انخرط المغرب خلال السنوات الأخيرة عميقًا في مجهودات الرجوع لأحضان إفريقيا، مستغلًا كل إمكاناته الاقتصادية والروحية والسياسية والعسكرية، وتوجت هذه السياسة بعودة المملكة المغربية إلى مظلة الاتحاد الإفريقي مع بداية العام الجديد، بعد 33 عامًا من الغياب، وذلك منذ أن تخلَّت عن كرسيها داخل المنظمة الإفريقية عام 1984، عقب اعتراف الأخيرة بما يسمى «جمهورية جبهة البوليساريو»، وهو ما اعتبره المغرب انتهاكًا لسيادته الوطنية، وخروجًا عن الدور الإفريقي المرسوم لمنظمة الاتحاد الإفريقي.

هبات واستثمارات مغربية ضخمة في إفريقيا

أنفق المغرب في سبيل سياسة الانفتاح على بلدان جنوب إفريقيا هباتٍ واستثماراتٍ ضخمة، استفادت منها دول إفريقية مختلفة. منها الاتفاق الذي وقَّعه المغرب مع إثيوبيا في نهاية العام الماضي، بموجبه يستثمر المكتب الشريف للفوسفات (شركة عمومية) 2.4 ملياري دولار بين 2017 و2022 لإقامة مجمَّع لإنتاج الأسمدة الزراعية في مدينة ديري داوا شرق إثيوبيا.

وصف مصطفى التراب، رئيس مجلس إدارة المجمع المغربي، هذا المشروع بأنه «أكبر استثمار خارج المغرب، وهو بهدف لتقليص تبعية إثيوبيا إزاء توريد الأسمدة»، وكان المغرب قد استثمر 2,1 مليار يورو عام 2014 في مشروع مشابه مع الغابون، كما
بدأ
المجمع الشريف للفوسفات العام الماضي ببناء مصنع جديد للأسمدة مخصص للسوق الإفريقية بقيمة استثمارية تبلغ 537 مليون دولار لفائدة رواندا.

في نفس الإطار، أعلن المغرب عن مساهمته في تمويل مشروع بناء عاصمة جديدة لدولة جنوب السودان، بغلاف مالي قدره 5,1 مليون دولار، وذلك بعد زيارة قام بها الملك محمد السادس إلى عاصمة جنوب السودان، جوبا، ولقائه مع الرئيس سالفا كير مايارديت، إذوقّع الطرفان تسع اتفاقيات ثنائية في مجالات مختلفة منها الفلاحة والصناعة والاستثمار.

بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ المغرب من البلدان المستثمرة بقوة في إفريقيا، حيث احتل المرتبة 19 وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ضمن أكبر 20 دولة تستثمر في القارة الإفريقية، جنبًا إلى جنب مع الاستثمارات الأوروبية والأمريكية والصينية، حيث تشكل هذه استثمارات المغرب في غرب ووسط إفريقيا نسبة 51% من إجمالي استثماراته الخارجية. ووسط إفريقيا، استفادت منها جمهورية مالي، والغابون والسنغال، والكوت ديفوار، وبوركينا فاسو، ورواندا وإثيوبيا ودول إفريقية أخرى.

كانت وراء هذه الاستثمارات مجموعة من الشركات المغربية، وعلى رأسها شركة «اتصالات المغرب» و«أونا» و«تجاري وفا بنك»، والمكتب الشريف للفوسفاط، حيث شملت مجالات متعددة، بداية من الاتصالات السلكية واللاسلكية، والخدمات المصرفية مرورًا بالتأمينات والبناء إلى صناعات الأسمدة والمناجم. وقد بلغ رقم المبادلات التجارية بين المملكة المغربية والقارة الإفريقية، فقط في الفترة الممتدة بين 2014 و2016، ما يربو عن 11 مليار دولار.

ما مدى استفادة الشعب من هذه الاستثمارات والهبات؟

يحفل الخطاب الوطني في المغرب، إعلاميا وسياسيا، بكثيرٍ من المبالغة في تقدير مردودية سياسة الانفتاح المغربي والسخاء المالي نحو دول إفريقيا، دون طرح تساؤلات حول جدوى هذه الاستثمارات الضخمة والهبات المالية الممنوحة لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، بالنسبة للمجتمع المغربي، وهل يستفيد منها المواطن؟

في الواقع، تحتل الرهانات السياسية الأولوية في سياسة «الصنبور المفتوح» التي ينهجها المغرب في إفريقيا، أكثر مما يكون الغرض المردود الاقتصادي للدولة، فبعدما تنبَّه المغرب إلى الانعكاسات السلبية لقناعته بـ«الكرسي الفارغ» في إفريقيا على قضاياه الوطنية، عاد في السنوات الأخيرة بشكل اندفاعي نحو أحضان القارة، مستثمرًا موارده المالية والروحية والدبلوماسية.

وفي ذلك، ساهمت الزيارات الملكية، المرفقة عادة بحزم الاتفاقات والاستثمارات والمنح السخية، في دفع مجموعة من الدول الإفريقية إلى سحب موقفها السابق حول قضية الصحراء، كان آخرها إعلان رواندا وتنزانيا وإثيوبيا وجنوب السودان، اللاتي كانت تقف في صف جبهة البوليساريو، دعمها للمغرب في طرحه حول نزاع الصحراء، وبجانب ذلك عزز نفوذه السياسي في القارة الإفريقية.

لكن بالمقابل، كلّف هذا الانفتاح نحو إفريقيا المغرب موارد مالية ضخمة، لاسيما أن البلد يعيش مستويات عالية من التقشف في الخدمات العمومية والهشاشة الاجتماعية، ففي الوقت الذي يضخ فيه المغرب مليارات الدولارات في إفريقيا، على شكل استثمارات وهبات، يئنّ البلد تحت ديون قدرها 67 مليار دولار، بين ديون خارجية وداخلية، وتعاني ميزانيته من عجز 5.9 مليار درهم.

ولذلك، يذهب بعض المراقبين إلى أن توطين هذه الاستثمارات محليا بدل تهجيرها، من شأنه أن ينعش الاقتصاد الوطني ويخفف حدة الفقر والبطالة، كما سيحد ذلك من استنزاف احتياطي العملة الصعبة بالبنك المركزي المغربي، خاصة وأن المردودية الاقتصادية لهذه الاستثمارات مشكوك فيها، بالنظر إلى أن معظم الأرباح تعود إلى جيوب النخب المستثمرة، ولا يبدو أن ميزانية الدولة تستفيد منها بشكل واضح، ناهيك عن أن الاستثمار في السوق الإفريقية معرضة للنكسات بالنظر إلى انخفاض القدرة الشرائية للسكان ومنافسة الاقتصادات العظمى على ساحتها.

وعلى صعيد آخر، يزداد الشعور بالإحباط الاجتماعي وسط المغاربة، الذين يشاهدون على شاشات التلفاز مبادرة المغرب في بناء مستشفيات ومستوصفات ومدارس ومصانع وبنايات سكنية في بلدان إفريقية، بينما تفتقد بعض المناطق في البلاد للمرافق العمومية من مدارس ومستشفيات والبنيات التحتية، وهو ما يقود العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى انتقاد السخاء الاقتصادي للمغرب نحو إفريقيا بشدة.

وبالرغم من أن سياسة الانفتاح المغربي، عبر الموارد الاقتصادية، نحو القارة الإفريقية، قد أججت زخمًا إيجابيًا لسمعة المغرب وسط الأفارقة، إلا أنها ارتدت سلبا على الشعور بالمواطنة لدى قسم من الشعب المغربي من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل البعض غير راضين عن سياسة «الصنبور المفتوح» نحو إفريقيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد