وكأن المال والسلطة يدفعان العقل للتوقف، لتتحدث شهوات أخرى، الحقيقة التي تظهر في حفلات خاصة وعامة، نعم بحضورها الآلاف، وكلفوا خزائن دولهم مئات الآلاف، تحت إمرة رؤساء وحُكام اختلفت أسبابهم وحساباتهم، تبرز السطور التالية خمسة من أشهر تلك الحفلات وأغربها.

1- «مهرجان السُّكر» عند المصريين القدماء.. أنهار الخمر احتفالًا بالنجاة من الموت

عرف سكان وادي النيل القدامى في مصر طريقة صنع الخمور، وكانوا يقيمون عيدًا سنويًّا في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وتحديدًا في اليوم العشرين من شهر تحوت، الشهر الأول في التقويم المصري القديم، وأسموه «مهرجان السُكر». كان ذلك في عهد الملكة حتشبسوت، وكانت الاحتفالات بهذا اليوم ذات طابع ديني، مستلهمة من أسطورة عن الإلهة سخمت المتعطشة للدماء، والتي رُوي أنها دمرت الجنس البشري وقضت على معظمه، ومن أجل أن يردعها رع عن عملها، أمر بخلط النبيذ بمسحوق أحمر وسكب أزيار منه في كل منطقة على الأرض تذهب لها سخمت، حتى إذا ما رأته أخذت تشرب منه معتقدة أنه دم الناس، لدرجة أنها شربت بحرًا بأكمله من النبيذ، فأصابها السُكر الشديد حتى أصبحت لا تعرف البشر ولا تميزهم. وبعد هذا الحدث اعتزل رع الأرض وانتقل ومعه بقية الآلهة إلى السماء، وانفصلت السماء عن الأرض.

شرب الخمر عند المصريين القدماء

جاء ذلك من المعلومات الصادرة عن نتائج البحث الأثري في معبد «موت» في الأقصر، عن تلك الفترة في عهد الملكة حتشبسوت، وعن الاحتفالات التي حضرها عشرات الآلاف من الفلاحين والنخبة، لنحو 20 عامًا، هي فترة حكم حتشبسوت. وكان المصريون يحتفلون وسط أجواء الخمر والفجور بخلاصهم من الموت، فيقضون أمسياتهم في الرقص على الموسيقى، وينخرطون في ممارسة الجنس العرضي، ولا يتوقفون عن شرب أكواب متتابعة من البيرة، حتى إذا ما عم الصباح، خرج الآلاف من المعابد إلى شوارع المدينة مخمورين فاقدي الوعي على نقر الطبول العالي، إعلانًا عن نهاية مراسم الاحتفال.

ورغم ذلك لم ينظروا إلى الحفل على أنه جلسة شرب وجنس جماعية، بل هو احتفال مقدس في المعابد والأضرحة، وفي تفسير لممارستهم الجنس، ولما كان الاحتفال في منتصف أغسطس (آب)، وهو ميعاد الفيضان، لذا كان يُنظر إلى الأنشطة الجنسية أثناء الاحتفال على أنها وسيلة لاستجداء الفيضان للعودة وتخصيب الأراضي.

من أين أتى المصريون؟ مصر قبل ظهور الفراعنة

2- بلشاصر لم ينج بفعلته.. عربدة على بعد لحظات من الموت

صادف هذا الحفل الليلة الأخيرة من حكم بلشاصر على بابل ودخول الفرس، والليلة الأخيرة في حياته. فقد أقام بلشاصر حفلًا كبيرًا لنحو ألف شخص من المقربين من أصدقائه، وأحضر للحفل خصيصًا كؤوسًا من الذهب والفضة من المعبد اليهودي المقدس؛ ليشرب ضيوفه البيرة في الأواني المقدسة، والتي كانت قرابين للإله وتمجيدًا له، حتى أصبحت ضمن غنائم نبوخذ نصر بعد أن غزا القدس عام 587 قبل الميلاد ودمر معبد سليمان.

لوحة الفنان العالمي رامبراندت عن هذه الليلة

دفع الملك الذي تركه نبوخذ نصر لابنه بلشاصر الأخير للشعور بأن حكمه مطلقًا، وقضى على أي فرصة للشعور بالقلق، حتى مع اقتراب خطر الفرس من معقل مملكته، فطفق هذه الليلة يأكل ويشرب الخمر مع أصدقائه في الأواني المقدسة. وصفت المائدة التي أعدها بلشاصر لأصدقائه بأنها كانت زاخرة ومكلفة جدًّا بين الملوك، فتألفت من فطير الشعير، والبطيخ، والشمام، والبلح واللوز، والدواجن، ولحم الضأن، ولحم الخنزير، ولحم البقر، والسمك، والجراد، وجوز البقان، وأطنان من بيرة الشعير في أواني صُنعت خصيصًا من أجل الإله؛ ليشعر بلشاصر وضيوفه أنهم آلهة حقيقيون.

انتهت هذه الليلة بفواتيرها الطويلة بسقوط بابل في يد الفرس، وقتل بلشاصر في سريره على يد سايروس العظيم ملك بلاد فارس. ويرجع سفر دانيال نهاية بلشاصر في هذه الليلة بأن «يد الله قد غضبت عليه لتدنيسه المقدسات»، فخلال الحفل، وبين اللوردات وزوجاتهم والملك وخدمه، ظهرت كتابة على حائط القصر صُعق منها بلشاصر ومن معه، فأتى بالنبي دانيال الذي نهره على ما فعله في ليلته، وأخبره أن هذه الليلة هي الليلة الأخيرة لحكمه، وأن موته قريب.

3- الملك شارل السادس.. النار تلتهم الحفل والضيوف

استضافت الملكة الفرنسية إيزابو البافارية مأدبة فاخرة في فندق سنتي بول في باريس عام 1393، للاحتفال بزواج إحدى خادماتها، وبالأساس لرفع معنويات زوجها الملك شارل السادس، بعدما أصابه الجنون. جاء قرار إقامة هذا الحفل من المحكمة، التي قضت بحفل زفاف مختلف؛ لكونه الزفاف الثالث لهذه السيدة، وخطط لحفل الزفاف على أن تكون فقرته الرئيسية هي رقصة يشارك فيها الملك شارل السادس ملك فرنسا وخمسة من النبلاء، مرتدين زيًّا تنكريًّا على هيئة إنسان الغابة مصنوعًا من الكتان وألياف السنديان، ومليء بالشعر والفراء الذي يغطيهم من الرأس إلى القدم مع طبقة من الشمع.

الملك شارل السابع. المصدر wikipedia

بدأ الملك عرضه ومعه رجاله، وبمجرد أن وصل شقيقه لويس دوق أوليانز ثملًا واقترب من دائرة الرقص – بشعلة في يده- أكثر من اللازم، حتى أشعل النيران في الملابس التي صنعت من مواد سهلة الاشتعال. لم يعرف أحد من هل كان حقًّا يريد اغتيال أخيه، أم أنه فقد وعيه إلى هذه الدرجة.

بعض الراقصين احترقوا حتى الموت، وأنقذ أحد الرجال نفسه بالغوص في خزان ضخم من النبيذ، كان معدًّا من أجل الحفل، أما الملك، فقد أسرعت عمته وغطته بتنورتها حتى أخمدت النيران في ملابسه. وعندما رأى شارل رجاله وهم متفحمون أصبح مقتنعًا أنه مصنوع من الزجاج، وظل يركض حول القصر يعوي مثل الذئب.

كان الحادث واحدًا من الأسباب لأن يطلق على الملك «شارل المجنون»، وعد الفرنسيون ما يقيمه شارل من حفلات للترف دليلًا على فساد الحكم، وتدليسًا من القضاء، وهددوا بالتمرد على الطبقة النبيلة.

4- أندرو جاكسون وضيوف البيت الأبيض

رغم قول الكثير بأن أندرو جاكسون حضر حفل تنصيبه رئيسًا لأمريكا عام 1829 دون موكب بسبب حداده على زوجته راشيل، لكن هذا الحداد لم يمنعه من إقامة أكبر احتفال في البيت الأبيض، الذي أعلن في هذا اليوم مكانًا مفتوحًا للجميع، إذ تناولوا الخمر بشراهة، وتناولوا 1400 كيلو من الجبن، ليتحول الحفل لأعنف حفل في تاريخ البيت الأبيض.

رسم للبيت الأبيض خلال حفل التنصيب. المصدر wikimedia

فاز جاكسون في الانتخابات بعد واحدة من أقذر الحملات الانتخابية في التاريخ الأمريكي، وكان تنصيبه بمثابة تغيير جذري للسياسة الأمريكية، حتى إن ما خشي منه معارضوه قد حدث منذ اليوم الأول، فبعد دعوة الرئيس العامة للبيت الأبيض كان هناك ما يقرب من 20 ألف شخص جاءوا لشرب الخمر، منهم من سافر مسافة 500 ميل للحضور. وصدم هذا المشهد سكان واشنطن وأعداء جاكسون السياسيين، الذين خشوا بالفعل من حكم الغوغاء في فترة ولاية جاكسون.

نشبت الخلافات بين الحاضرين، فمزقوا الأثاث والتحف دون تمييز، وطحنوا الجبن بأحذيتهم على سجاد البيت الأبيض وأرائكة، ودمروا المبنى التاريخي بأكمله تقريبًا، ليشهد الرئيس في يومه الأول في البيت الأبيض التدمير الذي لحق به، حتى إنه قفز من نافذة خلفية بمجرد بدأ الشجار.

خلال التخطيط للحفل لم يخطر ببال جاكسون تجهيز قوة من الشرطة؛ فأخذ طاقم البيت الأبيض يحاولون إيقاف الحفل الذي لم يتوقف حتى مع رمي الطعام والشراب من النوافذ، إلا بعد وعد عام بتوزيع الخمور المجانية إذا غادر الجميع المكان، ليعود جاكسون إلى مقر حكمه، ويطلب من الكونغرس مبلغ 50 ألف دولار لإعادة تأثيث البيت الأبيض.

رؤساء لكن متحرشون.. 8 رؤساء أمريكيين لاحقتهم تهم التحرش الجنسي والاغتصاب

5- هنري الثامن وفرانسيس الأول ونوافير الخمر

أقام هنري الثامن ملك إنجلترا، وفرانسيس الأول ملك فرنسا اجتماع عمل في عام 1520، في فرنسا بالقرب من مدينة كاليه التي يحتلها الإنجليز. وكان الاجتماع لغرض سياسي، فقد كانت معاهدة لندن التي اشترطت وقف العدوان بين القوى الأوروبية الكبرى على وشك أن تخترق.

رسم لمقر عقد الاجتماع الملكي. المصدر ranker

بلغ حد الإسراف في التجهيز لهذا اللقاء حد أن أُطلق على الوادي بعد انتهائه اسم «وادي الذهب». تضمنت خطة الاجتماع بناء نافورتين مملوءتين بالبيرة والنبيذ أمام القصر من أجل الضيوف، وتزينت الجدران والأرضيات بكم الهائل من الستائر والمفروشات المكلفة، بهدف إغراء كل طرف للآخر على مدار أسبوعين ونصف، هي مدة الاجتماع. ومن أجل هذا الاجتماع، صدر الأمر ببناء قصر ضخم، على يد 6 آلاف عامل، في وقت قياسي، قبل وصول الملوك مباشرة، في رغبة من الملكين لأن يصبح اجتماعهم حدثًا مشهودًا. وخلال أيام الاجتماع أعلن الملوك عن مبارزات ملكية ومنافسات على الأسلحة الثمينة.

مترجم: بالصور.. 92 عامًا من عمر ملكة إنجلترا تحكي قرابة قرن من تاريخ العالم

المصادر

تحميل المزيد