فيما كان يُتوقع أن تؤتي الضربة الأمريكية على مواقع النظام السوري ثمارها السياسة، عجلت موسكو لسحب البساط بالإعلان عن منح دمشق منظومات الدفاع الجوي المتطورة «إس 300»، ضاربة بعرض الحائط الالتزامات السابقة بعدم تسليم هذه المنظومات الصاروخية إلى سوريا.

هذا القرار الروسي أثار تبعات عدة، أولها: تزايد المخاوف الإسرائيلية من نفوذ إيران وحلفائها، كما كان الأهم هو ما يحمله القرار من رسائل سياسية عدة لواشنطن التي تريد تحقيق مكاسب سياسية في هذا الوقت بسوريا.

«إس 300» في جعبة النظام السوري قريبًا

«من المخطط تسليم المنظومات لدمشق ضمن إطار المساعدة التقنية العسكرية؛ لأن السوريين لا يملكون المال لشرائها، كما أن روسيا لا تنظر في إمكانية تقديم قروض»، هذا ما نقلته صحيفة «كوميرسانت» الروسية عن مصدرين عسكريين حول أمر تسليم منظومات الدفاع الجوي «إس 300» للنظام السوري.

منظومة (إس 300)  (المصدر : وكالة سبوتنيك)

سيتأتى ذلك تنفيذًا لعقد عسكري وقعه النظام مع روسيا في العام 2007 للحصول على أنظمة دفاع جوية متعددة الأغراض، منها نظام «إيغلا» المحمول، وصواريخ «تونغوسكا» و«ستريليتس» و«بوك» و«بانتسير»، بالإضافة إلى «إس 125»، سلمت هذه الأسلحة كلها للنظام، عدا منظومة «إس 300» التي جاء تأجليها استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية.

وأكدت الصحيفة الروسية على أن مكونات المنظومة ستنقل قريبًا عبر طائرات النقل أو سفن البحرية الروسية في إطار حزمة المساعدات العسكرية للنظام، كما نقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية عن مدير قسم شؤون عدم الانتشار والرقابة على الأسلحة في وزارة الخارجية الروسية فلاديمير يرماكوف قوله: «إنه لا توجد قيود دولية على تصدير المنظومات الدفاعية الروسية الى سوريا، ولا توجد لدينا أي اتفاقيات دولية تضع قيودًا على تصدير الأسلحة الدفاعية لسوريا».

وكان قد سبقه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حين قال: «الضربات الجوية الأمريكية في سوريا هذا الأسبوع تحل روسيا من أي التزام أخلاقي يمنعها من تسليم أنظمة «إس 300» الصاروخية المضادة للطائرات للرئيس السوري بشار الأسد» ،مضيفًا: «الآن ليس لدينا أي التزامات أخلاقية، كانت لدينا التزامات أخلاقية، وتعهدنا بألا نفعل ذلك منذ 10 سنوات على ما أعتقد بناء على طلب من شركائنا المعروفين».

 لكن مع ردة الفعل الدولية على هذا القرار الروسي، تراجعت موسكو في تصريحات مسئوليها، فقد جاء في بيان نشرته وزارة الخارجية الروسية أن «موسكو لم تتخذ بعد قرار تسليم منظومة الدفاع الجوي «إس 300» إلى سوريا، ومن المؤكد أنه لا توجد أسرار، وكل شيء بهذا الخصوص سيتم إعلانه».

وبين التأكيد على وجود هذه المنظومة وعدمه، يستمر عسكريون سوريون من ضباط الدفاع الجوي بتدريباتهم لإدارة واستخدام هذه المنظومة على الأرض السورية، بعد أن حصلوا على التدريبات اللازمة في روسيا، وفي حال أُضيفت منظومة «إس 300» للترسانة الصاروخية السورية، فإنه سيُصبح بإمكان دمشق اعتراض أي هجوم صاروخي واسع عليها أراضيها، ومن ذلك اعتراض وإسقاط طائرات هجومية إسرائيلية متطورة.

وتعد هذه المنظومة المتطورة منظومة دفاع جوي صاروخية بعيدة المدى، مهمتها حماية المواقع والمؤسسات الإدارية والقواعد العسكرية من أية ضربة جوية، وتحتوى المنظومة على ثلاثة أنواع من الصواريخ يتراوح مداها بين 25 كم إلى 200 كم، وهذه الصواريخ قادرة على صد أي أهداف جوية متحركة بسرعة تتراوح بين 4300 إلى 10 آلاف كم/ ساعة، حيث تستخدم صواريخ المنظومة قواعد أرضية ثابتة، أو يتم تحميلها على مركبات متحركة، وتعتمد نظرية عمل الصواريخ على استخدام رأس حربي وزنه 133 كغم شديد الانفجار يمكنه تدمير الهدف دون الحاجة إلى الاصطدام المباشر، حسب المصادر الروسية.

موسكو تريد وقف «حشر الأنوف» في سوريا

«كل شيء سيكون أكثر هدوء؛ فالإسرائيليون، والأتراك، والأمريكيون، سوف يعرفون بالضبط المنطقة التي تبلغها إس-300، ولن يحشروا أنوفهم هناك»، كان هذا جزءًا مما قاله المدير السابق للمديرية المركزية للتعاون العسكري الدولي بوزارة الدفاع الروسي ليونيد إيفاشوف، مؤكدًا على أنه في المستقبل القريب ستزود موسكو دمشق بمنظومة «إس 300»، وقد يستغرق الأمر أكثر من أربعة أشهر.

فرغم أن موسكو، التي وقعت عام 2007 عقدًا مع إيران لتسليمها منظومة «إس300»، أجبرها «الفيتو» الإسرائيلي على التراجع عن الصفقة عام 2010، إلا أن توقيعها لاتفاقية مشابهة مع النظام في العام 2007 قد يفلت هذه المرة من الفيتو الإسرائيلي، وبالفعل يمكن لروسيا تنفيذ القرار بسهولة، خاصة أن بطاريات الصواريخ التابعة للمنظمة موجودة بالفعل في سوريا منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وكل ما على الروس هو إعادة نشرها في منشآت حيوية سورية، بدلًا عن تمركزها قرب قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين فقط.

وجاء في مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية أنه «لا يمكن القول إن إسرائيل لا يجب أن تترقب حصول سوريا على الصواريخ الروسية، وهناك إمكانية لحدوث مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران في سوريا»، كما تحدثت الصحيفة عن «تحذيرات مسؤولين روس من أن مهاجمة إسرائيل للمنظومة الدفاعية الروسية بعد حصول سوريا عليها سيكون له تبعات كارثية على إسرائيل».

يقول أستاذ العلوم السياسية في مركز الدراسات العسكرية والسياسية بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية ميخائيل الكسندروف أن منظومة «إس300» «ستزيد  بشكل كبير من خطر إسقاط الطائرات الإسرائيلية، لكن حظر الطيران الإسرائيلي ليس هو الشيء الأكثر أهمية؛ فالشيء الرئيس هو أن «إس300» في سوريا ستجعل من الصعب للغاية على الولايات المتحدة توجيه ضربة بمساعدة الطيران».

جنود روس بجانب المنظومة (المصدر: اف ب)

ومضى «الكسندروف» يقول: «يمكن وضع مجمعاتنا في سوريا بالقرب من البحر، والتحكم بمنطقة 300 كم ساحلية، بالإضافة إلى ذلك يمكن وضع «إس-300» على الحدود مع العراق والأردن، وإسقاط الصواريخ بفعالية من هذا الاتجاه، علاوة على ذلك، فإن المسؤولية في مثل هذه المواقف لن تكون على دفاعنا الجوي، إنما على السوريين الذين سيدافعون عن أنفسهم. بشكل عام، هذا من شأنه أن يردع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عن القيام بضربة جوية، أقل تكلفة وأكثر دقة من صواريخ كروز».

إسرائيل تهدد بضرب «إس 300»

فيما لا يستبعد المحللون الإسرائيليين أن يقوم الروس بتزويد النظام السوري على الأقل بالنسخة القديمة من منظومة «إس300»، وقد أكد العسكريون الإسرائيليون أكثر من مرة على وجود المنظومة بالفعل في الأراضي السورية، وقالوا إنها استخدمت لحماية المنشآت الروسية، بل حددوا مكان المنظومة بأنها موجودة في شمال غربي سوريا، إلى جانب المنظومة الأحدث «إس 400»، وذلك منذ نقلت طائرات سلاح الجو الروسي إلى قاعدة حميميم، قبل سنتين ونصف.

في المحصلة، جاء الإعلان الروسي الأخير عن إرسال هذه المنظومة إلى سوريا ليظهر أن موسكو تغامر بتوسيع الشرخ مع إسرائيل، برغم كل محاولات الحفاظ على علاقة متوازنة بين الطرفين، فهي منظومة قادرة على رصد الطائرات الإسرائيلية على مسافة 200 كلم، وبالتالي تصبح جميع المطارات الإسرائيلية تحت طائلة الرصد للنظام السوري، فصواريخ المنظومة قادرة على المس بـ20 هدفًا في آن واحد، وحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، فإن مدى الصواريخ الروسية يصل إلى 250 كم؛ مما يمكنها من ضرب الطائرات الحربية فوق تل أبيب؛ وهو ما يحد من هيمنة إسرائيل الجوية في المنطقة.

هذه المخاوف دفعت إسرائيل للتهديد بضرب هذه المنظومة، وتحذير روسيا من إيصالها للنظام، فقد قال وزير الحرب الإسرائيلي «أفيغدور ليبرمان»: إنه «من المهم بالنسبة لنا ألا تستخدم الأسلحة الدفاعية التي يسلمها الروس إلى دمشق ضدنا، وإذا أطلقوا النيران على طائراتنا فسندمرهم»، وتابع القول: «نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا، لكننا لن نسمح لإيران بأن تستخدم أنظمة أسلحة متطورة تستهدف إسرائيل، وإذا استهدفتنا بإطلاق نار، فسنرد، ولا نبالي إذا كانت هناك «إس300» أو «إس700» أو أي شيء آخر».

وقد يؤدي الرد الإسرائيلي على هذه المنظومة إلى اندلاع صراع واسع في الشرق الأوسط تخوضه إسرائيل ضد إيران و«حزب الله»، ويؤكد المحلل العسكري الإسرائيلي «عاموس هرئيل»: «هذه أخبار ليست سارة لإسرائيل، صحيح أن سلاح الجو قد تدرب، مقابل منظومات روسية مضادة للطائرات تم بيعها لقبرص، وموجودة اليوم لدى اليونان، ولكن من الممكن التقدير بأن لدى إسرائيل وسائل وطرقًا تتيح لها التحليق، في حال الضرورة، رغم وجود هذه المنظومة».

الرئيس الروسي ورئيس النظام السوري (المصدر: اف ب)

ويمضى «هرئيل» بالقول: «السؤال الأساسي هو: ما هو مستوى المخاطرة الذي يفرضه تواجد صواريخ «إس 300» في سوريا على سلاح الجو الإسرائيلي في العمليات اليومية؟ مع الأخذ في الحسبان التقارير التي تتحدث عن هجمات إسرائيلية متواترة هناك. ذلك تحد يستوجب استعدادًا آخر، خاصة وأن سوريا تلمح منذ مدة أن أيام ضبط النفس مقابل الهجمات الإسرائيلية قد انتهت».

«إس 300» وموجة رسائل لواشنطن

توجه موسكو رسائل سياسية وعسكرية عبر إعلانها عن إيصال المنظومة المتطورة «اس 300» إلى النظام السوري، ويكاد يجمع المحللون أن هذه الرسائل تستهدف بالأساس الولايات المتحدة الأمريكية بعد إقدامها على الضربة الثلاثية على سوريا، فهي خطوة تمثل مظهرًا من مظاهر عودة ما يعرف بـ«الحرب الباردة» بين الروس والأمريكيين، فالروس في تحرك دبلوماسي متقن يخوضون الآن لعبة «شد الحبل» كمحاولة جديدة لمواجهة واشنطن التي «تجرأت» وقامت بضرب النظام السوري، إذ إن المنظومة قادرة على ردع أي تحرك جوي أمريكي مهما كانت قوته.

وتعي واشنطن كذلك أن موسكو وجدت فيما بعد الضربة الأمريكية لسوريا التوقيت المناسب لإرسال هذه المنظومة إلى سوريا، فهو توقيت سيؤدي لقيام أطراف عدة في المنطقة بإجراء مراجعة لحساباتها، في ظل إصرار موسكو على وضع قواعد جديدة لعرقلة أي محاولات لتكرار الضربات على المنشآت السورية، كما تدرك واشنطن أن دمج منظومتي «إس 300» و«إس 400» هو بمثابة مظلة دفاع جوية متينة متمكنة من صدر أي هجوم، فهذا الدمج في المحصلة يؤدي إلى إنشاء غطاء شامل يحمي مناطق النظام بشكل فعال برًا وجوًا.

وترى واشنطن أن تسليم هذه المنظومة للنظام السوري أمر مختلف تمامًا عن وجود المنظومة مع الروس، فهو يشكل خطرًا كبيرًا عليها، لا سيما أن النظام استخدم منظومات «بانتسير»، و«باتشورا»، و«بوك» في اعتراض صواريخ الأمريكية ليلة الرابع عشر من أبريل (نيسان) الجاري.

المصادر

تحميل المزيد