أخيرًا استعاد معبد قرطبة الكبير جزءًا من هويته الإسلامية، جنبًا إلى جنب مع المسيحية. فبعد سنوات من المطالبات والمناشدات للسلطات الإسبانية، بعدم طمس الإرث الإسلامي للمبنى، وافقت على إعادة تسميته بـ«مجمع المسجد والكاتدرائية والنصب» بدل اعتباره «كاتدرائية قرطبة» كما كان في السابق.

وقرطبة الكبير، أو كما يسمى بالإسبانية «ميزكيتا»، ليس مجرد مبنى ديني كباقي المباني، بل إنه إرث يختزل الصيرورة التاريخية لعلاقة المسلمين بالمسيحيين في إسبانيا.

مسجد قرطبة كتراث أندلسي

يعود تاريخ بناء مسجد قرطبة الكبير إلى العهد الأندلسي، حيث تواصل تشييده على مدار قرنين ونصف، بدأه عبد الرحمن الأول، أمير قرطبة عام 784، واستكمله عبد الرحمن الثالث، الذي قام بتوسعته وتزيينه، وأضاف له مئذنة خلال عام 961، وذلك بعد أن اشترى من المسيحيين القسم الخاص بهم. اعتبر المسجد حينها أحد أضخم وأفخم مساجد قرطبة البالغ عددها ألفًا.

ومع سقوط الحكم الأندلسي عام 1236 على يد ملك قشتالة المسيحي فرديناند الثالث، تحول مسجد قرطبة إلى كاتدرائية مريم العذراء، على غرار ما حصل مع مئات المساجد الأخرى في الأندلس، التي استبدلت بكنائس، بعد أن هُدمت. بيْد أن مسجد قرطبة، ظلّ على حاله ولم يهدم، إذ شفع له رونقه المعماري الأخاذ، وبدل إسقاطه، بنيت وسطه كاتدرائية خلال تلك الفترة.

يقول المؤرخ الأمريكي، جوزيف ماكيب، في معرض حديثه عن جامع قرطبة: «إنها آية لا نظير لها من الهندسة في تلك الفترة. فيه 360 سارية من المرمر والرخام و1012 سارية. وفي الأعياد الكبيرة توقد 280 ثريّا من الفضة والنحاس، يحترق فيها الزيت العطر، وتتلألأ فيها آلاف كثيرة من المصابيح، فتلقي أنوارها على ذلك المشهد. أكبر ثريا منها كان محيطها 38 قدمًا يحمل 1454 مصباحًا». يضيف أيضًا، أنه كانت هناك مرآة تعكس نور المصابيح فتزيد مساحته تسعة أضعاف، قبل أن يتعرض للنهب خلال فترات تاريخية عديدة.

مرّ مسجد قرطبة بالعديد من الإصلاحات والتعديلات طوال التاريخ، كان آخرها في العقد الأخير، حيث أُدخلت عليه لمسات عصرية، وزُوّد بتكنولوجيا الإضاءة، إلا أنه لا يزال يحتفظ بسحنة الطراز الأندلسي الأصلية، التي تظهر جلية في الأقواس المنصوبة، والفسيفساء المذهبة، وشبابيك الرخام المتراصة، ومئذنته المطلة على السماء.

ويعد مسجد قرطبة حاليًا، واحدًا من أبرز المعالم السياحية في إسبانيا، التي تحيل إلى الفن المعماري الفريد خلال الحقبة الأندلسية، يتوافد عليه العديد من المسلمين وغيرهم للزيارة. وهم يسترجعون ذكرى تلك الحقبة بكثير من الحنين.

نزاع حول معبد قرطبة

كان الخلاف دائمًا حول ملكية معلَمغ «ميزكيتا» أو معبد قرطبة، بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا، نظرًا لكونها تضم مسجدًا وكاتدرائية معًا، كإرث تاريخي من حقبة القرن 13 ميلادي. لكن في شهر فبراير (شباط) سنة 2014، حولت الكنيسة الكاثوليكية المبنى الديني إلى ملكيتها الخاصة، بعد أن استغلت أسقفية قرطبة وجود قانون يسمح بتسجيل ملكية المعابد بأثمان رمزية، فسجلت المبنى لصالحها بـ36 دولارًا.

مسلمو قرطبة اعتبروها خطوة مستفزة، حيث بموجب القرار، أُقصيت الهوية الإسلامية للمبنى الديني، ومنعت الصلاة فيه لغير المسيحيين، وحذفت كلمة مسجد من على لافتة مدخله، وفي المنشورات التي تقدم للوافدين السياح، بعدما كان يسمى مسجد كاتدرائية قرطبة. وهو ما أثار غضب السلطات السياسية الإسبانية، فحينها صرح وزير السياحة في حكومة الإقليم، رفائيل رودريجز، لصحيفة إلباييس، بأن «محاولة إخفاء حقيقة المسجد أمر غير معقول، وهو أشبه بمحاولة تسمية قصر الحمراء قصر تشارلز الخامس». رفعت الحكومة الإسبانية دعوى قضائية لعدم دستورية إشراف الكنيسة على المعبد الديني المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

استثارت الخطوة أيضًا العديد من الجمعيات الناشطة، الإسلامية منها والعلمانية، حيث تقدم بعضها بطلبات للبرلمان الإسباني والبرلمان الأوروبي، لمنع انتقال ملكية معبد قرطبة إلى الأسقف الكاثوليكية، ولا سيما أن منظمة اليونسكو تسجل المعلَم كإرث حضاري مشترك للإنسانية.

وقد تراجعت الجمعية الكنسية أخيرًا عن سياستها التي وُصفت بالإقصائية، تجاه التراث الأندلسي الإسلامي، وذكرت بأنه بعد دراسة وتمحيص، وفي مصلحة السياحة، تقرر تسميته من الآن فصاعدا «بمجمع المسجد والكاتدرائية والنصب».

«مسجد كاتدرائية قرطبة» كرمز للتعايش

يعيش حاليًا في إسبانيا ما يقارب مليوني مسلم، معظمهم من مهاجري البلدان المغاربية. ويمثل التراث الأندلسي ذكرى فخر بالنسبة لهم، إذ تعتبر إسبانيا أقرب البلدان الأوروبية إليهم ثقافيًا، ولطالما كان هناك نوع من الانسجام بينهم والمسيحيين، بخاصة وأن هناك العديد من الجمعيات المسيحية والعلمانية الناشطة في مجال الحفاظ على التراث الأندلسي، كجزء من الهوية الإسبانية الحاضرة.

يسمح النظام العلماني في إسبانيا، بمساواة الحقوق بين جميع مواطنيها، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وأصولهم المهاجرة، أو هكذا يُفترض. وتلتزم الدولة الإسبانية باعتبار التراث الأندلسي جزءًا من الهوية الإسبانية، وفق البند 13 من اتفاقية التعاون في 1993 بين حكومة إسبانيا واللجنة الإسلامية، التي تقضي بالحفاظ وتعزيز ونشر التراث الأندلسي.

إلا أن هذا التعايش بين الأديان عرف هشاشة في العقد الأخير، على مستوى الصورة الذهنية للمجتمع الإسباني، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وتفجيرات مدريد في 2004، التي نفذها إسلاميون متشددون، إذ أصبح %65 من الإسبان، يرون «أن الإسلام غير متوافق مع العالم الغربي»، حسب استطلاع رأي لمؤسسة برلتسمان  في 2013.

تحتفظ إسبانيا، وبالتحديد قرطبة، بتراث تعايش خلال فترة الأندلس، إذ كان يعيش المسلمون والمسيحيون واليهود سويًا، ما يجعلها، كما جاء على لسان إيريك كالدورد، ذات أهلية حضارية، لتكون ملتقى لمصالحة الأديان، في ظل التوترات الدينية السياسية القائمة في عصرنا اليوم.

كما يمكن أن تكون إسبانيا جسرًا مناسبًا لاندماج سلس للمهاجرين المسلمين في أوروبا. يقول في هذا الصدد البريطاني الباكستاني الأصل، طارق محمود: «كنت أواجه أزمة هوية، لأنني كنت أشعر أنني غير متقبل في المجتمع البريطاني، ولكن زيارتي للمواقع التراثية الإسلامية في إسبانيا، زودتني بحلقة الوصل المفقودة بين هويتي الآسيوية المسلمة وهويتي الغربية»، ناصحًا المسلمين الأوروبيين الشباب بالسفر إلى إسبانيا لإدراك أنه لا يوجد تناقض ما بين هويتهم المسلمة وهويتهم الأوروبية.

في هذا السياق، يرغب العديد من الناشطين في أن يبقى «مسجد كاتدرائية قرطبة»، مُجسدًا لتعددية الأديان وتعايشها، بالإضافة إلى كونه معلمًا سياحيًّا إنسانيًّا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد