فاطمة نادي 30
فاطمة نادي 30

2,006

لا خلاف على أن العقل البشري مذهل ولا حدود لقدراته، فهذه القدرات هي ما أوصلتنا إلى الثورة العلمية الراهنة التي شملت جميع المجالات، وأعادت تشكيل كافة جوانب الحياة، وكما قد يبدع العقل البشري في الخير فإنه قد يبدع في الشرّ أيضًا، فقد يلجأ المجرمون لتسخير مهاراتهم في نسج شباك المكر والخداع. نصحبكم في السطور التالية للتعرف إلى بعض من أدهى تلك العقول، التي حيرت السلطات حول العالم، ووقع في شباكها المئات من الضحايا.

لوستيج.. الرجل الذي باع برج إيفل مرتين

ولد في مدينة «بوهيميا»، التي تقع حاليًا في جمهورية التشيك، وبدأ بممارسة المكر والخداع منذ الصغر. إنه «فيكتور لوستيج» (Victor Lustig) أحد أشهر المحتالين في التاريخ، الرجل الذي احترف بيع الوهم لأي شخص في العالم، وقد كانت حيله ومهاراته في التسويق والإقناع فعّالة جدًا لدرجة أنه تمكن من «بيع» برج إيفل مرتين منفصلتين دون الوقوع في الأسر.

في مايو (آيار) من عام 1925، قرأ «لوستيج» مقالة في صحيفة خلال إقامته في باريس، تتحدث عن حدوث تآكل في برج إيفل، وأن المدينة تواجه مشكلات في إصلاحه؛ إذ إن عملية إعادة طلائه مكلفة، وكان البرج يتجه إلى السقوط وفي حالة سيئة بالفعل.

رأى «لوستيج» خلف هذه المقالة فرصة عظيمة، وقام بتزوير بطاقة عمل مزيفة تفيد بأنه يعمل نائب المدير العام بوزارة البريد والتلغراف في الحكومة الفرنسية، ثم اجتمع مع مجموعة من تجار المعادن والخردة في اجتماع سريّ، وأوضح لهم أن المدينة أرادت بيع برج إيفل للخردة، إلا أن المسؤولين أرادوا إبقاء الخطط سرية؛ لتجنب صدور ردود فعل عنيفة من المواطنين.

Embed from Getty Images
أفراد من شرطة نيويورك يحققون مع لوستيج

أخبر لوستيج التجار أن الوزارة كلفته بمهمة اختيار التاجر، الذي سوف يتعامل معه بخصوص عملية البيع، وأنه اختارهم تحديدًا على أساس سمعتهم الجيدة بوصفهم تجارًا أُمناء. وبالفعل، انطلت الخدعة على أحد التجار الذي قبل الصفقة، وقدم العمولة النقدية لهدم البرج.

وعندما ذهب التاجر إلى مسؤولي المدينة لاستلام الصفقة، لم يكن لديهم أدنى فكرة عما يتحدث. أدرك التاجر أنه خُدع وشعر بالإحراج الشديد؛ لدرجة أنه رفض الذهاب إلى الشرطة للإبلاغ عن الأمر، وفي الشهر التالي، كرّر لوستيج نفس عملية الاحتيال كاملة، وحاول بيع البرج مرة أخرى، غير أن الضحية ذهبت إلى الشرطة هذه المرة قبل أن يتمكن لوستج من إتمام الصفقة. مع ذلك، تمكن من الهرب وفرّ إلى الولايات المتحدة ليتفادى القبض عليه.

سريفاستافا.. المحتال الذي باع تاج محل ومقر الرئاسة الهندي

إنه «ميثيليش كومار سريفاستافا» (Mithilesh Kumar Srivastava) الشهير بـ«ناتوارال»، المحتال الأشهر في الهند الذي نجح في بيع «تاج محل»، لا مرة واحدة أو مرتين، بل مرارًا وتكرارًا.

ولد «ناتوارال» في عام 1912، وعمل في البداية محاميًا، ثم اتجه إلى الاحتيال والخداع؛ لأنه كان محترفًا في التزوير. أدرك أن لديه المهارات اللازمة لتزوير التوقيعات تزويرًا مثاليًّا، في الوقت الذي لم ينتشر فيه استخدام الأرقام وكلمات المرور السرية، وكان تزوير التوقيعات كل ما يتطلبه الأمر لتنفيذ الخدعة.

كان «ناتوارال» ينتحل شخصية مسؤول حكومي، وينسج الخدع على السياح الأجانب؛ لبيع المعالم الهندية الشهيرة لهم. وقد قام بالفعل ببيع «تاج محل» أكثر من مرة، بالإضافة إلى الحصن الأحمر، ومقر الرئاسة الهندي، فضلًا عن مجلس النواب!

Embed from Getty Images
الحصن الأحمر بالهند

كان مطلوبًا للقبض عليه في أكثر من 100 حالة تزوير وسرقة هوية، وألقت السلطات الهندية القبض عليه عدة مرات وجرت محاكمته. أصدرت ولاية بيهار ضده أحكامًا بالحبس تصل إلى أكثر من 113 عامًا، غير أنه لم يقض أيًّا من العقوبات كاملة، إذ كان دائمًا يتمكن من الهرب.
حتى عند وفاته تركنا في حيرة من أمرنا بين تاريخين يفصل بينهما 13 عامًا؛ فبينما أعلن شقيق «ناتوارال» أنه دفن جثته في عام 1996، صرّح محاميه بأنه ظل على قيد الحياة حتى عام 2009!

مادوف.. المصرفي صاحب أكبر عملية احتيال في تاريخ أمريكا

كان «برنارد مادوف» (Bernard Madoff) مصرفيًّا أمريكيًّا، ورئيسًا لشركة برنارد مادوف الاستثمارية، التي أنشأها في عام 1960 لتقديم الخدمات الاستثمارية، وكانت ضمن أكبر صناع السوق في وول ستريت.

ألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) القبض عليه في 11 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2008، بتهمة النصب والاحتيال بعد إبلاغ ابنه عنه، واتضاح تورطه في عمليات نصب واحتيال تُعد الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، والتي تصل قيمتها إلى أكثر من 64 مليار دولار.

Embed from Getty Images
برنارد مادوف

تسمى عمليات النصب المنسوبة إليه «سلسلة بونزي» (Ponzi Scheme)، والتي جرت على مدى عقود من الزمن، وقع خلالها عديد من الضحايا فريسة له، من بينهم شخصيات شهيرة مثل المخرج «ستيفن سبيلبرغ» (Steven Spielberg)، والممثلين «كيفن بيكون» (Kevin Bacon)، و«كيرا سيدجويك» (Kyra Sedgwick).

شمل الأمر العديد من البنوك العالمية كذلك؛ إذ أعلنت بنوك إسبانية تعرضها لخسائر ضخمة قد تصل إلى 4 مليارات دولار، وأعلنت بنوك أخرى ضياع أكثر من مليار دولار من جراء عمليات الاحتيال التي وصفت بأنها عملية نصب استثمارية كبرى جرت على يد شخص واحد.
وقد تلقى «مادوف» حكمًا بالسجن مدة 150 عامًا، وجمّد قاضي التحقيقات الفيدرالي أصوله، وعيّن حارسًا قضائيًّا عليها.

كارل جوجاسيان.. خبير الإحصاء الذي نهب أكثر من 50 بنكًا

قد يعد «كارل جوجاسيان» (Carl Gugasian) أحد أكثر اللصوص تحصيلًا علميًّا في هذه القائمة؛ فقد أتم دراسته الجامعية وحصل على شهادة الدكتوراه في مجال الإحصاء والاحتمالات، ويعد أيضًا أحد أكثر اللصوص مكرًا في الولايات المتحدة في أواخر القرن العشرين؛ والذي استغل علمه وخبرته في مجال الإحصاء من أجل سرقة أكثر من 50 بنكًا أمريكيًّا على مدى 30 عامًا.

اعتاد «جوجاسيان» العمل بمفرده، وكان يسطو على البنوك في ساعة الإغلاق، التي غالبًا ما تكون في ليلة الجمعة، الوقت الذي تكون البنوك فيه ممتلئة بالنقود، ويكون الموظفون مشغولين بالعمل، وفي حالة من التشتت. كذلك، كان يستهدف البنوك الواقعة بالقرب من الغابات؛ حتى يقوم بالسرقة ثم يلوذ بالفرار عدوًا في الغابة ويختفي مثل العفريت، كما صرح بعد القبض عليه.

أما عن طريقة القبض عليه فلها قصة طريفة، لا تليق بحجم صولات وجولات السارق الخبير. لم تتمكن السلطات من القبض على «جوجاسيان» في أي مرة من تاريخه الحافل؛ فقد كان سارقًا محترفًا يتمكن من السطو والفرار خلال دقيقتين فقط، حتى جاءت نهاية مسيرته الإجرامية على يد زوج من الصبية.

بينما كان يلعب فتيان في غابة بالقرب من ولاية فيلادلفيا، عثرا على مخبأ أشبه بالكنز المدفون. أبلغ الفتيان الشرطة بالأمر، والتي عثرت داخل المخبأ على 100 صندوق من البلاستيك مرصوصة داخلها حزم من النقود، بالإضافة إلى عدد من المسدسات والرصاص، وبعض أقنعة الهالوين التي كان يتنكر بها «جوجاسيان» في سرقاته، إلى جانب مجموعة من الخرائط، والملحوظات المدونة عن نقاط ضعف عشرات المصارف الواقعة على الساحل الشرقي الأمريكي.

في النهاية، أجرت السلطات القبض على «جوجاسيان» في يوم 7 فبراير (شباط) عام 2002، عند وصوله إلى مكتبة فيلادلفيا الحرة، التي كان يتردد عليها منذ سنوات ليتفقد الخرائط الطوبوغرافية الموجودة بها، والتي كان يستعين بها في التخطيط لعملياته.

وبعد القبض عليه اعترف بإدانته، وقاد رجال الشرطة إلى أدلة إضافية عن المخابئ، كما أدلى بتفاصيل عن حياته الطويلة في سرقة المصارف، التي بلغت قيمة ما سرقه منها مليوني دولار.

جيرالد بلانشارد.. «العقل الإجرامي الأكثر تطورًا في كندا»

وصفته الشرطة الكندية بأنه العقل الإجرامي الأكثر تطورًا فى البلاد؛ إذ تمكن من تنظيم عدة جرائم لم يسبق لها مثيل، واستخدم التكنولوجيا المتطورة في تنفيذ سرقاته عبر ثلاث قارات.

يملك «بلانشارد» تاريخًا إجراميًّا حافلًا ومُوثقًا جيدًا في كندا، وتقول السلطات إنه قضى حياته تحت غطاء العديد من الهويات المزيفة، وكان يستخدم أدوات تخفي مفصلة بعناية، ومعدات مراقبة عالية التقنية في القيام بأعماله الإجرامية.

كانت أكبر جريمة له في يونيو (حزيران) من عام 1998، عندما تنكر في شكل سائح في فيينا، قبل أن يسطو على قصر شونبرون ويقوم بسرقة نجمة الإمبراطورة سيسي، إحدى مجوهرات تاج النمسا التي لا تقدر بثمن، وتعود إلى القرن التاسع عشر.

استطاع «بلانشارد» اختراق جميع أجهزة الحماية دون تنشيط أجهزة الاستشعار، واستبدال الجوهرة بنسخة مزيفة طبق الأصل، حصل عليها من محل لبيع الهدايا وتركها في موضع الأصلية، ولم يلاحظ أحد التبديل عدة أسابيع.

فرانك أباجنيل.. قصته ألهمت السينما

اكتسب «فرانك أباجنيل» (Frank Abagnale) شهرة واسعة في الولايات المتحدة وخارجها من جراء ارتكابه العديد من عمليات التزوير المتقنة، التي جعلت من قصته محور أعمال سينمائية شهيرة.

ولد في عام 1948، ودخل عالم الجريمة في سن صغيرة، بدايةً من بطاقات الائتمان وتحرير الشيكات المزيفة، وقبل عيد ميلاده الحادي والعشرين كان قد انتحل هوية طيار، وطبيب، ومحام. استطاع كذلك الهرب من الحجز لدى الشرطة مرتين، إحداهما من طائرة أجرة. ولم تتمكن السلطات من القبض عليه إلا بعد أن تعرفت على وجهه إحدى صديقاته السابقات، مطبوعًا على إعلان للقبض عليه؛ قامت بعدها بتسليمه للسلطات.

عقدت معه السلطات اتفاقًا ينص على منحه الإفراج شريطة أن يُعلمهم أساليبه؛ لمنع الآخرين من الاحتيال على السلطات والمؤسسات. وقد عمل «أباجنيل» مستشارًا لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي أكثر من 30 عامًا، بوصفه واحدًا من أهم خبراء العالم في مجال تزوير الوثائق، والتحقق من عمليات الاحتيال والاختلاس.

Embed from Getty Images
فرانك أباجنيل

كذلك، ألقى العديد من المحاضرات عن خبرته في الجريمة، قدّم فيها المعلومات لموظفي البنوك، والشركات، والمؤسسات المالية، والمنظمات الحكومية، حول طرق تجنب الغش والسرقة، وكيفية الكشف عن الاحتيال، والتعامل معه.

علاوة على ذلك، بدأ شركته الخاصة «أبيغنايل وشركاه» (Abagnale Associates)، التي تُقدم استشارات حول كيفية تجنب الوقوع ضحية للاحتيال والخداع، كما ألّف كتابين حول الهواية التي أفنى حياته فيها، وعنوانهما: «فن السرقة» (The Art of the Steal)، و«سرقة حياتك» (Stealing Your Life)، كلاهما عن التزوير وتفاديه.

وكانت قصة حياة «أباجنيل» هي ما اقتبس عنها المخرج «ستيفن سبيلبرغ» قصة الفيلم الشهير (Catch Me If You Can) الصادر عام 2002، ولعب دور البطولة النجم «ليوناردو دي كابريو» (Leonardo DiCaprio) الذي جسد فيه شخصية «أباجنيل»، مع الفنان «كريستوفر والكن» (Christopher Walken) الذي أدى دور والد «أباجنيل» ورُشح عنه لجائزة الأوسكار.