على مساحة شاسعة بلغت 8 آلاف متر مربع، وبمدخل شاهق الارتفاع يُقدر بحوالي 38 مترًا، يقف في مواجهة قلعة الجبل، مسجد ومدرسة السلطان حسن، أحد أروع وأضخم المباني التي خلَّفها العصر المملوكي، والذي بناه السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، فصارت هرم العمارة الإسلامية، وراح المؤرخون يكتبون عن روعة البناء الضخم، فقال ابن إياس: «من أراد أن يعرف علو قدر السلطان حسن فلينظر إلى همته في بناء هذه المدرسة التي لم يُبن على وجه الأرض مثلها أبدًا».

فكيف كانت همة السلطان الذي بنى أضخم المباني في العصر المملوكي؟ وهل كان عهده حقًّا أزهى أيام المماليك في مصر كما قد يشي البناء؟

معمار لا مثيل له

اختار السلطان موقع غرب قلعة الجبل، لبناء المدرسة العظيمة، الذي استغرق ثماني سنوات، وتكلفت 20 ألف درهم يوميًّا، ويذكر المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر القصص والآثار» أن السلطان استكثر الأموال التي صُرفت في بناء المدرسة فقال: «لولا أن يُقال إن ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صُرف عليه».

ينتهي ارتفاع المدخل المزين برخام ملون وكتابات مذهبة، بزخارف المقرنصات، وتنتظم في الحائط الشاهق الارتفاع، نوافذ مستطيلة تخفف حدة ضخامته، ويستشعر الداخل إليه طاقة روحية لا تفسير لها سوى ذلك المزيج من عبق الإيمان وعبق التاريخ، وكثير من التفاصيل الجمالية التي يمكن تأملها في أنحاء المكان.

وتتكون المدرسة من صحن مكشوف تتوسطه فسقية للوضوء، تحيط به أربعة إيوانات ضخمة، خصصت كل منها لمذهب من المذاهب الأربعة، وخلف كل إيوان حجرات للدراسة ومبنى من ستة أدوار، خصص لسكن الطلاب.

وأُلحق بالمدرسة ضريح زينته قبة رائعة، ووضع به كرسي مصحف لتتواصل تلاوة القرآن طوال اليوم في الضريح، الذي خصصه السلطان حسن لمدفنه، لكن القدر شاء ألا يستقر جسده فيه؛ إذ لم يُعثر على جثته وظل موته لغزًا، ودُفن في الضريح ابن السلطان، وأُلحق بالمدرسة سبيل كُتَّاب، تهدم قبل أيام من موت السلطان الغامض.

يقول المقريزي عن المبنى «لا يُعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكي هذا الجامع، قامت العمارة فيه ثلاث سنوات لا تبطل يومًا واحدًا. في هذا الجامع عجائب من البنيان، منها أن طول إيوان كسرى 65 ذراعًا ويُقال إنه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن في العراق بخمسة أذرع، ومنها القبة العظيمة التي لم يُبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها».

أطفال في حكم مصر.. السلطان حسن يعتلي العرش

والسلطان حسن، ولِد عام 735هـ واعتلى عرش مصر على فترتين؛ كانت الأولى عقب مقتل أخيه المظفر حاجي بن الناصر بن محمد. إذ انقسم الأمراء المماليك حول من يخلف المظفر، فرشح المماليك الجراكسة الأمير حسين بن الناصر، ورشح الأتراك أخاه حسن، ثم فاز الأتراك، ليكون الناصر حسن بن محمد بن قلاوون هو سلطان مصر عام 748 هجريًّا وهو ابن 13 عامًا.

مدخل المسجد

يقول الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه: «في تاريخ الأيوبيين والمماليك»، إن سلالة السلطان قلاوون لم تحكم حكمًا وراثيًّا في الحقيقة، فقد كان الحكم في يد كبار المماليك الذين حكمتهم توازنات سياسية، وكان هؤلاء الأطفال من أبناء الناصر محمد بن قلاوون ستارًا لحكمهم، وهذا ما حدث مع السلطان الناصر حسن، الذي لم يكمل في السلطنة أربع سنوات لم تكن له فيها السلطة الفعلية لصغر سنه، كما أنه وفي السنة الثانية من حكمه، وبينما كان الأمير منجك وأخوه بيبرس هما من يدبران أمور الحكم، ضرب وباء كبير بلاد مصر والشام.

عصر «الفناء الكبير».. الموت الأسود يجتاح العالم

اجتاح هذا الوباء الغامض، الذي كان أحد أنواع الطاعون، العالم، في القرن الثامن الهجري – الرابع عشر ميلاديًّا –  وانتشر بطول الطرق التجارية البرية من شرق آسيا إلى المنطقة العربية ثم إلى أوروبا، وقد كتب المؤرخون عن أهواله، وقد عرفه المؤرخون المسلمون باسم «الفناء الكبير»؛ وكتب عنه المؤرخون الأوروبيون باسم «الموت الأسود».

وتسرب الوباء إلى مصر والشام في عام 748هـ واشتدت وطأته في الشهور التالية؛ لتتوقف كل مظاهر الحياة. وبلغ عدد الضحايا يوميًّا ما بين 10 آلاف في تقدير بعض المؤرخين و20 ألفًا في تقدير آخرين، وصار الناس يتساقطون في الشوارع، يبصق المصاب بالمرض دمًا ثم يصرخ ويموت في الحال. وصار للمنازل عدة مُلَّاك في اليوم الواحد؛ إذ تنتقل بين الورثة الذين لا يمهلهم العمر فتنتقل إلى غيرهم قبل أن يمر اليوم، كما أن أعدادًا هائلة من الفنادق والعقارات والخانات لم تعد ملكًا لأحد؛ فقد مات كل ورثتها، وكان يمكن أن توجد في حارة واحدة 20 دارًا لم يعد لها أصحاب.

القلعة من إحدى نوافذ مدرسة السلطان حسن

في هذه الجائحة، صارت الدكك وتوابيت دفن الموتى تُصنع دون أجرة، وانشغل الناس بدفن الموتى والصلاة عليهم فخلت الأسواق، وتُركت الأراضي دون أن تجد من يحصدها أو يزرعها. فأعقب الوباء سلسلة مجاعات وبارت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية لم تجد من يزرعها؛ بسبب انخفاض أعداد السكان، وفقدت مصر حوالي ثلثي سكانها، وهبطت أسعار الذهب والفضة، ثم بدأت حدة الوباء في التراجع عام 750هـ، وانتهى بنهاية العام نفسه، لكنه خلف آثارًا اقتصادية واجتماعية وسياسية جمة، لم تفق منها مصر حتى نهاية عصر المماليك.

السلطان صار أهلًا للحكم.. ولكن

مر ذلك كله قبل قدوم عام 751هـ، الذي أعلن القضاة فيه أن السلطان قد بلغ سن الرشد وأصبح أهلًا لممارسة شؤون الحكم دون وصاية. قبض السلطان على الأميرين وصادر أملاكهما، فخشي الأمراء الآخرون من ازدياد نفوذه فسارعوا للتخلص منه وخلعه عن العرش عام 752هـ، وبايعوا أخاه صلاح الدين بن محمد بن قلاوون، ولم يكن قد تجاوز الأربعة عشر عامًا.

وفي ظروف مماثلة من اختلاف الأمراء ومحاولة الملك لاتخاذ موقف حيالهم؛ عزل الأمراء الملك الصالح وسجنوه في القلعة، وأعادوا الناصر حسن إلى الحكم عام 755هـ، وكان قد أصبح أقوى عودًا وأكثر حنكة، وخلال ما يقرب من سبع سنوات، عمل السلطان على إصلاح الخلاف بين الأمراء وامتلاك زمام الحكم، فتمكن من التغلب على أحد الأمراء الأقوياء الذين نازعوه الحكم.

صحن المسجد

لم يكن بناء المدرسة والمسجد قد اكتمل حين نزل السلطان من القلعة ليصلي بها الجمعة في احتفال عظيم، اجتمع فيه القضاء والأمراء، ومُلئت الفسقية في صحن المدرسة بالماء والسكر والليمون، ووُزعت في طاسات على الحاضرين ووزع على المهندسين والعمال والبنائين والمعلمين أموال كثيرة.

وكان السلطان قد عزم على بناء أربع مآذن، وحين تم منها ثلاثة، سقطت المنارة التي على الباب  عام  762،  على حوالي 300 طفل أغلبهم من الأيتام الذين كانوا قد التحقوا بالسبيل، وعدد من المارة بالسوق والطريق، فأمر السلطان بالتوقف عن بنائها وعن بناء نظيرتها، وبقيت اثنتان فقط، وتشاءمت العامة في مصر من سقوط المئذنة واعتبرته نذيرًا بزوال حكم السلطان، وبالفعل لم يُكمل الناصر حسن 33 يومًا من هذه الحادثة، حتى كانت نهايته الغامضة.

لم يَصْفُ الجو كثيرًا للناصر حسن، فتغلب عليه أمير قوي آخر اشتد الخلاف معه، هو مملوكه يلبغا العمري، وانتهى الأمر بمقتل السلطان عام 762هـ على يد مملوكه في ظروف غامضة، واختلفت الروايات حول مصيره بين من قال إنه دفن في مصطبة بالقلعة، ومن قال إنه خُنق وأُلقي بجثته في البحر، ودُفن في الضريح الذي خصصه لنفسه ابنه الأمير عماد الدين إسماعيل بعد عقود.

قلعة بمواجهة القلعة

استكمل الطواشي بشير الجمدار، بناء المسجد، بعد مقتل السلطان حسن، فاستكمل أعمال الرخام والقبة الخشبية التي ظللت الفسقية، والمصراعين الكبيرين للباب الرئيسي، وكُتب عليه «أمر بإنشاء هذا الباب المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى مولانا الشهيد أبو المعالي حسن بن مولانا السلطان الشهيد الناصر محمد بن قلاوون، وذلك في سنة أربع وستين وسبعمائة».

تاريخ

منذ 8 شهور
المقاومة بالأهازيج والشعر.. هكذا سخر العامة من حكامهم المماليك

يقول المقريزي إن الجامع صار ضدًّا لقلعة الجبل يلجأ إليه الأمراء أحيانًا حين تقوم فتنة بين أهل الحكم، فيعتلون مناراته ويوجهون ضرباتهم إلى القلعة، وهو ما دفع الملك الظاهر برقوق لأن يأمر بهدم الدرج المؤدي لأعلى المئذنة، وهدم البسطة العظيمة والدرج الذي كان بجانبها أمام باب الجامع؛ حتى لا يمكن الصعود إليه، وسد الباب النحاسي وفتح بدلًا منه أحد شبابيك المدارس للدخول إلى الجامع، وظل الأذان يُرفع من على درج الباب، لا من أعلى المئذنة لسنوات طويلة.

في السنوات التالية استولى المؤيد شيخ  على الباب النحاسي للمدرسة؛ ليضعها في المسجد الذي شيده قرب باب زويلة، لكن مسجد السلطان حسن بقي هرم العمارة الإسلامية في مصر،  وأعظم التحف المعمارية التي خلَّفها العصر المملوكي، حتى إن السلطان سليم الأول قال عنه حين رآه «هذا حصار عظيم» مشيرًا إلى شدة تحصينه التى تضاهي القلاع والحصون.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد