الحياة الطليقة في ظــــل حكومة ظالمة هي السجن بعينه لمن ينشد في الحياة عدلًا.

هكذا يتحدث هنري ثورو المفكر الأمريكي في مقال له عن “العصيان المدني”، وكان “هنري” هو أول من يكتب عن فكرة المقاومة غير المسلحة، ومن المواقف التي تعزز تلك المقولة:

أنه عندما سُجن هنري بسبب أفكاره، جاء صديقه والدو أميرسون لزيارته وسأله مداعبًا: “هنري… ماذا تصنع هنا خلف القضبان؟”، فرد “هنري” مستنكرًا: “بل أنت يا والدو… ما الذي تصنعه خارج القضبان؟”. في نصيحة ضمنية لصديقه بأنه يجب أن يقاوم أي قانون يرفضه الضمير الحر حتى لو كان ذلك العصيان سيؤدي به إلى السجن.

“لا يتعين أن تعلّموا الناشئة احترام القانون بمقدار ما ينبغي أن تعلموهم احترام الحق. إن النتيجة الحتمية لاحترام القانون بغير ما هو موجب، هي أن نرى الأفراد المجنّدين في هذه الصفوف من الضباط والجنود يســـيرون في نظام عجيب غريب وانضباط أعجب وأغرب، فوق السهول والجبال، إلى حـــومات القتال على رغم إرادتهم. نعم، على رغم إرادتهم وعلى رغم إدراكهم الفطري الســـليم، وعلى رغم ما تمليه عليهم ضمائرهم”. هنري ثورو

اعترض “ثورو” على السياسة الأمريكية تجاه الحرب المكسيكية ومعاملة العبيد، والهنود الحمر، تلك السياسة التي ارتكزت على قوانين عنصرية استبدادية ظالمة، ورفض دفع الضرائب اعتراضًا عليها.

وعلى الرغم من أن عصيان “ثورو” السلمي أقرب إلى الفردية منه إلى الجماعية، ولكنه غرس بذرة ترعرعت لشجرة نقطف منها 3 ثمرات هم أبطال تقريرنا اليوم، الذين استخدموا فكرة العصيان المدني بشكل جماعي والمقاومة السليمة ونجحوا في إحداث التأثير الذي يريدونه ضد الظلم والاستعمار والعنصرية، مستلهمين بأفكار ثورو ومطورين له وفقًا لما يقتديه تطور المجتمعات:

1- مهاتما غاندي


المهاتما غاندي” أشهر المناضلين الهنود في التاريخ، الذي كان يقود الحراك المناهض للاستعمار البريطاني في القرن العشرين، ومؤسس فلسفة “اللا عنف” في المقاومة، ويعتبر غاندي هو أول مثال ناجح ينتهج تلك الفلسفة بشكل جماعي، وأصبح بعد ذلك رائدًا لفلسفة “اللا عنف ” والعصيان المدني.

بداية القصة

 

كان غاندي محاميًا مغتربًا في جنوب أفريقيا وبدأ نضاله هناك “سياسيًّا” و”إعلاميًّا” أسس حزبًا في جنوب أفريقيا ليدافع عن حقوق الهنود، كما أسس صحيفة الرأي الهندية والتي شرح من خلالها مفهومه حول النضال السلمي قبل أن يعود إلى بلاده عام 1915 ليستأنف نضاله “ميدانيًّا” وينظم احتجاجات المزارعين والعمال في المناطق الحضرية ضد جشع وعنصرية المستعمر.
وفي عام 1921، تولى غاندي قيادة المؤتمر الوطني الهندي، ليقود حملات وطنية لتخفيف حدة الفقر وكان أحد أبرز شعاراته “القضاء على الفقر”، بتحقيق الاستقلال عن الاحتلال البريطاني أوجع الهنود بفرض الضرائب الباهظة والتمييز في المعاملة.

ولجأ “غاندي” إلى تحقيق أهدافه بالمقاومة السلمية عن طريق العصيان المدني، والهدف من وراء تلك العقيدة أن تغيّر من خصمك؛ فتكسب عقله وقلبه، ثم تقنعه أن رؤيتَك هي الرؤية السليمة، وليست ضعفًا كما يظنها البعض ولكنها تجرد العدو من سلاحه وتجعله في حرج دائم بالاعتماد على الوعي الشعبي الجماهيري دون استخدام القوة.

إن عقيدتي السلميّة لا تعترف بالجبن ولا تنادي بالتخلّي عن الأعزاء من غير درع واقٍ، ولو خُيّرت بين العنف والجبن لاخترت العُنف عليه؛ فلا يمكنُ أن أعظ سلميًّا وهو جبان، بل إنني أفضل عليه رجلًا أعمى أحاول تمكينه من رؤية الحياة على حقيقتها. غاندي

 

مسيرة الملح



في عام 1930، قاد “غاندي” حراكًا سلميًّا مهيبًا سمي بـ”مسيرة الملح” جاء احتجاجًا على القوانين البريطانية التي تحتكر الانتفاع بالملح في الهند وتفرض الضرائب الباهظة على الفلاحين.

وشارك في تلك المسيرة الشعبية عشرات الآلاف من الهنود الذين قطعوا مسافة 400 كيلومتر سيرًا على الأقدام، واستغرقت 24 يومًا لاستخرج الملح.

إذ امتدت من “سبارماتي أشرام” إلى “داندي” لإنتاج الملح دون دفع الضريبة، واُعتقل غاندي خلال مسيرة الملح إلا أن اعتقاله لم ينجح في إيقاف المسيرة التي كان لها الدور الأكبر في لفت أنظار العالم إلى قضية استقلال الهند.

ولم تنتهِ حركة العصيان المدني إلا عندما تم التوصل إلى معاهدة دلهي التي أنصفت الهند في النهاية على حساب المستعمر البريطاني.

2- مارتن لوثر كينج


في مدينة أتلانتا ولاية جورجيا الأمريكية، حيث سادت أبشع مظاهر التمييز والتفرقة العنصرية بين السود والبيض، ولد مارتن لوثر كينج الزعيم الحقوقي في 15 يناير 1929، ذلك الشاب الذي غير وجه العنصرية القبيح للولايات المتحدة بفضل نضاله السلمي “اللا عنفي”.

فالفترة الزمنية التي كان يعيش فيها “كينج” كانت العنصرية مُقننة بأمريكا، فإن كنت أسود لا يحق لك حق الانتخاب بالقانون، وبالعُرف الذي كان أقرب إلى القانون لا يمكنك أن تجلس في المواصلات العامة وهناك شخص أبيض واقف، عليك أن تترك الكرسي كي يجلس المواطن الأبيض.

“الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام؛ الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك؛ الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية؛ الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك”. – مارتن لوثر كينج

كان هذا المعنى المنطلق الذي تحرك منه “كينج” الشاب العشريني في كفاحه ضد عنصرية الدولة الأمريكية آنذاك، ففي عام 1955، رفضت سيدة سوداء تُدعى روزا باركس أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعًا، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها!

وتعد تلك الحادثة نقطة فاصلة في تاريخ “كينج” النضالي، إذ أطلق كينغ بعدها حملة مقاطعة لشركة الحافلات استمرت عامًا كاملًا تكبدت خلالها الشركة خسائر شديدة، وأدت في النهاية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما عام 1956، حين استقل كينغ وزملاء له في النضال حافلة مختلطة.

الحج من أجل الحرية

وفي عام 1957، قاد كينج مسيرة ضمت مئات الآلاف المحتجين ضد العنصرية الأمريكية في قانون الحقوق المدنية الذي لا يُعطي للسود الحق في الانتخاب، وعُرفت تلك المسيرة باسم “الحج من أجل الحرية”.

“أعطونا الحق في الانتخاب”.

هكذا صرخ “كينج” في كلمته وسط تلك الجماهير الثائرة أمام نصب لينكولن التذكاري، الذي انتقد فيها سياسات حزبي أمريكا الرئيسيين (الحزب الديموقراطي، والحزب الجمهوري) وأدت مساعيه في النهاية إلى تسجيل 5 مليون مواطن أسود في سجلات الناخبين الأمريكية.

النضال لم يتوقف بعد!

 


حلمي ضارب بجذوره العميقة في الحلم الأمريكي من العيش الكريم، ولم يرضخ تحت قيود العزل ولم تكبل إرادته بـسلاسل التمييز. –كينج



هكذا أكد “كينج” في خطابه الذي ألقاه أمام مئات الآلاف الذين تجمعوا -1963- من كل أنحاء أمريكا عند نصب لينكولن التذكاري بقلب العاصمة واشنطن فيما عُرف آنذاك “بأكبر احتجاج بتاريخ الحقوق المدنية”، وكان سبب الاحتجاج هذه المرة هو عدم سداد الحكومة الأمريكية ديون مالية مستحقة للسود، وقال: “بدلًا من أن تفي بما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكًا بدون رصيد، شيكًا أعيد وقد كتب عليه أن الرصيد لا يكفي لصرفه”.
واختتم خطابه: “أقول لكم اليوم، يا أصدقائي، إنه على الرغم من الصعوبات والإحباطات، ما زال لدي حلم.. أنه في يوم ما ستنهض هذه الأمة وتعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها الوطنية بأن كل الناس خلقوا سواسية”.

وتوج الحراك بمقابلة وفد يمثله مع الرئيس الأمريكي -آنذاك- جون كنيدي الذي دعم موقف المحتجين بإعلان قانون الحقوق المدنية.

جوائزه

 

كان “كينيج” أول أمريكي من أصل إفريقي يحصل على لقب شخصية العام لمجلة تايم لسنة 1963، وكان آنذاك أصغر شخص يحصل على جائزة نوبل للسلام عن عمر يناهز 35 عامًا.


3- مسيرة كيب تاون السلمية


لا يمكن اعتبار النضال الجنوب إفريقي ضد نظام الفصل العنصري سلميًّا على طول حركته، تمامًا كما لا يمكن فصل ثمار إنجازات مارتن لوثر السلمية عن مشاغبات مالكوم إكس العنيفة، ولكن من المؤكد أن الجولات اللا عنيفة في مسيرة الصراع كانت تحمل تأثيرًا مفصليًّا.

في 13 أغسطس عام 1989م، قاد الأسقف الإنجيلي ديموند توتو، وعدد من رجال الدين والمجتمع المدني – السود والبيض- مسيرة “كيب تاون السلمية”، التي شارك عشرات الآلاف (من 20 لـ30 ألف( من المتظاهرين،، احتجاجًا على نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا وحالة الطوارئ وحظر الأحزاب على رأسها حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” حزب نيلسون مانديلا الذي كان معتقلًا آنذاك.

وعلى عكس التحركات الاحتجاجية السابقة التي كانت تشتبك معها الشرطة لردعها طوال الـ3 سنوات الماضية لذلك اليوم، لم تعترض الشرطة هذه المرة مسيرة كيب تاون ليتدفق عليها الجماهير الغاضبة من نظام الفصل العنصري التي حُكمت به جنوب إفريقيا، مما جعل قادة المعارضة يؤكدون أنه في غياب التدخل الأمني تمشي الأمور بسلام، مؤكدين استمرار حراكهم حتى تسترد حريتهم.

لقد أثبتنا اليوم أنه في غياب الشرطة وهراواتها وغازها المُسيل للدموع، يمضي اليوم بسلام بلا عنف، هذا انتصار عظيم لشعبنا ولكنه ليس نهاية الطريق، فأمامنا الكثير لنقوم به كي نحقق الحرية. عبد الله عمر- زعيم حزب معارض

ففي 6 أغسطس 1989، أجريت انتخابات الرئاسية بجنوب إفريقيا للبيض فقط، ونجح فيها فريدريك دكلارك على بوثا ليخلفه في الرئاسة، وكان من أكثر الأيام دموية إذ قتلت الشرطة حوالي 20 محتجًا ضد النظام العنصري، لذلك مرور مسيرة كيب تاون السلمية دون اعتراض الشرطة كان مؤشرًا على توجه الحكومة الجديد حول مسألة الحريات.

“ليس هذا هو الوقت الذي نؤجج فيه الخلافات القائمة بمجتمعنا.. علينا الآن إيجاد الأرضية المشتركة من خلال الحوار السلمي”. –فريدريك دكلارك

هكذا صرح رئيس جنوب إفريقيا “دكلارك” بعد مسيرة كيب تاون، الذي مال لعدم قمعها بالقوة – بالرغم من معارضة الأجهزة الأمنية- حتى لا تؤدي إلى مواجهات عنيفة تمثل دعاية سلبية له.

وأعلن اعتزامه إجراء حوار مع قادة المعارضة السود لرسم مستقبل جنوب إفريقيا معًا، وبعدها بشهور أطلق سراح نيلسون مانديلا، ولم يعد حزبه محظورًا، ونجح مانديلا في أول انتخابات رئاسية- أبريل 1994- ترشح لها بعد إطلاق سراحه ليصبح بذلك أول رئيس أسود يحكم جنوب إفريقيا، بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع فرديدريك دكلارك عام 1993.

وبذلك مثلت مسيرة “كيب تاون” السلمية نقطة تحول في التاريخ الجنوب الإفريقي جعلها تتجه نحو الديموقراطية بعيدًا عن السياسات العنصرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد