صعد الإسلاميون لأول مرة في تاريخ المغرب إلى السلطة، إثر تداعيات “الربيع العربي”، شأنهم شأن باقي القوى الإسلامية في بلدان الربيع العربي، لكن كل الحكومات الإسلامية سقطت وبقيت حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي. في هذا التقرير نستعرض لكم مسار حكومة “الربيع المغربي”، وحصيلتها طوال 4 سنوات من الحكم.

ما هو سياق وملامح حكومة «الربيع المغربي»؟

بعد إجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها سنة 2011 إثر تداعيات الربيع العربي، فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأكبر عدد من المقاعد وهو107 من أصل 395. اختار الملكُ – مثلما ينص الدستور على حقه في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز – عبد الإله بنكيران رئيسَ الحزب الإسلامي ليشكل حكومته.

وصفت تلك الانتخابات لأول مرة بالنزيهة، ورغم أن حزب العدالة والتنمية فاز بأغلبية المقاعد، إلا أنه يتعذر عليه تشكيل أغلبية مريحة، ما جعله يتحالف مع  حزب الحركة الشعبية الحاصل على 33 مقعدًا، وحزب التقدم والاشتراكية الذي حاز على 20 مقعدًا، بالإضافة إلى حزب الاستقلال الفائز ب 60 مقعدًا.

كانت تشكيلة حكومية غير متجانسة عرفت الكثير من الصراع الداخلي، ما أدى بها في آخر المطاف بعد عامين إلى الانفجار بانسحاب حزب الاستقلال من الحكومة. بعدها عاش المغاربة قرابة 4 أشهر بدون حكومة.

يوم 9 أكتوبر 2013، تمكن أخيرًا عبد الإله بنكيران، بعد مشوار طويل من المفاوضات، من العثور على حليف جديد يحل محل حزب الاستقلال المنسحب، وهو حزب التجمع الوطني للأحرار المرتبط بالنخبة المالية الحائز على 54 مقعدًا؛ لتدشن النسخة الثانية من الحكومة، وهي التي ما زالت مستمرة في عملها حتى الآن.

تتألف الحكومة المغربية الحالية من 39 وزيرًا، 11 وزيرًا ينتمي لحزب العدالة والتنمية، و8 وزراء للتجمع الوطني للأحرار، وأيضًا 6 وزراء للحركة الشعبية، وكذا 5 وزراء لحزب التقدم والاشتراكية، بالإضافة إلى 8 وزراء تكنوقراطيين غير منتسبين لأحزاب سياسية.

وتعد تشكيلة الحكومة المغربية كتلة سياسية متنافرة تمامًا وغير منسجمة، إذا ما نظرنا إلى طبيعة مرجعيات الأحزاب الأخرى المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي، فحزب التقدم والاشتراكية الذي يرأسه نبيل بن عبد الله هو ذو ماضٍ شيوعي، وحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يشغل رئيسه صلاح الدين مزوار وزيرًا للخارجية، مرتبط بالنخبة المالية، وقد كان يصفه عبد الإله بنكيران بالفساد قبل أن يتحالف معه!

ولا تتمتع الحكومة المغربية بصلاحيات دستورية واسعة، مقارنة مع اختصاصات الملك، نظرًا لطبيعة النظام السياسي الذي يشتغل به المغرب؛ لذلك فهي لا تملك زمام الأمور في القضايا السيادية الكبرى والتوجهات السياسية العامة للبلاد. لكن بالمقابل فهي تملك تسيير شؤون المواطنين إداريًا واقتصاديًا وسياسيا، وهو ما لا يعفيها من المسؤولية.

وتبدو علاقة الحكومة مع القصر دقيقة ومعقدة جدًا، إذ تشبه اللعب في رقعة الشطرنج حيث تكون كل خطوة محسوبة، لكن ظاهرًا على الأقل فرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، يؤكد على علاقة التعاون بينه وبين الملك، ويردد مرارًا: “إن الذين يريدون مني أن أتنازع مع القصر، فإني أقول لهم أنا لست الشخص المناسب”، لكن بالمقابل صقور حزب العدالة والتنمية لا يخفون امتعاضهم حينما لا تمشي الأمور على ما يرام مع القصر، مستعينين بشعبية الحزب وحساسية الظرفية، كما يوجهون انتقاداتٍ لاذعة لوزارة الداخلية التي يتزعمها رجالات القصر، أما الأحزاب السياسية الأخرى المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية، فيُنظر إليها أنها موالية للقصر تمامًا.

ونتيجة هذه الشراكة في الحكم بين القصر والحكومة، يحصل أحيانًا ما يشبه انفصامًا في الموقف الرسمي تجاه قضايا معينة، فمثلاً كان المغرب في شخص الملك محمد السادس، من أوائل المهنئين لعبد الفتاح السيسي بعد 30 يونيو، واضطرت الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية على مضض التماهي في الموقف الرسمي مع القصر، غير أن الحزب الإسلامي يعلن موقفه الرافض في تجمعاته الحزبية لإسقاط الإخوان المسلمين من الحكم في مصر، ويصفون ذلك  “بالانقلاب العسكري”.

الكاتب الوطني لشبيبة حزب العدالة والتنمية وهو يرفع شارة رابعة

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعم الحكومة، فهو حزب ذو توجه إسلامي محافظ، انبثق عن حزب الحركة الشعبية ذي التوجه القروي التقليدي سنة 1967، يصف نفسه في إطار أدبياته الحزبية بكونه “حزبًا سياسيًا وطنيًا، يسعى انطلاقًا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي، ومزدهر ومتكافل، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابي في مسيرة الحضارة الإنسانية”.

يُنظر إلى حزب العدالة والتنمية على أنه الذراع السياسي لحركة التوحيد والإصلاح الدعوية، أكبر الحركات الإسلامية في المغرب بالإضافة إلى جماعة العدل والإحسان، وهي حركة تنفي علاقتها تنظيميًا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ولكن تثبت اشتراكها مع الجماعة في المرجعية الإسلامية، ولا تخفي تعاطفها – شأنها شأن الحزب – معها بأي حال.

يترأس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، الذي أدخل خطابًا جديدًا إلى المشهد السياسي المغربي، خطابًا يتسم بالبساطة و”الشعبوية” والفكاهة أحيانًا، حيث يصف قوى الفساد التي تعرقله بالجن والعفاريت! وهو متزوج وله ستة أبناء، ازداد سنة 1954 بالرباط، حاصل على الإجازة في الفيزياء، وشغل عدة مناصب سياسية وقيادية في حزب العدالة والتنمية، الذي انتسب إلى شبيبته الإسلامية منذ سنة 1976.

ما هي حصيلة حكومة «الربيع المغربي»؟

تروج الحكومة المغربية في شخص ناطقها الرسمي مصطفى الخلفي وزير الإعلام والاتصال، لمنجزاتها بكثير من المبالغة والتفاؤل، وهي على أية حال لا تترك أي فرصة لانتقادها، حيث تبرر وضعها بأنها جاءت في سياق سياسي مضطرب بعد أحداث الربيع العربي، وكفى بها أنها “أنقذت المغرب من السقوط في الفوضى” مثلما يلمز رئيسها عبد الإله بنكيران لخصومه.

شاهد هذا البرنامج التلفزي الذي يستعرض سجالاً حول الحصيلة الحكومية

 

يمكن إجمال حصيلة حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي والأحزاب المتحالفة معه، في شقها الاقتصادي، في إلغاء دعم المحروقات المستوردة الذي كان يكلف الدولة ميزانية باهظة، واعتماد صندوق دعم مباشر للنساء الأرامل، وكذا تخفيض سعر حوالي 1200 دواء، بالإضافة إلى الزيادة في منحة طلاب الجامعة وتعميمها، وتوفيرها دعمًا صحيًا بالنسبة للفقراء في إطار مشروع “راميد”، وأيضًا استحداث صندوق تعويض لفقدان الشغل.

وكان ما ميز حكومة “الربيع المغربي” في بداية ولايتها هو فتحها ملفات فساد، لم يسبق لحكومة قبلها أن اقتربت منها، مثل “مقالع الرمال” و”مأذونيات النقل”، كما قطعت مع التوظيف المباشر وأقرت بضرورة اجتياز المباراة لكل متقدم للشغل، وهو ما يرفضه حتى الآن تنسيقيات حاملي الشهادات العليا.

ويذكر أن مؤشر الفساد تراجع في المغرب 12 درجة حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) سنة 2014، كما سجل تحسنًا طفيفًا في النمو الاقتصادي في المغرب لا يتجاوز %5 حسب أرقام رسمية.

ويقول عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية في معرض حديثه عن الحصيلة الحكومية، إنها كانت “إيجابية ومشرفة ومطمئنة، بالنظر لدقة وصعوبة الظرفية الدولية والإقليمية والوطنية التي تقلدت فيها الحكومة مسؤولية تدبير الشأن العام، ما يعنيه ذلك من محدودية الإمكانيات وضيق هامش التصرف”.

وتعزم الحكومة في ما تبقى لها من ولايتها، حسب ما صرح به رئيسها عبد الإله بنكيران، على ترسيخ الديمقراطية الانتخابية والقطع مع كل أشكال الفساد السياسي، في الانتخابات البلدية المزمع عقدها في شهر نوفمبر القادم.

بينما المعارضة البرلمانية الممثلة في حزب الأصالة والمعاصرة الليبرالي التوجه، وحزب الاستقلال ذي التوجه الوطني المحافظ، وكذا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري تقلل من هذه الحصيلة، وتتهم حزب العدالة والتنمية بمحاولة “أخونة الدولة” وضرب القدرة الشرائية للشعب المغربي، وطبعًا عبد الإله بنكيران شخص يَعرف كيف يرد على خصومه السياسيين، الذين لا تسعفهم شعبيتهم المتواضعة وتجاربهم السياسية السلبية في النيل من الحكومة، بل أحيانًا يتلذذ بتقريعهم.

شاهد هذا اللقاء بين المعارض الحكومي إلياس العمري وحسن معوض في نقطة نظام

 

 

أما حركة 20 فبراير المتمثلة في القوى اليسارية وجماعة العدل والإحسان وبعض المستقلين، فهي تتهم الحكومة المغربية ممثلة في حزب العدالة والتنمية، “بإفشال الانتقال الديمقراطي في المغرب إبان الربيع العربي، حيث تصم حزب العدالة والتنمية بالتملص من الحراك الشعبي، وجعل نفسه أداة في يد المخزن يستعين بها من أجل تمرير المرحلة”، إلا أن الأخير يرد بأنه اختار الإصلاح بالتدريج في ظل الاستقرار بدل الانسياق وراء إصلاح جذري لا تعلم عاقبته.

وتشتكي مجموعة من المنظمات الحقوقية والإعلامية من خنق حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي هامش الحرية المتوفر بعد تداعيات الربيع العربي، حيث تقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان “إن الحكومة في هيئة وزارة الداخلية، منعت عددًا من الجمعيات من عقد اجتماعاتها، وتنظيم أنشطتها ومن استغلال الفضاءات العمومية، وحرمت أخرى من التأسيس، وأصدرت أحكامًا قاسية بالسجن في حق فنانين وصحفيين وطلبة ومعطلين وحقوقيين ومواطنين معارضين للتوجهات الرسمية”.

ويرى مراقبون أن “حكومة الربيع المغربي” قد نجحت في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي رغم الأوضاع الإقليمية المضطربة، كما سجلت تحسنًا اقتصاديًا نوعًا ما ولا سيما في السنة الماضية، لكنهم يأخذون عليها أنها لم تبذل جهدًا كافيًا لرعاية حقوق الإنسان والحريات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد