أمام الإعلام وفي قبة البرلمان.

لكن ما يؤرق حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات القادمة هو تخوفه من انتقام الدولة، ومن ثم يسعى جاهدًا لنيل رضاها، فتجد زعيم الحزب، عبد الإله بنكيران، لا يمل من تكرار مقولة أنه «مجرد موظف في حكومة الملك»، مثلما يؤكد في غير مرة على علاقته الطيبة بالقصر ومستشاريه، وأنه مستعد للقيام بأي شيء من أجل الملك.

يشاطر حزب العدالة والتنمية في الخط اليميني حزب الاستقلال، الذي سبق أن انشق عن التحالف الحكومي، لكنه عاد مؤخرًا لخطب ود حزب العدالة والتنمية بعدما شعر بتهديد نفوذه الانتخابي من قبل حزب الأصالة والمعاصرة، الذي بدأ يستولي على «أعيانه ووجهائه» بالبوادي. علاوة على أن زعيم الحزب، حميد شباط، صار يجاهر بأن حزبه لن يرضى بخروجه من ملعب الكبار، بعدما كان الحزب اللاعب الأول في الخريطة السياسية للمغرب طوال عقود، في إشارة منه إلى الإهمال السياسي للدولة تجاهه، كلاعب لا يصلح التعويل عليه في المرحلة الانتخابية الحالية، بسبب سمعته المرتبطة بقضايا فساد.

في نفس التحالف، يصطف حزب التقدم الاشتراكي، الذي لم تمنعه مرجعيته الشيوعية من الدخول في تحالف حكومي مع حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية. ويرهن الحزب مستقبله السياسي مع حزب العدالة، كاستراتيجية لبقائه في الحكومة والحفاظ على وجوده الانتخابي لدى الفئات الشعبية.

وبجانب الكتلتين السابقتين، هناك فيدرالية اليسار الديموقراطي، التي تجمع ثلاثة أحزاب يسارية التوجه. وعلى الرغم من أن هذا التحالف يملك صورة متميزة داخل الأوساط الإعلامية والثقافية لأدائه السياسي النظيف، إلا أنه لا يحظى بقوة انتخابية تمكنه من منافسة الأحزاب السابقة، لكنه يبدي تفاؤلا في نتائج الاستحقاقات القادمة.

رهانات الدولة.. الحفاظ على التوازن هو الأهم

ربما من السذاجة الاعتقاد بأن الأحزاب السياسية أو الحكومة تمتلك مقاليد البلد، بل هو ضرب من الجهل السياسي بطبيعة النظام السياسي في المغرب، الذي يتمحور حول الملك، حيث القصر، بموجب الدستور، يملك صلاحيات واسعة تتفوق على الحكومة المنتخبة نفسها.

لكن بالمقابل، تحاول الملكية بالمغرب الابتعاد عن الحكم الإطلاقي الذي قد يعطي صورة خارجية غير حداثية للبلاد، وتسمح بحيز من الحكم تحتله الحكومة المنتخبة، ممثل في الجوانب المعيشية للمواطنين، إلا أن الإطار العام للدولة وتوجه سياساتها الخارجية والداخلية الكبرى، كل ذلك بيد القصر دستوريا، وبالتالي فإن القصر هو الممثل الأسمى للدولة، كما تشير المادة 41 و 42 من دستور 2011.


اضطرت الدولة تحت ضغط احتجاجات حركة «عشرين فبراير» ومخاوف السياق الإقليمي، إلى تغيير نهجها تجاه العملية السياسية منذ 2011، وأصبحت أكثر عقلانية في إدارة الانتخابات، ومن ثم كان من الضروري أن تقطع مع تقاليد التزوير والتحكم في نتائج الأصوات في انتخابات 2011 التي أتت بحزب العدالة والتنمية إلى السلطة.

لقد وعت السلطة مبكرا قدرة «الإسلاميين» على امتصاص الغضب الشعبي، آنذاك، ومن ثم لم تعرقل وصولهم إلى دفة الحكومة، وبدل ذلك عملت على ترويضهم من أجل استغلال شعبيتهم لاجتياز المرحلة الحرجة، وتمرير بعض السياسات الاقتصادية المؤلمة، التي كانت الأحزاب السابقة تخشى الاقتراب منها.

الآن وبعد أن تلاشت رياح الثورات العربية، يبدو أن الدولة لم تعد في حاجة للإسلاميين، بل غدت أكثر تخوفًا من نفوذهم المتزايد، وبالتالي فهي تراهن على تقزيم حضور الإسلاميين في الانتخابات القادمة، من خلال الأحزاب التابعة لها وقوانين التقطيع الانتخابي، لكنها بالتأكيد ستتجنب المخاطرة باللعب بنتائج الانتخابات على نحو فاضح، باعتبار أن السياق المحلي والإقليمي لا يسمح بعد بذلك.

وتعمل الدولة في المغرب دائمًا بمبدأ توازن القوى السياسية لتأمين بقاء النظام، بحيث تضمن ألا يطغى حزب معين على الخريطة السياسية، وعندما يتزايد نفوذ اتجاه سياسي معين، فإنها تعمل على تقوية الاتجاه السياسي المنافس له لإعادة التوازن للخريطة السياسية عبر وسائلها الخاصة، وذلك ما حصل في التسعينات عندما كان اليساريون يحظون بشعبية، فما كان منها سوى أن دعمت صعود الإسلاميين في الساحة السياسية والمجتمعية، وبنفس الطريقة يتم الأمر حاليًا، حيث تحاول تقوية التيار الحداثي، من خلال حزب الأصالة والمعاصرة لتحجم به نفوذ الإسلاميين.

سيناريوهات الانتخابات البرلمانية

لا يبدو تخمين نتائج الانتخابات المغربية القادمة صعبًا، إذ من المؤكد أن يحوز أغلبية الأصوات كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة المعاصرة، ويبقى الترقب من يتقدم المقدمة بينهما.


رغم أن حزب العدالة والتنمية تآكلت شعبيته في الآونة الأخيرة، بسبب القرارات الاقتصادية الصعبة التي اتخذها، فإنه لا يزال قادرًا على المنافسة على المقدمة، خصوصا وأن أحزاب المعارضة تعاني من قصور سياسي حاد وفضائح فساد تلطخ سمعتها، لكن من المستبعد أن يحوز أغلبية كبيرة من المقاعد كما كان في انتخابات 2011، مما سيجعله مضطرًا للتحالف لتشكيل حكومته في حالة فوزه.

بالمقابل، تتجه الأنظار إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي يرجح أن يصل السلطة. وفي حالة فوزه، فإنه سيعمل، كما يقول أمينه العام إلياس العماري، على تشكيل تحالفه الحكومي بعيد عن حزب العدالة والتنمية، لكن سيبقى مفتقرًا إلى سمات الحزب الطبيعي نشأةً وتطورًا وهويةً سياسية.

لكن التحدي الأكبر الذي سيواجه الاستحقاقات المقبلة هو تيار المقاطعة الذي يزداد توسعًا، بسبب تزايد اليأس بين الفئات الشبابية في التغيير، وفشل القوى السياسية في تلبية حاجات الشباب والمواطنين، من صحة وتعليم وعمل وعدالة قضائية.

في نظر الصحافي، علي أنوزلا، فإن تصدر حزب العدالة والتنمية أو حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات، لن يغير شيئًا، ولن تخرج اللعبة من النسق العام المرسوم لها، كما «لن تحدث المفاجئة، لأن الشعب المغربي تعود التطبيع السريع مع واقع الأمر المفروض عليه من فوق، وهذا ما يجعل هذه اللعبة تستمر منذ عدة عقود يتغير اللاعبون وتبقى قواعدها هي هي».

عرض التعليقات
تحميل المزيد