التاريخ والوعي به، ركنٌ راسخ في ذاكرة الأمم، وفي تشكُّل هوياتها. ولعل هذا هو ما يفسر ولع الملايين وتأثرَهم الشديد – ونحنُ في الألفية الثالثة – بأحداثٍ شهدتْها العصور الوُسطى قبلَ قرونٍ، رغم كل ما اعترى حياة الناس والأزمنة والأمكنة من تغيُّراتٍ كبرى.

وحتى لو لم يكُن لحدثٍ تاريخي ما قيمة ذاتية تلقائية، فإنُّه قد يُستَدعي استدعاءً من أجل الإسقاط المعاصر، ولأغراضٍ سياسية قد لا تكونُ دائمًا نبيلة. فأمامَ ناظريْنا الكثير من الأنظمة السياسية المسبتدة التي تستخدم التاريخ القريب والبعيد، من أجل صناعة حالةٍ من المشاعر القومية والوطنية المؤيدة لها، والتي لا يُشتَرَط أن تنبني على معلوماتٍ وتفاصيل سليمة، أو مُتّصلة بشكلٍ حقيقي ومباشر بالوقائع الجديدة.

في السنوات الماضية، ومع تفجُّر الأزمة السياسية والعسكرية بين أوكرانيا وروسيا، استولتْ روسيا بالقوة على شبه جزيرة القرم الواقعة شمال البحر الأسود، والتي كانت تتبع السيادة الأوكرانية بشكلٍ فيدرالي.

يقطن تلك المنطقة أكثرية من الأصول التترية التركية، يعرفون باسم تتار القرم، وهم بقايا ما كان قبل قرون دولةً تترية مترامية الأطراف، تسيطر على الجزء الغربي من قارة آسيا من روسيا شمالًا، إلى القوقاز جنوبًا، إلى أوروبا الشرقية غربًا.

جدّدَت سيطرة روسيا على القرم مخاوفَ تتار القرم من تكرار الاضطهادات الكُبرى لهم في عصر الاتحاد السوفيتي، لاسيّما فاجعة عام 1944، عندما أمر ستالين – زعيم الاتحاد السوفيتي آنذاك – بتهجير ربع مليون من تتار القرم خلال ثلاثة أيام في قطارات غير آدمية، وذلك بعد اتهامهم بالخيانة أثناء الحرب العالمية الثانية.

أسفر هذا التهجير عن مصرع ما يقارب نصفهم، وظل الباقون في المنافي يقاسون أوضاعًا معيشية قاسية لسنوات طويلة، قبل أن يُسمَح لهم بالعودة في منتصف الثمانينيات، في عهد جورباتشوف، الذي حاول تبني سياسة أكثر انفتاحًا وإصلاحًا للسيطرة على الضعف الذي اعترى الاتحاد السوفيتي آنذاك.

ومع تعزُّز الحُكم الروسي في شبه جزيرة القرم مؤخرًا، تعرّضَ الكثير من تتار القرم للتضييق والملاحقة الأمنية، تحت شعار التبرير الشهير «الحرب على الإرهاب». وتحظى تلك الإجراءات الروسية الصارمة بتأييد واسع لدى القوميين الروس لاسيّما المتعصبين منهم. ولكن ما سرّ تلك الخصومة الراسخة بين القوميين الروس والتتار؟

في هذه الجولة سنتحدث عن حصار موسكو عام 1382، ونشير إلى ما سبقه وما لحقُه من محطاتٍ مهمة من الأحداث، وسنتعرّف إلى بعض جذور تلك الخصومة التاريخية.

القبيلة الذهبية ودوقية موسكو الكبرى

يعود أول ذكر حقيقي لموسكو كمدينة ذات وزن سياسي ومكاني إلى منتصف القرن الثاني عشر الميلادي. نشأت المدينة كمحطةٍ تجارية مهمة في المنطقة الشمالية الغربية من أراضي روسيا الحالية.

مع مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، طفت على سطح الأحداث في العالم قوةٌ فريدة هي التتار أصحاب الجذور التركية، بعد أن وحّدَهم ملكهم الأعظم جنكيز خان، والذي حشد قوةً ضاربة مكوّنةً من عشرات الآلاف من الفرسان، اجتاحت بمنتهى القوة والبطش معظم أرجاء آسيا الوسطى والغريية خلال أقل من نصف قرن، مدمرةً ومُبتلعةً العديد من الممالك القائمة في تلك المناطق، ومن أشهرها المملكة الخوارزمية المسلمة شديدة القوة.

استمرّت التوسعات التترية غربًا وجنوبًا في عهود أبناء جنكيز خان وأحفاده. تعرضت شتَّى المناطق الروسية – ومن بينها موسكو – إلى غزو تتري ساحق بين عامي 1236 و1240، حيثُ خُرِّبَت موسكو وعشرات البلدات والمدن في تلك المنطقة، وصولًا إلى مدينة كييف، لكن لم يلبث أهلها أن أعادوا بناءَها، لتزدهر تدريجيًّا من جديد، بعد خضوعها لسيادة دولة التتار، ودفع الجزية السنوية المقرَرة.

في ذلك الوقت، كان الجزء الغربي من مناطق سيطرة التتار، قد بدأ يتشكل ككيانٍ مستقل عن باقي الإمبراطورية هائلة الضخامة. كان هذا الجزء يخضع لسلطان باطو خان، حفيد المؤسس جنكيز خان. وسيُعرَف هذا الجزء تاريخيًّا باسم القبيلة الذهبية.

نهب موسكو.. خدعة الشعوب التركية التي لم ينسَها الروس أبدًا

حصار موسكو – مصدر الصورة: MOSCOW TRAVEL GUIDE

بالقوة الضاربة التي لا تعرف الشفقة أو الهوادة، سيهيمن باطو خان على ملايين الكيلومترات المربعة من شرقي أوروبا غربًا، إلى سيبيريا شرقًا، وإلى جبال القوقاز، وحدود إيران الشمالية جنوبًا، حتى ليبدو سلطانه وقد أصبح ندًّا لأكبر أقسام إمبراطورية التتار المنقسمة، وهو الدولة الإيلخانية التترية، التي امتدّ سلطانُها من أواسط آسيا والصين شرقًا حتى العراق وحدود الشام غربًا.

سيؤسس باطو خان مدينة سراي باطو على نهر الفولجا ذي الأهمية التاريخية والنفسية لدى الشعوب الروسية إلى اليوم، لتكون عاصمة تلك الدولة الفتية، وستزدهر تلك المدينة كثيرًا، لاسيَّما مع تقاطر أموال الجزية التي فرضها تتار القبيلة الذهبية على شعوب تلك المنطقة، من الروس، والسلافيين، الشرقيين، والأرمن وغيرهم. وسيتولى الأمراء المحليون، ومنهم أمراء ما بات يُعرَف بـ«دوقية موسكو»، مهمة جمع تلك الأموال من السكان.

سيحدُث انقلاب تاريخي هائل عام 1257م، عندما يؤول حكم دولة القبيلة الذهبية إلى الخان الشهير بِركة خان، بعد وفاة أخيه باطو خان. اعتنق بِركَة خان الإسلام، وحارب ابن عمه الخان هولاكو، الوريث المباشر لدولة جنكيز خان، والذي دمَّر بغداد عاصمة الإسلام السياسية عام 1258.

عقد بِركة خان مصاهرةً شهيرة، وتحالفًا متينًا مع أكبر خصوم الدولة الإيلخانية التترية – دولة هولاكو وأعقابه – آنذاك، وهو الظاهر بيبرس، سلطان دولة المماليك التي كانت ترفل في عنفوان قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. سيستفيد اقتصاد القبيلة الذهبية كثيرًا في العقود التالية من التجارة المزدهرة مع الدولة المملوكية المهيمنة على أهم خطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

بلغ ازدهار دولة القبيلة الذهبية الذروةَ في عهد أوزبك خان (1312- 1341)، والذي وصفه الرحالة الشهير ابن بطوطة بأنه واحد من ملوك الدنيا السبعة. أظهر أوزبك خان – اسمه ولقبه غياث الدين محمد أوزبك خان – تسامحًا دينيًّا كبيرًا، لاسيَّما مع المسيحيين، طالما التزموا بالطاعة وبالجزية.

سمح هذا بازدهار دوقية موسكو ابتداءً من العقد الثالث من القرن الرابع عشر الميلادي، خصوصًا وأن الخان لم يمانع توسّعَ النفوذ المحلي لأمراء موسكو على جوارهم من المناطق الروسية، طالما استمروا في إظهار الخضوع له. كذلك أصبحت موسكو هي كرسي الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية؛ مما منحها المزيد من القيمة المعنوية والمادية المُضافة.

بعد وفاة أوزبك خان، بدأ الضعف يسري في أوصال دولة القبيلة الذهبية، وتزامن هذا مع وصول الطاعون العظيم عام 1346، والذي اجتاح معظم أجزاء أوروبا وآسيا، ودمر التجارة العالمية، وأهلك الملايين من البشر. أما موسكو، فقد بدأت قوتها العسكرية والاقتصادية في الازدهار، لاسيَّما مع التفكك التدريجي لسادة القبيلة الذهبية، وزوال ضغطهم عن كاهل أمراء موسكو، لتبدأ تلك الدويلة شيئًا فشيئًا في أن تستحق لقب «دوقية موسكو الكبرى».

لم يكد نفوذ دوقية موسكو في التفلُّت من قبضة القبيلة الذهبية المترنّحة، حتى هبَّ عليها من الجهة الغربية خطر دوقية ليتوانيا الكبرى، والتي شنَّت ثلاث حملات عسكرية ضخمة بين عاميْ 1368 و1372 لانتزاع موسكو، لكنها باءت بالفشل أمام صلابة دفاع الموسكوفيين بقيادة ديمتري دونسكوي الثاني.

كوليكوفو.. وما أدراك ما كوليكوفو

أظهر ديمتري مهاراتٍ قيادية استثنائية، ونجح في تعزيز قوة دوقية موسكو، رغم كونه شابًّا – وُلَدَ عام 1350م – وقد تولَّى منصب الدوقية عام 1359 وهو ما يزال صبِيًّا في التاسعة من عمره.

ضمَّ ديمتري لنفوذه مدنًا روسية مهمة مثل فلاديمير، وروستوف، واستغَل وهنَ القبيلة الذهبية في التحلُّل من التزاماته المادية والسياسية تجاه الخان، بل شجَّع غيره من الأمراء الروس المحليين على أن يحذوا حذوَه. عام 1378 نجح ديمتري في صد غارة تترية، وألحق بالجيش المغير خسارة كبيرة، مما عزَّز نفوذَه المادي والأدبي في دوقية موسكو وجوارها.

شهد عام 1380 حدثًا فارقًا لم يحدُثْ مثيلُه، منذُ أن فرضَ التتار في عهد باطو خان هيمَنَتهم على موسكو وما جاورَها. نجح جيش دوقية موسكو الكبرى بزعامة ديمتري دونسكوي الثاني – الذي أصبح بطلًا قوميًّا للروس، ومُنِحَ لقب قديس- في إيقاع هزيمةٍ مُذلة بجيش القائد التتري القوي آنذاك ماماي، أقوى رجال القبيلة الزرقاء، أحد فروع القبيلة الذهبية.

حدثت تلك الموقعة الفاصلة في منطقة كوليكوفو على ضفاف نهر الدون، ومن اسم النهر، اشتُقَّ لقبَ دونسكوي الذي حمله الدوق ديمتري، تخليدًا لانتصاره الكبير.

مقطع مصور للمتحف التذكاري لموقعة كوليكوفو

في بداية المعركة، كان المد التتري عاتيًا، وجُرحَ ديمتري جُرحًا بليغًا كاد يودي بحياته، إلا أنه تمكَّن من التماسك، وبعد ساعات نجح الفرسان الروس في تطويق الجيش التتري، والهجوم على صفوفه بضراوة، فاختلّ نظامُه، وفرَ أكثره، وفي أعقابهم المطاردون الروس.

كان لهذا الانتصار الحاسم أثر مباشر في تعزيز نفوذ واستقلالية دوقية موسكو الكبرى، وكان له أثر نفسي بالغ الأهمية في ترسيخ ثقة الروس في أنفسهم، في مواجهة تتار القبيلة الذهبية، الذين ظلُّوا لقرن ونصف قوةً لا تُقهَر في تلك المنطقة الشاسعة. لكن ستتعطل الآثار البعيدة لهذا الانتصار الروسي العريض في السنوات التالية، مع وقوع تغير مؤقت وطارئ في موازين القوى، كانت كلمة السر فيه هو زعيم القبيلة البيضاء توقتميش.

توقتميش ونهب موسكو 1382..

ظهر توقتميش على مسرح الأحداث عام 1376م عندما حاول الانقلاب على عمه زعيم القبيلة البيضاء. فشلت المحاولة؛ ففرّ توقتميش إلى القائد التتري الشهير تيمورلنك، الذي دعمه وأمدَّه ليحقق طموحاته السياسية والعسكرية.

هزَّت أنباء الهزيمة الفاجعة في كوليكوفو أرجاء مناطق القبيلة الذهبية جمعاء، فاستغلَّ توقتميش حالة الضعف والاضطراب التي تهيمن على القائد التتري المهزوم، وهزمه قرب ضفاف نهر الفولجا، في موقعةٍ فاصلة عُرفَت بموقعة كالكا الثانية. وهكذا تمكَّن توقتميش، لأول مرة من سنواتٍ عديدة، من توحيد القبيلة الذهبية، لاسيَّما مع مقتل ماماي بعد فترة قصيرة.

بعد نجاح الخان توقتميش في توحيد أراضي القبيلة الذهبية تحت سلطانه، قرَّر أن يشنّ حملة عسكرية ضخمة عام 1382 لإعادة إخضاع دوقية موسكو إلى نفوذ الدولة التترية، والانتقام لهزيمة كوليكوفو الموجعة، قبل أن ينجح ديمتري في إعادة بناء قوته وتعزيز قدراته العسكرية.

حشد توقتميش قوةً عسكرية ضاربة، بالتحالف مع بعض الأمراء الروس الخاضعين لنفوذه، ومنهم أمير منطقة سوزدال، الواقعة شمال موسكو، والذي كان أخًا غيرَ شقيق لدونسكوي.

سياسة

منذ سنة واحدة
تيمور لنك.. القائد المغولي المسلم الذي أرعب العالم نصف قرن

رغم الهجمات الضارية التي شنَّها جيش توقتميش على أسوار موسكو، فإنه لم ينجح في اختراقِها أيامًا، وكان الفضل في هذا للأسلحة النارية، التي استخدمَها المدافعون عن موسكو، والتي أحدثت خسائر موجعة في القوات المهاجمة.

لجأ توقتميش للحيلة من أجل حسم تلك المعركة، واستخدم في هذا أمير سوزدال، وكان اسمه ديمتري أيضًا. نجح هذا الأمير في إقناع بعض سكان موسكو بفتح الأسوار أمام جيش توقتميش، ووعدهم بمنح الأمان للمدينة، وأن هذا خيرٌ لهم من استمرار المعركة، وصولًا إلى فتح المدينة عنوة، وعندها لن يمنعَ شيءٌ المهاجمينَ من استباحتها.

انطلَت الخدعة على الموسكوفيين، وفُتَحَت أبواب المدينة للجيش التتري وحلفائه، وهنا وقعت الفاجعة. لم يوفِ توقميش بوعده لأهل المدينة، وانساح جنوده في شوارع موسكو وأزقَّتها يقتلون وينهبون، حتى قُتِلَ أكثر من 24 ألف من الموسكوفيين.

في السنوات السبع الباقية من فترته دوقًا لموسكو، سيضطر بطل موقعة كوليكوفو، ديمتري دونسكوي، للخضوع للسيادة التترية ودفع الجزية، حتى وفاته عام 1389. لكن آثار هذا النصر المشوب بالخديعة والغدر، لم تدُم كثيرًا.

الطريق إلى إيفان الرهيب ومن بعده

بعد سنواتٍ عديدة من انتصار توقتميش الدموي في موسكو، سيصل عهده إلى نهايةٍ مأساوية، عندما يصطدم بحليفه السابق الذي لا يُقهَر، ولا يرحم، تيمورلنك عام 1395، إذ نجح الأخير في عزله من عرش القبيلة الذهبية، ليضطر إلى الفرار والاحتماء بالليتوانيين.

في القرن الخامس عشر الميلادي، ترسّخَ انقلابُ الموازين. ضعفت دولة القبيلة الذهبية أكثر فأكثر، وشاعت في ثناياها الاضطرابات والانقسامات، حتى انقسمت إلى خانيات (دويلات) متفرقة في أستراخان، والقرم وسواها، بينما أخذت قوة دوقية موسكو تتعزّز، وبدأت تهيمن على المزيد من مساحتيْ الجغرافيا والسياسة في تلك المنطقة.

تاريخ

منذ 3 أسابيع
صراع بسط النفوذ.. تاريخ المعارك الدامية بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية

ورغم ما فعله المد العثماني في القرن السادس عشر من دعمٍ لموقف خانية القرم السياسي والعسكري، حتى تجرَّأت جيوشُها غيرَ مرة على مهاجمة عمق الأراضي الروسية وصولًا إلى موسكو، فإن ذلك لم يغيّرْ كثيرًا من الاتجاه العام لحركة التاريخ نحو المزيد من العنفوان الروسي، في مقابل الانزواء التتري، والانحسار العثماني.

سيُمثِّل عهد إيفان الرهيب (1530- 1584) نقلة تاريخية هائلة، والذي هيمَن بالحديد والنار والمذابح على مساحاتٍ شاسعة من الأرض، أخضع فوقَها الملايين من البشر مؤسسًا واحدةً من أهم الدول المحورية في تاريخ العالم في القرون الأربعة التالية، وهي دولة روسيا القيصرية، التي ستصل إلى ذروة عنفوانها، وانتصاراتها ضد منافسيها السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم الأتراك العثمانيون وحلفاؤهم من التتر وغيرهم، في خلال القرنيْن التالييْن لاسيَّما في عصريْ بطرس الأكبر، والملكة الشهيرة كاترينا العظيمة، التي ما يزال تمثالها يزين القصور الرئاسية الروسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد