ربما تبدو مصطلحات كـ«أجندة خارجية» أو «مؤامرة دولية» أو «أهل الشر» مألوفة لدى المتابع لشؤون العالم العربي، وبغض النظر عن صحة هذه المصطلحات من عدمها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الدول العربية وحدها هي التي تروج لنظرية المؤامرة؟ الإجابة بكل تأكيد لا!

ربما لو تراجعنا خطوة إلى الوراء لتراءت لنا الصورة بوضوح أكثر، العالم بأسره غارق حتى النخاع في مستنقع نظريات المؤامرة، بداية من الجماعات السرية التي تحكم العالم وتزييف الهبوط على سطح القمر، وحتى القاعدة العسكرية التي تؤوي مركبات فضائية.

من أين جاءت هذه النظريات؟ ولماذا؟ لا أحد يدري. ربما هي الطريقة الأيسر لتفسير واقعة ما، أو لخلق قضية للدفاع عنها، أو حتى لأغراض سياسية بحتة للنيل من مرشح ما أو زيادة شعبية آخر. لكن المؤكد أن نظريات المؤامرة لا تنطق بالعربية وحدها، في هذا التقرير نستعرض العديد من نظريات المؤامرة حول العالم.

المنظمات السرية تتحكم في العالم

الماسونية، الجماعات السرية، فرسان المعبد، علم التشفير، جميعها تعبيرات يعرفها جيدًا هواة قراءة الأدب البوليسي والمغامرات، والتي يتربع على عرشها الروائي دان براون برائعته «شفرة دافنشي» والتي تحولت إلى فيلم من بطولة توم هانكس وأودري توايتو.

لكن المثير في الأمر أن قضية الجماعات السرية التي تحكم العالم تتجاوز حدود الروايات والسينما إلى أرض الواقع، وتمتد بجذورها إلى عدة قرون سابقة، ليصبح الانضمام لمثل هذه الجماعات تهمة تلاحق المشاهير عبر التاريخ في عالم الفن والسياسة وحتى يومنا هذا، بداية من «ليوناردو دافنشي» «وجورج واشنطون»، ومرورًا ببنجامين فرانكلين ووينستون تشرشل وحتى باراك أوباما.

جميع هؤلاء اتهموا بالانضمام لتلك المنظمات، وتتصاعد وتيرة هذه الاتهامات بين حين وآخر، لتنال حتى أشهر الفنانين الأمريكيين مثل نجمة البوب بيونسيه، التي عدّ البعض حفلاتها بمثابة وصلات عبادة للشيطان، والمطربة ريانا التي تستخدم بعض الرموز الخاصة بالجماعات السرية في فيديوهاتها على سبيل المزاح.

 

ربما لا تبدو كلمة «إيلوميناتي» مألوفة، إلا أنها الاسم الذي يُطلق على إحدى أكثر المنظمات شهرة ولمعانًا في عالم المنظمات السرية. وفي تقرير أعدته «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) العام الماضي، وصفت وكالة الأنباء الإنجليزية النظرية التي تقول إن «إيلوميناتي» هي الجماعة التي تسيطر على العالم، بأنها النظرية التي تتقزم أمامها كل نظريات المؤامرة.

«إيلوميناتي» والتي تطلق على من يحوز علمًا خاصًا أو يمتلك القدرة على التنوير. كانت بداية ظهورها بالقرن الثامن عشر، وبالتحديد عام 1776 على يد «آدم ويشوت» في بافاريا الألمانية، كجماعة معادية للمسيحية، وتسعى للحد من تأثير الحكومة على الحياة العامة. لم تلبث الحملة أن تهاوت مع الحملة التي شنتها الحكومة على الجماعات السرية عام 1780. ومع ذلك سرت شائعات بأنها استمرت متخفية حتى يومنا هذا.

بحلول عام 1960، عادت المنظمة للظهور من جديد بالولايات المتحدة، إلا أن أجندة أهدافها كانت بعيدة تمامًا عن معاداة الكنيسة التي تبناها مؤسسها. كانت هذه الحقبة الزمنية هي العصر الذهبي لانتشار المخدرات والأفكار المعادية للتحضر. أما الشرارة التي أعادت إحياء المنظمة فكانت بظهور كتيب صغير يدعى «برينسيبيا ديسكورديا»، ككتاب مقدس هزلي، يدعو إلى عبادة «إيريس» آلهة الفوضى، كمحاولة بائسة لإثارة العصيان المدني لكنها باءت بالفشل، حتى ظهر الكاتب الصحفي روبرت ويلسون.

تعاون ويلسون مع أحد مؤلفي الكتاب كيري ثورنيلي،جمع بينهما الإيمان بفكرة الفوضى، لهز المجتمع من جذوره كوسيلة لإصلاح المجتمع الذي صار منغلقًا ومحدودًا من وجهة نظرهما، وذلك ببث المعلومات المغلوطة بالسبل المتاحة كافة، كأن يراسلان إحدى المجلات بمعلومات عن المنظمة السرية ثم بمعلومات أخرى مناقضة لها، مما يدفع القارئ للتشكيك في صحة المعلومات والأخبار التي يتلقاها. ولاحقًا، ألف ويلسون كتابًا بعنوان «ثلاثية إيلوميناتي» حاول فيه كشف النقاب عن بعض الحوادث الغامضة كاغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي. والمدهش أن الكتاب قد لاقى رواجًا كبيرًا.

أما في الوقت الحالي فقد أصبحت فكرة سيطرة المنظمة على العالم من أوسع النظريات انتشارًا، إلى الحد الذي يدفع بعض الفنانين الأمريكيين كبيونسيه وجاي زي إلى الإشارة برمز المثلث الخاص بالمنظمة في حفلاتهم. أما المتحمسون لهذه النظرية فيعتقدون أن المنظمة تسيطر على مقاليد الأمور بالفعل، والدليل هو رمز الهرم الذي تعلو قمته عين والمطبوع على ورق البنكنوت من فئة واحد دولار، في إشارة واضحة للمنظمة.

الرحلة الأولى للقمر.. مزيفة!

«خطوة صغيرة لإنسان، قفزة عملاقة في تاريخ البشرية» العبارة الشهيرة نطقها رائد الفضاء الأمريكي الأشهر نيل أرمسترونج قبل حوالي نصف قرن من الزمان، ومعها انطلقت إحدى نظريات المؤامرة الأشهر في التاريخ. هل استطاعت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» غزو القمر بالفعل؟

من وجهة نظر معتنقي نظرية المؤامرة، فإن الهبوط على سطح القمر لا يعدو كونه أكثر من مجرد خدعة، بدأت برغبة بائسة للرئيس الأمريكي وقتها جون كينيدي بمنافسة السوفيت في السباق نحو الفضاء، وبالتالي أصدر أوامره بتحضير سلسلة من الأفلام باستوديوهات سرية، لتبدو «ناسا» وكأنها هبطت بالفعل على سطح القمر. وبحسب آراء المتحمسين للنظرية، تقع هذه الاستوديوهات إما في هوليوود، أو بقاعدة الطيران السرية بالقطاع 51 بنيفادا.

أحد المؤمنين بهذه النظرية هو عالم الفضاء البريطاني ديفيد بيريانت، أجرى لقاءات مع 14 رائد فضاء ممن ارتادوا سلسلة المركبات «أبوللو» منذ عام 1963 وحتى 1972، كمحاولة لحسم الجدل. يرى بريانت أن موقع التصوير الذي بثت منه «ناسا» أول هبوط للإنسان على سطح القمر ما هو إلا تبة بالقرب من موناكيا في هاواي. وبالمقارنة مع الصور التي التقطتها المركبة «أبوللو 17» عام 1972 في رحلتها للقمر، يعتقد الرجل أنهما متطابقان.

وبمرور الوقت، أصبح بيريانت بمثابة الأب الروحي لهذه النظرية، وبخاصة بعد قضائه سنوات من البحث عن الحقيقة وراءها. ويرى أنه على الأقل هناك علامات استفهام كبيرة حول ماهية الرحلة.

وفي كتاب له بعنوان «قمرنا المحرم»، يقول بيريانت: «هناك أدلة واضحة على زيف تسجيلات هبوط المركبة «أبوللو» على سطح القمر، كخلل بالعينات التي جاءت بها من تربة القمر، وكذلك تضارب أقوال العاملين بمشروع «أبوللو» بداية من رواد الفضاء وحتى الفنيين».

ولم تكن محاولة بيريانت هي الأولى، بل لعل الشبهة الأشهر هي العَلم الذي غرزه «فاز ألدرين»، والذي بدا مرفرفًا في الفيديو الذي بثته ناسا، وهو ما يستحيل علميًا لعدم وجود هواء بالفضاء. وهو ما فسرته ناسا ببساطة، فألدرين كان يحرك سارية العلم لغرسها بتربة القمر، مما تسبب بظهوره مرفرفًا هكذا. وتمتد أصابع الاتهام نحو المخرج ستانلي كوبريك كأحد من ساعدوا ناسا لإخراج الفيلم.

هجمات 11 سبتمبر.. الحكومة الأمريكية متورطة؟!

في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، وبحسب الرواية الرسمية الأمريكية، اختطف متطرفون إسلاميون أربع طائرات ركاب، واصطدموا بها بأربعة مواقع مختلفة، هي برجا مبنى التجارة العالمي، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، وحقل بنسلفانيا. ولم تكد ساعات قليلة تمر حتى ظهرت العديد من نظريات المؤامرة حول الحادث.

وعلى الرغم من مرور ما يقارب 17 عامًا، إلا أن هذه النظريات ما زالت قائمة بقوة. فبحسب دراسة أجرتها جامعة «شابمان» بكاليفورنيا العام الماضي، فإن أكثر من نصف الشعب الأمريكي يعتقد أن حكومته تخفي معلومات تخص هجمات 11 سبتمبر. فعلى مدى سنوات طويلة، نقحت الحكومة فقرات مختلفة من تقريرها الرسمي، ولا تزال بعض المعلومات بشأن الحادث غير واضحة.

ورغم ظهور العديد من التقارير الرسمية من جهات مختلفة منذ انهيار البرجين، فما أن تفقد إحدى النظريات منطقيتها بظهور أدلة جديدة، حتى يتحول المشككون إلى نظرية أخرى. إلا أن الجميع يتفق على نقطة واحدة، وهي أن الحادثة كانت نقطة تحول فاصلة في التاريخ العالمي، مما أهلها بامتياز لتكون موضوعًا دسمًا لعشرات التقارير والتحقيقات الصحفية، ومعها ثارت التساؤلات.

لماذا فشلت القوات الجوية الأفضل في العالم في اعتراض أي من الطائرات الأربع؟

الإجابة طبقًا لنظرية المؤامرة هي أن رئيس الوزراء آنذاك ديك شيني أصدر أوامره للجيش بعدم التدخل لاعتراض الطائرات. أما التقرير الرسمي فصرح بأن الحادث كان واقعة اختطاف غير اعتيادية لعدة طائرات في آن واحد بالقوة، في حين أن أجهزة الإرسال والاستقبال بالطائرات إما مغلقة أو تم تغييرها، كما كان هناك تدريب روتيني لقوات الدفاع الجوي ذلك اليوم، ما ساهم في حدوث اللبس.

اقرأ أيضًا:-

في ذكرى 11 سبتمبر.. هل قتلت أمريكا مواطنيها ثم ألصقت التهمة بـ«الإرهاب»؟

أحد منظمي المرور الجوي، كولين سكوجينز كان على تواصل مستمر يومها بقوات الجيش، ولم يشهد أي تأخر في الاستجابة. يقول سكوجينز «كان هناك لبس وقصور في التواصل بين هيئة تنظيم المرور الجوي المدني وقوات الجيش».

أما السؤال الثاني الأكثر انتشارًا هو لماذا انهار برجا التجارة بهذه السرعة رغم أن الحريق لم يتجاوز فترة الساعتين؟ نظرية المؤامرة هنا تقول إن البرجين سقطا بسبب متفجرات يمكن التحكم بها عن بعد وليس بسبب الحريق أو التصادم، وهو ما يفسر الانهيار السريع للبرجين في أقل من عشر ثوان، وكذلك أصوات الانفجارات التي تم الإبلاغ عنها، والشظايا المتطايرة التي يمكن مشاهدتها ببعض الطوابق أسفل موقع الانهيار.

والرد المفصل على هذه الشكوك بحسب تقرير أصدره «المعهد القومي للمعايير والتكنولوجيا»، مفاده أن تصادم الطائرات أصاب الأعمدة الرئيسية ودمر نظام الوقاية من النيران، كما أريق ما يقرب من 10 آلاف جالون من وقود الطائرات على عدة طوابق مما أشعل حريقًا بدرجة حرارة فاقت الألف درجة مئوية، والذي بدوره أدى لانحناء الأعمدة وصدور الأصوات الشبيهة بالانفجارات.

وذكر التحقيق أن المتفجرات التي يتم التحكم بها عن بُعد عادة ما يتم زراعتها في الأدوار السفلية، بخلاف ما حدث في برجي التجارة اللذين انهارا من قمتهما. كما أنه ليس هناك أدلة على تواجد أي متفجرات رغم البحث المكثف، وليس هناك أي قطع في الأعمدة أو الحوائط والتي عادة ما تصاحب المتفجرات من هذا النوع، بحسب التحقيق.

انتبهوا.. الكائنات الفضائية على الأبواب

في يوليو (تموز) عام 1947، وأثناء تفقده لأحد الحقول بإحدى مناطق الشمال الغربي لمدينة روزويل بولاية نيو ميكسيكو، وجد الريفي الأمريكي ماك برازيل حطامًا وبقايا لم يستطع تحديد ماهيتها. على الفور أصدرت إحدى القواعد العسكرية القريبة بيانًا بمعلومات تخص الحطام، ادعت فيه بأنها بقايا منطاد كان يعمل في مشروع سري.

لم تثر الحادثة – التي عرفت فيما بعد بحادثة روزويل – اهتمام الكثيرين وقتها، باستثناء بعض الصحف المحلية. إلا أنها عادت للظهور بقوة بعد عدة سنوات مع ازدهار نظريات الفضائيين والحياة على الكواكب الأخرى. فمن وجهة نظر المؤمنين بوجودهم، لم يكن الحطام سوى بقايا مركبة فضائية حملتها قوات الجيش إلى مكان سري، أو بالأحرى، القطاع 51.

ربما لم تحمل منشأة عسكرية بالولايات المتحدة بأكملها ذلك القدر من الغموض الذي حملته القاعدة العسكرية بالقطاع 51. فنظريًا ليست سوى قاعدة جوية عسكرية بصحراء نيفادا على بعد حوالي 150 ميلًا من لاس فيجاس. أما واقعيًا فهي مثار نظريات وتساؤلات عدة، وبخاصة وأن الحكومة الأمريكية لم تعترف بوجودها من الأساس حتى عام 2013. أبرز هذه النظريات يتعلق بتواجد حطام الأطباق الطائرة هناك، في حين يعتقد البعض أنه جرى تشريح جثث لفضائيين بها، إضافة إلى العديد من الحالات المسجلة لرؤية الأطباق الطائرة بالمنطقة.

في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، كانت الطائرات الأمريكية تنفذ عمليات على ارتفاع منخفض بالأراضي السوفيتية وقتها، وهو ما أثار المخاوف من رصدها وإسقاطها. وبالتالي أعطى الرئيس الأمريكي آنذاك أيزنهاور إشارة البدء لتنفيذ مشروع تطوير طائرات يمكنها التحليق على مسافات مرتفعة. وبالطبع، احتاج المشروع مكانًا بمعزل عن المواطنين، وبعيدًا عن أعين الجواسيس، وهي الشروط التي حققها القطاع 51 بامتياز.

بحلول صيف عام 1955، بدأت التقارير تنهال بمشاهدة «أجسام طائرة مجهولة» بالقطاع، والتي تزامنت مع إجراء اختبارات الطراز الجديد من الطائرات حينها (يو-2)، والتي تمكنت من التحليق على ارتفاع غير مسبوق في ذلك الوقت وصل إلى 60 ألف قدم، في حين كان متوسط الارتفاع الذي تبلغه الطائرات التقليدية وقتها يتراوح ما بين 10-20 ألف قدم، وهو ما يفسر العديد من المشاهدات التي اعتقد أصحابها أن ما يرونه هو أطباق طائرة، في حين التزمت الجهات الرسمية الصمت حفاظًا على سرية المشروع.

لماذا يؤمن الناس بنظريات المؤامرة؟

التساؤل نفسه طرحته أستاذة علم النفس بجامعة كينت كارين دوجلاس. والواقع أنه لا توجد إجابة بسيطة، فمع الوضع بالاعتبار العديد من نظريات المؤامرة التي تختلف في قوة انتشارها، نجد أن أكثر من نصف الشعب الأمريكي يؤمن بإحداها على الأقل.

«هو أمر طبيعي للغاية، فعندما تقع حادثة ما، يبحث الناس عن تفسير مقنع، وغالبًا ما تكون التفسيرات الرسمية مبهمة وغير مقنعة لهم» بحد تعبير دوجلاس، وتتابع قائلة «تظهر نظريات المؤامرة كنتيجة مباشرة لحاجة الناس لتفسيرات، وتستمد قوتها من حجم الحدث نفسه».

ومع تعمق دوجلاس في البحث عن السبب الذي يجعل البعض مقتنعًا بهذه النظريات أكثر من الآخرين، وجدت أن لديهم نزعة داخلية أقرب للنرجسية، للشعور بالتميز، بأن لديهم معلومات غير متوفرة للعامة. أو كما وصف الكاتب «مايكل بيليج عام 1984 «نظرية المؤامرة تمنح صاحبها فرصة لحيازة معلومات فورية خفية وبالغة الأهمية، بالتالي يشعر بأنه صار خبيرًا لديه من المعرفة ما يفوق حتى أكثر الخبراء تمرسًا».

اقرأ أيضًا:-

لماذا أضحت «نظريات المؤامرة» رائجة في عالمنا اليوم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد