أينما وجهت وجهك في بلد إسلامي فثم أحد المساجد، وهي متعددة الأشكال والأحجام والزخارف أيضا، وتتغير مواصفات المسجد بحسب ثقافة المكان، والزمان الذي بني فيه.

من أمثلة هذا التنوع، ما تمتلئ به بلاد المغرب من المساجد الأثرية، التي هي مقصد الزوار حتى اليوم. والمساجد المغربية ذات طابع معماري مميز، متأثر  في جزء كبير منه بالطراز الأندلسي، وتتميز  المآذن المغربية بأنها مبنية على صوامع، تكون بداخلها غرف أحيانا.  هذا التقرير بمثابة جولة في خمسة مساجد من الموجودة حاليا في المغرب.

1- جامع الكتبية والطراز الأندلسي

بني هذا المسجد عام 1147ميلاديا على يد الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي، ويوجد في مراكش، وسمي بهذا الاسم لأنه كان واقعا بالقرب من سوق لبيع الكتب. تضم قاعة الصلاة سبعة عشر رواقا موجها بشكل عمودي ناحية القبلة، محمولة على أعمدة وأقواس متناسقة وتيجان فريدة تشبه تلك التي في جامع القرويين في فاس. ويلتقي رواق القبلة ذو القباب الخمس بالرواق المحوري، حيث يشكل تصميمًا مميزًا تظهر فيه خصائص العمارة التي كانت موجودة إبان حكم الموحدين للمغرب الإسلامي.

منبر الجامع أيضا يعد من روائع الفن الإسلامي، حيث إنه مزود بنظام آلي للحركة، ولا يزال المسجد محتفظا به حتى الآن. وصنع هذا المنبر في قرطبة مع بداية القرن الثاني عشر، بعد أن طلب صنعه أمير المرابطين، علي بن يوسف بن تاشفين. ومما يميز الجامع الصومعة الموجودة في الجزء الجنوبي، وهي مربعةالشكل أيضا، وتتكون من ست غرف فوق بعضها، ويزين الصومعة من أعلى زخارف ذات لون فيروزي، حيث صارت رمزا لمدينة مراكش.

زخرفة الصومعة مستلهمة من صومعة عبدالرحمن الثالث في جامع قرطبة الكبير. وبالإضافة إلى الزخرفة الخارجية فإن القباب أيضا مزخرفة وذات أشكال مختلفة رغم كونها داخل صومعة، فالقبة الأولى مخروطية، والثانية ذات قاعدة مثمنة، والخامسة ذات شكل هرمي، وهي في تنوعها تشبه قباب جامع باب المردوم بطليطلة، الذي يشهد على الفن المعماري الأندلسي والمغربي.

 

2- مسجد مولاي اليزيد «القصبة»

داخل الحي الشعبي بمدينة مراكش يوجد مسجد القصبة، وهو قريب من الإقامة الملكية الموجودة حاليا في حي سيدي ميمون. تم بناء المسجد في  عهد دولة الموحديين، ضمن معالم حضارية عديدة بنيت في هذا الوقت، بعد عودة المنصور  من غزوة الأرك في الأندلس عام 594 هجريا.

تصميم المسجد يعتبر غريبا بعض الشيء بالنسبة للبعض، حيث أن صحنه أوسع من بيت الصلاة، كما توجد أربعة صحون أخرى تحيط بالصحن الأصلي، تتوسطها سقف دائرية الشكل. ولا تشبه مئذنة المسجد بقية المآذن المغربية التي بنيت هذا الوقت من حيث ضخامتها، إلا أنها مربعة الشكل أيضا، وفي أعلى المأذنة هناك بيت للمؤذن.

وهناك أربعة أبواب للمسجد حاليا، في حين يذكر المؤرخون أن الجامع كان له سبعة أبواب، بالإضافة إلى باب خاص بالسلطان. وتضم قاعة الصلاة بالمسجد أحد عشر بلاطا، وتعلو القاعة ثلاث قباب، أحدها أمام المحراب، والأُخرَيين على يمين ويسار القاعة. محراب الجامع عريض وواسع إلى حد كبير،  ويقوم على أربعة أعمدة من أحجار كريمة، أما المنبر فهو ذو تصميم بسيط وعليه زخارف زهرية، لكنه أقل ضخامة من منبر الكتبية.

3- صومعة حسان .. المسجد الذي لم يكتمل

بعد تأسيس مراكش بنحو مائة عام، تأسست مدينة الرباط، على يد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، الذي جعلها عاصمة للحكم، وهو الذي أمر ببناء جامع حسان، على مرتفع مطل على نهر أبي رقراق، وبالقرب من المحيط الأطلسي. لكن هذا المسجد لم يكتمل، بسبب الانشغال بالمشاكل الموجودة في الأندلس.

كان المسجد وقتئذ أكبر المساجد في أفريقيا، حيث كانت مساحته 26 ألفا و100 متر مربع، ويبلغ ارتفاع صومعته حوالي 44 مترا، وهي مزينة بزخارف ونقوش على أحجارها الخارجية، بالطراز الأندلسي الذي ساد في ذلك الوقت. وقد بنى يعقوب المنصور صومعتين أُخريين على نفس خط الطول من الكرة الأرضية، وهما صومعة مسجد الكتبية بمراكش، وصومعة “الخيرالدا” الموجودة في إشبيلية بالأندلس.

وبعد أن ضرب زلزال لشبونة المكان في عام 1755، خربت أجزاء من المسجد، وبقي كذلك حتى عام 1961، عندما بنى الملك الحسن الثاني ضريح والده الملك محمد الخامس في نفس المكان، حيث كان هذا المسجد الذي صلى فيه محمد الخامس عام 1955 بعد عودته من جزيرة مدغشقر – المنفى الذي أرسله إليه الاستعمار الفرنسي – ومن ذات المسجد شُيع الملك الذي توفي بعد 6 سنوات من عودته من المنفى.

4- القرويين .. أقدم جامعة في العالم

لم تكن المساجد المبنية في عصر الدولتين الموحدية والمرابطية أول المساجد في المغرب، ففي مدينة فاس، يوجد جامع القرويين، وجامعته المصنفة أقدم جامعة في العالم وفق موسوعة جينس للأرقام القياسية حيث أنشات عام 859 ميلاديا. فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري المعروفة باسم أم البنين هي من أسس المسجد، حيث تبرعت بكل ما تملك من أجل بنائه، بعد أن جاءت من مدينة القيروان الواقعة في تونس حاليا، وهو سبب تسمية المسجد بـ “القرويين”.

كان حكام المدينة وأهلها يداومون على توسعة المسجد والعناية به، فقام الزنتانيون بإضافة 3 آلاف متر مربع للمسجد، وقامو ببناء صومعة المسجد التي تعد الأقدم في بلاد المغرب، وهي مربعة الشكل وواسعة المساحة، وتم بناؤها على الطراز المعماري الأندلسي. أما المرابطون فقد أضافو الأقواس والقباب ونقوش الآيات القرآنية، وتركو المنبر الموجود بالمسجد حتى اليوم. ثم جاء الموحدون الذين وضعو الثريا الكبرى في صحن المسجد.

للجامع سبعة عشر بابا، أشهرهم الباب الرئيسي المسمى “باب الشماعين”، ثم “باب الحفاة”، و”باب الورد”. ويلحق بالجامع جامعة لتدريس العلوم المختلفة، حيث كان الطلاب يجلسون على شكل حلقات ليتلقوا الدروس المتخصصة. ومن أبرز العلماء الذين ارتبطت أسماؤهم بالجامع هم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وابن آجروم عالم النحو الشهير، ولسان الدين الخطيب، وابن البنّاء أشهر علماء الحساب في ذلك الوقت.

5- مسجد الحسن الثاني.. أكبر مسجد في أفريقيا

الملك الحسن الثاني الذي بنى ضريح والده بالقرب من مسجد حسان، قرر أن يبني مسجدًا جديدًا بالقرب من الدار البيضاء وعلى ساحل المحيط الأطلسي، أيضا، وكما كان مسجد حسان أكبر مسجد في أفريقيا عندما بُني، فإن “مسجد الحسن الثاني” بني كأكبر مسجد في أفريقيا. بدأ بناء المسجد في عام 1986 وحتى 1993، وهو مليء بالزخارف والهندسة المعمارية، تم تزيينه بزخارف على خشب الأرز والفسيفساء المغربي، وهو مقصد للكثير من السياح الذين يأتون لزيارة المغرب.

قاعة المسجد تتسع لنحو 25 ألف مصلٍّ، بالإضافة إلى بلاطه الذي يتسع لـ 100 ألف، بالإضافة إلى قاعة للنساء. وتتميز صومعة المسجد بارتفاعها الكبير وسعتها أيضا، حيثت ترتفع أكثر من 200 متر، ومساحتها 625 متر، وهي أعلى صومعة في العالم. ويستمد المسجد مظهره من جامع القرويين بفاس، بالإضافة إلى أن صومعته تشبه إلى حد كبير صومعتي الكتبية وجامع حسان.

يضم قاعة للصلاة تتسع لحوالي 25 ألف مصلٍّ وبلاطا يستقطب خلال شهر رمضان حوالي 100 ألف مصلٍّ. ويحتوي المسجد على قاعة كبرى للصلاة للنساء وأماكن الوضوء للنساء والرجال، وحمامات ومرآب كبير للسيارات.

المسجد مجهز إلكترونيا بشكل جيد، حيث أن السقف يفتح ويغلق إلكترونيا، بالإضافة إلى أشعة الليزر التي تنطلق من أعلى المئذنة باتجاه القبلة، واصلة إلى 30 كيلو مترًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد