في السابع من مايو (آيار) الماضي وقّع الفريق محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي، بصفته ممثلاً عن المجلس العسكري السوداني، اتفاقًا بقيمة 6 مليون دولار مع شركة «ديكنز آند ماديسون» الكندية، التي يترأسها ضابط المخابرات الإسرائيلية السابق، آري بن ميناشي، لتعمل بمقتضاه الشركة على تحسين صورة المجلس العسكري لدى المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للحصول على اعتراف دبلوماسي بشرعيته، ولكسب تأييد حكومات العالم وبالأخص الولايات المتحدة وروسيا والسعودية.

كما نص الاتفاق على أن «تبذل الشركة قصارى جهدها لضمان تغطية إعلامية دولية ومحلية مواتية لرؤية المجلس العسكري، وأن توّفر الشركة للمجلس في مرحلة لاحقة تدريبات ومعدات عسكرية ومصادر تمويل، وأن ترتّب لقاءً بين حميدتي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب».

إضافة إلى ذلك فإن الاتفاق اقترح تعاونًا عسكريًا بين المجلس العسكري السوداني والمشير خليفة حفتر، بحيث يحصل الجنرال الليبي على جنود سودانيين مقابل دعمه للمجلس بالأموال، وهو اقتراح لم يأت من الفراغ إذ أن حفتر نفسه قد سبق المجلس العسكري السوداني إلى التعاقد مع الشركة ذاتها بقيمة 6 مليون دولار أيضًا، للضغط على المجتمع الدولي لتغيير سياساته تجاه ليبيا بما يخدم أهدافه وبرلمان طبرق.

جاء الكشف عن تلك الاتفاقيات من خلال وثائق وزارة العدل الأمريكية، إذ يلزم القانون الأمريكي الشركات التي تعمل في تعبئة الرأي العام والضغط على الحكومة الأمريكية نيابة عن دول أو جهات أجنبية، بالكشف عن علاقتها مع العملاء.

Embed from Getty Images

الفريق محمد حمدان حميدتي

الشركة الكندية التي يترأسها ضابط المخابرات الإسرائيلية السابق، آري بن ميناشي، كانت لها محاولات سابقة للعمل في كلتا الدولتين، إذ تكشف وثائق سابقة لوزارة العدل الأمريكية أن بن ميناشي وقع عقدًا في مطلع 2014، مع إبراهيم الجضران، زعيم الحركة الانفصالية في إقليم برقة الليبي، للحصول على اعتراف دولي بحق برقة في الحكم الذاتي، حتى يتسنى لحكومتها تصدير النفط إلى الخارج.

ومن جهة أخرى كشف بن ميناشي إنه التقى في فبراير (شباط) الماضي بالرئيس السوداني المعزول عمر البشير، وعرض عليه خروجًا آمنًا من السلطة وتشكيل حكومة انتقالية، مقابل عدم ملاحقته قضائيًا في السودان أو خارجه وإسقاط دعاوى محكمة الجنايات الدولية ضده، ويؤكد بن ميناشي أنه قد حصل على تأييد الإدارة الأمريكية لهذا العرض.

تصف تقارير إعلامية غربية آري بن ميناشي بأنه قائد جماعات الضغط المفضل لدى أمراء الحرب، ويمكن القول إن ذلك ينطبق على الأقل في حالة أمراء الحرب في ليبيا والسودان، إذ يعلّق الجنرالات فيما يبدو أملاً كبيرًا على ضابط المخابرات الإسرائيلية السابق لتلميع صورة علقت بها دماء عشرات القتلى ومئات المعتقلين وضحايا الاغتصاب الوحشي، وهي الجرائم التي تشير أصابع الاتهام فيها بشكل رئيسي إلى قوات الدعم السريع (الجنجويد) التي يقودها حميدتي، والمتهمة  منذ 14 عامًا مضت بارتكاب مذابح إبادة جماعية في دارفور راح ضحيتها ربع مليون قتيل تقريبًا.

لكن بن ميناشي لم يحصل على ثقة أمراء الحرب لأنه ضابط مخابرات سابق فقط أو لأنه إسرائيلي أو لأنه أحد أقوى قادة جماعات الضغط، وإنما لأنه كل ذلك معًا وأكثر.

الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

آري بن ميناشي.. ذراع المخابرات الإسرائيلية

ينحدر آري بن ميناشي من عائلة يهودية عراقية، لكنه ولد في طهران أواخر عام 1951، كان والده شيوعيًا تحول إلى رجل أعمال وسافر إلى إسرائيل حيث التحق آري بجهاز مخابراتها العسكري عام 1977، قبل أن يُفصل منه عام 1987 بعدما سرّب معلومات حول ما يعرف بفضيحة إيران-كونترا التي لعب فيها دورًا وسيطًا.

ووفقًا لمذكراته التي حملت عنوان «أرباح الحرب: من داخل شبكات السلاح السرية لإسرائيل وأمريكا»، فقد شهد بن ميناشي عام 1980 اجتماعًا سريًا في باريس حضره قادة بالحزب الجمهوري الأمريكي منهم جورج بوش الأب، وقادة بالحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى ضباط بالمخابرات الإسرائيلية، للاتفاق ضد خصم مشترك، وهو الرئيس الأمريكي الذي كان يختتم ولايته الأولى والوحيدة، جيمي كارتر.

 

Embed from Getty Images

رونالد ريجان وجورج بوش

في تلك الفترة كان الإيرانيون يحتجزون 52 رهينة في السفارة الأمريكية بطهران، وكان الأمريكيون يستعدون لانتخابات 1980 الرئاسية التي تنافس فيها جيمي كارتر مع رونالد ريجان، وكانت إيران تسعى للحصول على أسلحة أمريكية نظرًا لدخولها حربًا مع العراق، مما دعا كارتر للتفاوض مع الإيرانيين على منحهم بعض الأسلحة المطلوبة مقابل الإفراج عن الرهائن، لكن عرضه قوبل بالرفض، إذ كانت صفقة أخرى تُعقد في الخفاء توسط فيها الإسرائيليون -الذين كان يمثّلهم بن ميناشي- بين الإيرانيين والمرشح الجمهوري رونالد ريجان الذي مثّله نائبه جورج بوش.

تضمن الاتفاق بين الأطراف الثلاثة ألا تفرج إيران عن الرهائن إلا بعد الانتخابات الرئاسية، حتى لا يساعد ذلك جيمي كارتر على الفوز بولاية ثانية، والسبب كما يقول بن ميناشي هو أن الإيرانيين والإسرائيليين على السواء كانوا يزدرون كارتر، وبالفعل فقد خسر الانتخابات وتم الإفراج عن الرهائن بينما كان ريجان يلقي خطاب تنصيبه، أما الإيرانيون فقد حصلوا على أسلحتهم مشحونة في الخفاء عن طريق أستراليا، ويؤكد بن ميناشي أنه أشرف على تحويل 8.5 مليون دولار من قِبل إسرائيل لمسؤولين أستراليين مقابل غض الطرف عن تلك الشحنة.

بعد فصله من المخابرات لم يخرج بن ميناشي من الحكومة الإسرائيلية، وإنما عينه رئيس وزرائها إسحاق شامير مستشارًا له، لكنه لم يبق في المنصب لأكثر من عامين، فقد اعتقلته الولايات المتحدة عام 1989 بتهمة تهريب طائرات عسكرية لإيران، وحظيت القضية باهتمام إعلامي ودولي كبير، غير أن اعتقاله لم يدم أكثر من عامٍ إذ حصل على البراءة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، ولم تكن براءته بنفي التهم عنه، لكنه أثبت أن الصفقة مصرح بها على المستوى السياسي، وأنه كان يتصرف بناءً على أوامر رؤسائه في إسرائيل وبعلم من الحكومة الأمريكية، ونتيجة لذلك لم تسمح له إسرائيل بالعودة إلى أرضها، «أرادوا مني الإقرار بالتهم مقابل تسوية مالية سخية بعدما أغادر السجن، ولم يعجبهم دفاعي عن نفسي في المحكمة» كما يقول هو.

كشف بن ميناشي في مذكراته أيضًا عن عمله لصالح إسرائيل ضمن شبكة سرية لتجارة السلاح لتعزيز الحروب الأهلية في أمريكا اللاتينية إبان عقد الثمانينيات، فبينما كانت إسرائيل تتمتع بعلاقات قوية مع الحكومات اليمينية في دول مثل السلفادور ونيكاراجوا، كانت لديها أيضًا علاقات سرية مع جبهات الثوار والمتمردين في البلدين، وكانت تمد كلا الطرفين بالأسلحة، وهي المزاعم التي أكدها الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش في كتابه «الخيار شمشون: أمريكا وإسرائيل والقنبلة».

عندما نشر بن ميناشي مذكراته عام 1992 أنهت إسرائيل علاقتها به، أما هو فقد كان رده «ليس لي بلد، أنا مواطن عالمي»، كما عبّر مرة عن سخطه تجاه فترة عمله في المخابرات الإسرائيلية قائلًا «كان ذلك انحرافًا، لقد صادف أن أكون الرجل المناسب في الوقت المناسب، فقد كنت أتحدث الفارسية والعربية والانجليزية وأعرف الولايات المتحدة جيدًا، وكنت مؤمنًا بإسرائيل في ذلك الوقت، لكني فقدت إيماني بها في النهاية!».

بدا أن مظلة العمل الرسمي قد ضاقت على الرجل الذي بنى علاقات قوية مع أبرز حكومات العالم، وعرف كيف يجد موطئًا لقدمه في مناطق النزاع، وكيف يمرر الصفقات السرية من تحت الطاولة، قرر بن ميناشي أخيرًا أن يستغل خبراته الاستثنائية لبناء إمبراطوريته الخاصة.

عزيزي الديكتاتور: هذا الرجل في خدمتك

تزوج آري بن ميناشي من سيدة كندية عام 1993 وحصل على الجنسية الكندية بعد ثلاثة سنوات، وسرعان ما أنشأ شركته الخاصة للعلاقات العامة وتعبئة الرأي العام، والتي أسسها بالشراكة مع رجل الأعمال الأمريكي أليكساندر ليغولت، الذي كان مطلوبًا في الولايات المتحدة بتهمة النصب على الحكومة المصرية بمبلغ 7 مليون دولار مقابل شحنة دجاج مجمد زائفة، وظلا يعملان سويًا لمدة 15 عامًا حتى توصلت الشرطة إلى الشريك ورحلته للولايات المتحدة حيث دخل السجن.

Embed from Getty Images

آري بن ميناشي

دأب بن ميناشي على تقديم خدمات شركته إلى الأنظمة الديكتاتورية من أجل تلميع صورتها وتسهيل صفقات الأسلحة في الغالب، ويعد ديكتاتور زيمبابوي الشهير روبرت موجابي أحد أبرز هؤلاء الحكام، إذ تشكلت علاقة العمل بينهما بطريقة مثيرة للجدل جعلتها تتصدر عناوين الصحف ووسائل الإعلام عام 2002، ففي تلك السنة خدع بن ميناشي مرشح الرئاسة المعارض في زيمبابوي مورغان تسفانجيراي، وأوهمه بالعمل لصالحه ليجتمع به عدة مرات، قام خلالها بتصويره خلسة وهو يتحدث كأنما يخطط لاغتيال موجابي.

سلّم بن ميناشي التسجيلات إلى موجابي ليحوز ثقته وعقدًا بمليون دولار للعمل مستشارًا له، وحينما خضع تسفانجيراي للمحاكمة بتهمة الخيانة، كان بن ميناشي هو الشاهد الرئيسي في القضية، لكن المحكمة برأت السياسي المعارض في 2004، وفي قراره وصف قاضي المحاكمة سلوك بن ميناشي في قاعة المحكمة بأنه كان «وقحًا للغاية، كان يدلي بملاحظات لا مبرر لها، واستمر في إظهار سلوك مزيف حتى بعدما حذرت المحكمة من ذلك».

في عام 2010 وقع بن ميناشي صفقة مع رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى تضمنت الحصول على 12 طائرة هليكوبتر من روسيا، بالإضافة إلى خدمات التدريب والصيانة المرتبطة بها، فضلًا عن منحة قد تصل إلى 50 مليون دولار أمريكي، ورغم أن صفقات بن ميناشي كانت غالبًا ما تتضمن اتفاقات تسليح، سواء أثناء عمله في المخابرات الإسرائيلية أو في شركته الخاصة، إلا أنه ينفي تمامًا كونه تاجر أسلحة، ويؤكد أن دوره استشاري فقط وأن الحكومات التي يعمل معها هي من تقرر «فإذا قررت حكومتان التوصل إلى اتفاق عسكري فهذا قرارهم وليس قرارنا».

بعض الصور لا ينفع معها التلميع!

رغم ما يتمتع به بن ميناشي من علاقات قوية تمتد من الولايات المتحدة إلى روسيا ومن إسرائيل إلى إيران ومن أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا ودول شرق آسيا، إلا أن النجاح لم يكن حليفه دائمًا، ومن ضمن ذلك أنه في عام 2010، كان لوران جباجبو، رئيس كوت ديفوار المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية آنذاك، يفقد قبضته على السلطة وينتظر الانتخابات التي توقع الكثير من المراقبين أن يخسرها.

مما دعاه للجوء إلى بن ميناشي الذي عرض عليه مسودة اتفاق تتضمن إنشاء حرس رئاسي جديد تحت سيطرة الرئيس مباشرة، مقترحًا أن تضم القوة نحو ألفي فرد و20 طائرة هليكوبتر، وتكون مدربة لقمع أي تحرك محتمل ضد الرئيس، على أن تتم إدارة هذه القوة بالكامل من قبل موظفين أجانب حتى يتم تدريب مواطنين إيفواريين.

يقول بن ميناشي إن بنود تلك المسودة تم وضعها من أطراف أخرى خارج شركته «ديكنز آند ماديسون» ولم تبلغ مرحلة التنفيذ، وبدلًا من ذلك تم توقيع اتفاق يتضمن تقديم خدمات الضغط وتوفير معدات وتدريبات تقنية، كانت قيمة العقد 6 مليون دولار أيضًا كما في حالتيْ حفتر وحميدتي، وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ لكنه ألغي لاحقًا عندما تمت إقالة جباجبو واعتقاله لأنه رفض الاعتراف بهزيمته في الانتخابات، وفيما بعد تم تسليم جباجبو إلى محكمة الجنايات الدولية.

Embed from Getty Images

لوران جباجبو، ديكتاتور كوت ديفوار السابق الذي اعتقلته محكمة الجنايات الدولية ومعمر القذافي

في 2011 كان ضابط المخابرات الإسرائيلية في الكاميرون يتعاقد مع أحد مرشحي الرئاسة للدعاية له وجمع تبرعات لحملته تصل إلى 12 مليون دولار، لكن مرشحه حل في المركز التاسع بنسبة أصوات أقل من 0.5%، ومع ذلك فقد أكد بن ميناشي أنه سعيد هو وموكله الذي لم يتوقع له أحد الفوز «نحن نعمل من أجل الحملة التالية»، كما يدفع عن نفسه تهمة الفشل قائلا إن «المشكلة هي أننا لا نستطيع كسر اتفاقات السرية بيننا وبين عملائنا وإعطاء تفاصيل حول جهود الاستشارات والضغط الناجحة، إنها مشكلة حقيقية».

مثلما يتضح من تاريخ آري بن ميناشي، سواء خلال عمله في المخابرات الإسرائيلية أو عبر شركته الخاصة، فإن حفتر وحميدتي لا يبدوان غريبين في قائمة عملائه التي تتكون من قادة ميليشيات وأمراء حروب أهلية ورؤساء أنظمة ديكتاتورية ومجرمي حرب.

وفي الوقت الذي تدعو منظمة العفو الدولية حكومة كندا إلى التحقيق في الاتفاق الذي وقعه ضابط المخابرات الإسرائيلية السابق مع المجلس العسكري في السودان، ويحذر مشرعون أمريكيون من صعود الجنرال حميدتي، ومنهم السيناتور إليوت إنجل رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الذي دعا الحكومة الأمريكية لفرض عقوبات على قائد قوات الدعم السريع، يتعهد بن ميناشي بترتيب لقاء بين حميدتي وترامب ويؤكد أن «حميدتي هو الوحيد القادر على تحقيق الاستقرار في السودان».

«الوثائقي المحجوب».. كيف تعمل ماكينة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد