ذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس؛ فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزقة والسحرة؛ فقالوا له: هذا غلام يولد من هؤلاء ويكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، ولهذا أمر فرعون بقتل الغلمان وترك النسوان.

كانت تلك بداية قصة موسى «كليم الله»، ومثلما وصفها الحافظ ابن كثير، فما كانت تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته، ويُقال إن والدة موسى بعدما وضعته، جاءها إلهام أن تتخذ له تابوتًا ربطته في حبل، وكانت ترضعه وإذا خشيت من أحد وضعته داخل التابوت وأرسلته في اليم وأمسكت طرف الحبل. وذات يوم أذهلها أنها لم تربط طرف الحبل، عندها ذهب التابوت مع النيل ومرَّ على دار فرعون فالتقطته بعض الجواري، ووضعنه أمام امرأة فرعون، فلما رأته أحبته حبًّا شديدًا، ودافعت عنه أمام فرعون واستوهبته ولدًا لهما، فتبنياه، فعاش في قصر فرعون يأكل طعامه، وينام على فراشه، دون أن يطلع ملك مصر على سره.

وعلى مر التاريخ كانت قصة النبي موسى، واحدة من أكثر قصص الأنبياء إثارةً للجدل؛ إذ حاول الكثيرون إيجاد رابط تاريخي يربط النص القرآني، بما جاء في التاريخ المصري القديم، وحاولوا أيضًا البحث عن شخصية «فرعون» بين ملوك مصر في الحضارة القديمة، هذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، مثلما وصفه الحافظ ابن كثير في كتابه «قصص الأنبياء»، والذي كان هلاكه على يد موسى.

ومن هنا نشأ فريقان من المفكرين، بعضهم نجح في إيجاد الرابط التاريخي الذي سعوا إليه من خلال ترجمة بردية «أيبور»، والتي زعموا أنها تروي قصة خروج اليهود من مصر المذكورة في النص القرآني والتوراتي، والبعض الآخر يدحض تلك الترجمات والتكهنات، قائلًا إن الآثاريين وكُتاب التاريخ لم يجدوا في المدونات والبرديات أي أثر لقصتيّ يوسف وموسى على كثافة الأعمال التاريخية في مصر، وعثورهم على كم هائل من تفاصيل التاريخ المصري الفرعوني؛ فكيف رأى الفريقان قصة موسى؟

بردية أيبور.. دليل محتمل على قصة موسى وخروج اليهود من مصر

أصبحت القلوب عنيفة، والأوبئة في جميع أنحاء الأرض، الدم في كل مكان والموت لا ينقص، أما كفن المومياوات؛ فيتحدث إليكَ قبل أن تقترب منه.

منذ فترة ليست بالبعيدة، بدأ العالم يتحدث عن بردية أيبور، والتي تُعرف ببردية ليدن، المحفوظة في متحف ليدن في هولندا منذ عام 1838، وتبلغ البردية من الطول 378 سم، وعرضها 18 سم، وهي مكتوبة بالخط الهيراطيقي، ويرى المؤرخون أن البردية هي عبارة عن خطاب طويل ألقاه الحكيم أيبور على ملك مصر، يروي فيها سوء الأحوال، والخراب الذي حل بالديار المصرية. يقول فيها: «النهر يضج بالدماء، لكن الرجال يشربون منه على أية حال دون أن يروي عطشهم، احترقت بوابات المدينة والأعمدة والجدران، دمرت المدن وأصبحت مصر العليا حاوية نفايات، إنه خراب الأرض».

وعن بردية أيبور يقول الباحث الإسرائيلي الكندي سميحا جاكوبوفيتشي في فيلمه التسجيلي «فك شفرة الخروج»: إنه وعلى الرغم من عدم ترتيب الأحداث زمنيًّا في البردية، إلا أن العديد من الباحثين يرجعون تاريخها إلى فترة الهكسوس، تحديدًا تاريخ الفترة الانتقالية الأولى حوالي عام 2100 ق.م، أو أواخر الفترة الوسطى عام 1700 ق.م.

في الفيلم التسجيلي يخبرنا المخرج بأن قصة خروج اليهود من مصر طالما كانت حدثًا رئيسيًّا في العقائد السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، غير أن الباحثين قد تعاملوا معها في العقود الأخيرة وكأنها قصة خيالية، إلا أن جاكوبوفيتشي قد صرف سنوات من عمره في البحث عن قصة الخروج، وذهب في رحلة إلى مصر لزيارة المعالم السياحية التي كانت شاهدة على تلك الفترة من التاريخ.

درس جاكوبوفيتشي بردية أيبور، والتي من المفترض قد كتبت في عهد ملك مصر أحمس الأول خلال الأسرة المصرية رقم 18، وقارن أحداث الخروج بتلك التي اقترنت تاريخيًّا بطرد الهكسوس من مصر، ليضعنا أمام تساؤل جديد: هل خروج اليهود من مصر في عهد موسى، هو ذاته طرد الهكسوس، ولكن من وجهة نظر مغايرة؟

يقول جاكوبوفيتشي إن الباحثين طالما ربطوا الخروج بعصر الملك المصري رمسيس الثاني، تحديدًا في عام 1270 ق.م، وهو تاريخ بعيد عن الفترة التي تناولتها بردية أيبور، ولا نستطيع أن نجد في تاريخها أي دليل على وجود موسى أو خروج اليهود من مصر، لكن ماذا لو كانوا مخطئين؟ ولذلك وضع جاكوبوفيتشي تاريخًا جديدًا للخروج هو 1500 ق.م، مُشيرًا إلى أن الظلمات والرياح، وخراب الديار، وامتلاء النهر بالدم وغيرها من الأحداث التي تناولتها البردية، تتشابه كثيرًا مع لعنات فرعون في التوراة.

يشير جاكوبوفيتشي إلى أن تغيير تاريخ الخروج إلى 1500 ق.م، يتبعه بالتأكيد ترحيل تاريخ دخول اليهود إلى الديار المصرية، والتي من المفترض أن تكون قد جرت في عهد يوسف عليه السلام، ومن ثم فقد زار مقابر بني حسن -وهي جبانة مصرية قديمة تعود إلى عام 1700 ق.م، وتقع جنوب مدينة المنيا- والتي لم يتم من قبل ربطها بالأحداث التي روتها الكتب المقدسة عن دخول اليهود إلى مصر، وهنا كانت مفاجأته، عندما شاهد لوحة فرعونية مرسومة، تُظهر هجرة آلاف من العائلات والنساء والأطفال الساميين (الآسيويين) إلى مصر، والتي طبقًا للكتب السماوية تمثل دخول يوسف وإخوته وبني إسرائيل إلى الديار المصرية.

في عهد تيماوس أصابتنا -ولست أدري لماذا- نقمة من الإله، فاندفع نحونا أقوام آسيويون من أصلٍ وضيع، جاؤوا من المناطق الشرقية، وغزوا بلادنا على حين غرة، واستولوا عليها بسهولة بالغة ودون قتال، وبسطوا عليها سيطرتهم. *المؤرخ المصري مانيتون 280 ق.م

في الحقيقة يوافق رأي الباحث عاطف عزت ما رواه جاكوبوفيتشي؛ إذ يشير في كتابه «فرعون كان من قوم موسى»، إلى أن الهكسوس هم أنفسهم اليهود؛ مؤكدًا أن الهكسوس والتي تعني «الملوك الرعاة»، كانوا قبائل خليطة من العرب وأهل الشام والكنعانيين، مُستشهدًا بما جاء في كتاب المؤرخ اليهودي في القرن الأول الميلادي فلافيوس يوسيفوس «ضد أبيون: آثار اليهود القديمة»، والذي يعتبر أقدم المصادر الأصلية لتلك الرواية؛ إذ أشار يوسيفوس إلى أن معشر اليهود هم أنفسهم الهكسوس أو الملوك الرعاة قائلًا: «الرعي كان عادة متأصلة في أرومتنا ولدى أسلافنا الغابرين الموغلين في القدم، وبسبب طابع حياتهم الرعوي (البدوي) سموا باسم الرعاة»، ومُشيرًا إلى أن المصادر المصرية القديمة قد أطلقت عليهم اسم «الأسرى»، مؤكدًا أن يوسف حين مجيئه إلى الديار المصرية، أخبر الملك المصري أنه أسير، ثم استطاع بعدها بموافقة الملك أن يرسل في طلب إخوته وذويه للقدوم إلى مصر.

موسى بن أبي غسان.. بطل غرناطة المجهول الذي فضّل الموت على الاستسلام

«سفر الخروج».. هل حدث خروج اليهود الجماعي من مصر فعلًا؟

يعتمد التاريخ اليهودي كله على حادثة خروج اليهود من مصر، تلك الحادثة التي تشكل أساسًا محوريًّا لحقيقة وجود اليهود في مصر، والتي اختلطت فيها الأزمنة، وكان هناك صعوبة جمة في تحديد تاريخها عبر أحداث التاريخ المصري القديم المدون بعناية، كما سبقها لعنات تسع صبها الإله على أهل مصر لتحرير اليهود من حالة العبودية البائسة، وشقَّ البحر إلى فلقتين ليعبر موسى وذووه البحر، وينجو من بطش فرعون، في حين يهلك فرعون ومن معه.

والحقيقة أن الديانات السماوية الثلاث قد سعت جاهدة لربط حدث الخروج الجماعي بمسارٍ تاريخي؛ فيطرح كل من الدكتور إسرائيل فنلكشتاين، رئيس قسم علم الآثار في جامعة تل أبيب، والمؤرخ الأمريكي نيل سيلبرمان في كتابهما «التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها» سؤالًا مهمًا هو: «هل تمثل هذه الأحداث تاريخًا واقعيًّا، وهل يمكن لعلم الآثار أن يساعدنا في عملية التحديد الدقيق للعصر الذي قام فيه زعيم كبير اسمه موسى بتعبئة شعبه، والسير به نحو حادثة التحرر العظيمة تلك؟».

خروج اليهود الجماعي

تناول الباحثان قصة طرد الهسكوس من مصر، وقارنوها بحادثة الخروج الجماعي التوراتية، إلا أن هناك حوالي 200 عام تفصل بين حادثة طرد الهكسوس، وبين بناء مدينة رع مسيس، والتي بنيت في عهد رمسيس الثاني الذي امتدت فترة حكمه من 1279- 1213 ق.م، وقد استخدم رمسيس الثاني الساميين -أهل كنعان- في بناء تلك المدينة الواقعة في الدلتا، وقد ذُكرت هذه المدينة في النصوص التوراتية، كما أن ذكر كلمة إسرائيل للمرة الأولى في المصادر التاريخية المصرية، وبعيدًا عن المصادر الدينية، قد جاء في عهد منفتاح بن رعمسيس الثاني، وذلك في مسلة نقشت عليها تفاصيل حملة هذا الملك في أرض كنعان نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وانتصاره عليهم.

إذ يسجل النقش تفاصيل حملة تدميرية على أرض كنعان، مُشيرًا إلى تحطيم شعب يسمى إسرائيل تحطيمًا تامًا، وهو ما جعل العلماء يؤكدون أن حادثة خروج اليهود الجماعي من مصر تاريخيًّا، لا بد وأن تكون قد حدثت في أواخر القرن الثالث عشر ق.م، خاصةً مع عدم وجود أي ذكر لكلمة إسرائيل في المصادر التاريخية التي تناولت فترة وجود الهكسوس بالديار المصرية.

إسرائيل غائبة تمامًا عن المصادر المصرية القديمة، سواء كانت خصمًا محتملًا لمصر، أو صديقًا، أو أمة مُستعبدة.

يشير الباحثان إلى أنه وبعد حادثة طرد الهكسوس من مصر عام 1570 ق.م، أصبحت الدولة المصرية حذرة في ما يخص حدودها، وذلك بمنع تغلغل الغرباء عبر أراضيهم، فشدد المصريون رقابتهم على الحدود الشرقية خاصةً، وذلك لمنع تدفق المهاجرين من كنعان إلى الدلتا، وأصبح هناك سجلات للحدود المصرية، تسجل القادمين والخارجين من البلاد، وبذلك إذا مرت جماعة عظيمة من الإسرائيليين الفارين من خلال تحصينات الحدود المصرية حينذاك، لتم تسجيل هذا الحدث وتوثيقه.

وبالنظر إلى التاريخ المنطقي للخروج الجماعي أواخر القرن الثالث عشر ق.م، لا نجد أية إشارة إلى الإسرائيليين في المصادر، ولا حتى كلمة واحدة، ما يشير إلى الغياب التام لإسرائيل داخل المصادر، ومُشيرًا إلى أن هروب مجموعة عبيد من قبضة رمسيس الثاني كان أمرًا مستبعدًا نتيجة لقوة بطش هذا الملك المصري ونفوذه؛ إذ كانت مصر خلال عهده في أوج قوتها، كما أن أغلب الأماكن الرئيسية التي ذكرت في قصة التيه التوراتية للإسرائيليين بعد خروجهم من مصر لم تكن مأهولة بالسكان إلا في القرن السابع ق.م، أي قبل فترة قصيرة من كتابة التوراة.

في النهاية يشير الباحثان إلى استنتاج وحيد، وهو أن الخروج الجماعي لبني إسرائيل من مصر لم يحدث بكل بساطة، سواء في عهد رمسيس الثانيظ، أو أي عهدٍ آخر، مؤكدًا أن القصة استلهمت أحداثها من قصص طرد الهكسوس من مصر، وذلك بعدما سيطروا عليها واحتلوها فترات طويلة.

«ذي أتلانتك»: ماذا يعني إعلان البابا عن فتح الأرشيف السري للفاتيكان؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد