تختلف الوظائف التي يمكن أن شغلها الشخص، وتختلف بناءً عليها المتطلّبات النفسية والعقلية والبدنية التي يجب توافرها في القائم بهذه الوظيفة. بالطبع، هناك الكثير من الوظائف التي تنطوي مهامها على الكثير من المصاعب والمشاق، إلا أن وظيفة «منفّذ الإعدامات» تختلف عن كل ما يمكن تصوره من الوظائف والمهام؛ فالمطلوب من منفّذ الإعدامات هو اقتناص أرواح الآخرين، وحضور هذه اللحظة التي ينتقل فيها هؤلاء المدانون من عالم الحياة إلى الموت.

مجرد تصور هذه اللحظة قد يبدو صعبًا على النفس، بينما أن تكون أنت الشخص الذي يجذب عصا المشنقة قد يبدو أمرًا يصعب على العقل تصوره، ورغم ذلك، فهناك من وجدوا أنفسهم في هذه الوظيفة القاسية، وقد شعروا بأن هذا ما يجب عليهم فعله، مثلما قد تفكّر أنت في أن بيتهوفن قد خلق لتأليف المقطوعات الموسيقية. في هذا التقرير، نلقي الضوء على مجموعة من قصص هؤلاء الأشخاص الذين «أبدعوا» في هذه المهمة، وقد خلّدوا أسماءهم في التاريخ.

1- يوهان رايخهارت.. مندوب الموت

وُلد يوهان رايخهارت في عام 1893 لعائلة من الجلادين على مدار ثمانية أجيال. وقتل 3165 شخصًا، وكان يوهان قد بدأ العمل عندما انضم للجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، وخدم عسكريًّا، وفي عام 1924 تقدّم يوهان بطلب لوزارة العدل بولاية بافاريا لتنصيبه جلادًا، وبالفعل وافقت الوزارة على تنصيبه، وتولّى تنفيذ الإعدامات الواردة لولاية بافاريا باستخدام المقصلة التي اعتبرها أفضل وسائل الإعدام.

ذاعت شهرة يوهان في ألمانيا وتخطت الحدود، وتسببت له في مشكلات، ما دفعه للهروب من ألمانيا والاستقرار في هولندا والعمل بائعًا للخضراوات، حتى وصل هتلر إلى حكم ألمانيا في عام 1933، ليعود يوهان لبلده بعد غياب أربع سنوات، وينضم للحزب النازي.

خلال الفترة النازية من 1939 وحتى 1945، عمل يوهان على مقصلة جديدة طوّرتها ألمانيا، وأصبح يوهان أحد أهم أربعة جلادين في العصر النازي، فقام بإعدام 2887 رجلًا وامرأة، بعدما استبد الحكم الألماني في هذه الفترة، وكثرت أحكام الإعدام التي كانت تصدق عليها محكمة الشعب، وكانت أغلب التهم سياسية مثل الخيانة العظمى لأعضاء حركات المقاومة الألمانية.

يوهان رايخهارت يتوسط الصورة مع مقصلته- المصدر ذا فيفث فيلد

لسنوات حافظ يوهان على طقوسه الخاصة في عمله؛ فكان يرتدي ملابس الجلاد الألماني الكلاسيكية، والمكونة من قبعة وقفازات ومعطف أسود وقميص أبيض وربطة عنق سوداء. توسعت أعمال يوهان وعمل جلادًا في أنحاء أوروبا بما فيها بولندا والنمسا، ولكنه تخلص من مقصلته برميها في النهر فور دخول الحلفاء ألمانيا عام 1945، واستجوابهم له، باعتباره عضوًا في الحزب النازي، لكنه لم يحاكم بسبب قيامه بواجبه.

قام الأمريكيون بتوظيف يوهان جلادًّا لإعدام مجرمي الحرب النازيين شنقًا حتى عام 1946، وخلال هذا العام تقدم يوهان لقائد السجن وأبدى قلقه من قتله لأناس أبرياء، ثم بدأ في الاعتراض على قتل ألمان مثله، وكتب في سجلاته الخاصة أنه كان يفضل مواجهة القضاء على أن يبقى جلادًا في هذه الظروف، وبالفعل ألقت الشرطة القبض على يوهان من منزله عام 1947، وتم اعتقاله لمدة عام، حتى محاكمته ومعاقبته بالسجن لمدة عامين ومصادرة 50% من أملاكه، وبعد خروجه من السجن تم منعه من ممارسة الحقوق السياسية أو قيادة سيارة أو امتلاكها، حتى توفي في دار مسنين عام 1972.

من حكايات القتلة المتسلسلين.. هل يمكن للمرض العقلي أن يجعلك «سوبرمان»؟

2- فاسيلي بلوخين.. بطل القتل المرخص

ولد فاسيلي عام 1885، وانضم لقوات الجيش الإمبراطوري الروسي، ثم جهاز الأمن القومي السوفيتي، وعُرف عنه عدم تردده في إطلاق الرصاص، وتنفيذ عمليات الإعدام، حتى تم تنصيبه مسؤولاً لفرقة الإعدام بجهاز الشرطة السرية السوفيتية بين عامي 1926 و1952، بأمر من جوزيف ستالين شخصيًّا. قتل فاسيلي عشرات الرجال والنساء في عمليات التطهير الكبرى التي قادها ستالين في ثلاثينيات القرن الماضي ضد المثقفين ورجال الدين والفلاحين.

وخلال تلك الفترة، أوكل جهاز الشرطة السرية السوفيتية لفاسيلي القيام بعمليات القتل في معسكرات السجون السوفيتية، وكان ما إن يصل فاسيلي إلى السجن يدخل إلى قبو معزول لا يصل ما يحدث بداخله إلى سمع أحد، ذي أرضية مائلة وأحواض صرف للتخلص من الدماء.

كان يبدأ العمل عندما يرتدي زيه الخاص للقتل، والمكون من غطاء جلدي كامل ومعطف جلدي طويل، وقفازات تصل إلى المرفقين، ثم يفتح حقيبته المملوءة بالمسدسات الشخصية، خاصة وأنه كان محترفًا في عمله ولا يستخدم أدوات الآخرين، ثم يطلق رصاصته على رأس السجين فيرديه قتيلًا في لحظة، ما رفع متوسط عدد القتلى على يد فاسيلي إلى رجل كل ثلاث دقائق، خلال نوبات عمله التي قد امتدت إلى 10 ساعات.

صورة لفاسيلي بلوخين

حصد فاسيلي أكبر عدد من الأرواح في عملية قتل جماعي قام بها رجل واحد، إذ أطلق الرصاص على 7 آلاف أسير بولندي في 28 يومًا فقط، فيما عُرف بمذبحة كاتين عام 1940. وكانت هذه المذبحة بأمر من ستالين، عزم فيها فاسيلي على قتل 300 شخص يوميًا من الأسرى، وإلى جانبهم قتل السوفيتيين أكثر من 20 ألف ضابط بولندي، كان فاسيلي مسؤولًا عن قتل عدد ضخم منهم في معسكر أوشاشكوف، وبذلك فاز بلقب أفتك الجلادين على مر العصور في موسوعة جينيس للأرقام القياسية للجلادين الرسميين الأكثر قتلًا.

قام فاسيلي بعدد من المهام الخاصة لرؤسائه، وتضمن بعضها قتل رؤسائه السابقين في جهاز الشرطة السرية السوفيتية، وفضل فاسيلي المسدسات على البنادق لأنها تسبب ألمًا أقل في مفصل اليد عند الاستخدام لوقت طويل. أما بالنسبة للحكومة السوفيتية، فقد فضلت المسدسات في عمليات القتل الجماعي لأنها كانت صناعة ألمانية، وعند الكشف عن المقابر الجماعية يمكن للسوفييت إنكار التهمة، وحدث ذلك الإنكار بالفعل في مذبحة كاتين، ليتم الكشف عنها بعد وفاة ستالين.

خسر فاسيلي عمله بعد وفاة ستالين، وجرده خورتشوف من كافة أوسمته ورتبته العسكرية، لتسوء حالة فاسيلي ويدمن على الخمور، حتى تُوفى عام 1955، وتم تشخيص سبب وفاة فاسيلي على أنها انتحار شنقًا.

مسالخ التعذيب.. إليك أكثر 5 أجهزة مخابرات رعبًا في التاريخ الحديث

3. الحاج عبد النبي.. الشخص المناسب للعمل المناسب

الحاج عبد النبي هو «عشماوي» جمهورية مصر العربية الحالي، والمختص بتنفيذ أحكام الإعدام، ذو رتبة مساعد أول شرطة بمصلحة السجون التي عمل بها 25 عامًا. ومارس عبد النبي هوايته للقتل بداية بقتل الحيوانات الأليفة، فكان يخنق ويشنق القطط والكلاب ثم يغرقهم في الترع وهو صبي لا يتعدى 15 عامًا. وتأثر بهوايته تلك حتى أنه كان يقوم بمحاولة شنق الأطفال أثناء اللعب ثم يراجع نفسه ويذكرها بأن ما يحاول شنقه هو طفل وإنسان وليس قطة.

عمل عبد النبي في بداية شبابه بالنقاشة ودهان الحوائط، واكتفى في تعليمه بالمرحلة الإعدادية ثم تطوع في جهاز الشرطة، وعلى أثر ذلك أصبح سائق ترحيلات لسجن القناطر لسبع سنوات، وخلال تلك الفترة كان عبد النبي يتردد على منفذ أحكام الإعدام مصر وقتئذ، يطلب منه أن يصبح مساعدًا له، حتى نجح في الاختبارات وتمت الموافقة عليه، وعندما أخبروه بأن عليه تربية شاربه قال بأن الإعدام ليس بالشوارب، وإنما بـ«القلب الميت» وأنه بالفعل يمتلك موهبة «جامدة» في القتل، وقلبًا ميّتًا.

في حوار مصور معه، قال الحاج عبد النبي: «أنا أحب عملي»، وذكر أنه أعدم ما يقرب من 800 شخص قاموا بجرائم مختلفة، فهو القائم بإعدام كل المتهمين في جرائم القتل، كما أنه عندما يأتي الأمر لمهام العمل فإنه قاس لا يلين مع القاتل والزاني، بحسب قوله، مهما كبر أو صغر سنه.

تحدث عبد النبي عن رضاه عن عمله الذي يقوم به من أجل الله، وعن عطفه وقلبه الحنون مع أفراد أسرته، وحكى عن اليوم الذي تم تنصيبه عشماوي مصر أنه أوكل لأحد النجارين تصميم طاولة الإعدام وحبل المشنقة وأحضر ملابس الإعدام الحمراء، وجمع كل ذلك في صندوق خشبي وذهب به للمنزل، وقام أولاده بتمثيل عملية الإعدام بأن أعدموا أختهم في ملابس الإعدام.

«جماعات الدم 2»: الخنّاقون.. 6 قرون في الظل ومليونا إنسان قتلوا بخِرَق القماش!

4. فرناندو ألفاريز دي توليدو.. أن تُدرك المشكلة متأخرًا

ولد فرناندو في عام 1508 لإحدى العائلات القشتالية الرفيعة، وانتسب لأباطرة بيزنطة. تم تأسيس فرناندو منذ طفولته على أن يصبح محاربًا، ورجل دولة، حتى شارك في الحرب ضد فرنسا وهو في السادسة عشرة من عمره، ثم قاتل الأتراك في المجر بعد ذلك بعام، حتى وصلت أخبار شجاعته للإمبراطور شارل الخامس، واستمر في المشاركة بالحروب التي خاضتها إسبانيا حتى 50 عامًا.

قتل فرناندو في حياته قرابة 6 آلاف شخص وفقًا لخليفته في المنصب، ريسيسنس، ولكن كان فرناندو محبًا للتباهي بقتله الأشخاص، وبالغ كثيرًا في قدرته وعدد الرؤوس التي قطعها، حتى أنه زعم قتل 18 ألف هولندي، منهم 8 آلاف قال إنه قتلهم في يوم واحد. وذكر خليفته عنه أنه كان مخلصًا للملك ويكاد يكون عبدًا له عند تنفيذ الأوامر، وقال خليفة فرناندو أنه نفذ الأوامر الملكية في هولندا وحافظ على شعبية الملك وقمع المتمردين.

صورة لفرناندو ألفاريز

حدث ذلك مع حكم فيليب الثاني لإسبانيا، والذي دعا لإقامة الحكم الاستبدادي، وكلف فرناندو بقيادة الجيوش بصلاحيات محدودة، ثم عين الملك فيليب فرناندو رئيسًا للجلادين في فترة عمل محاكم التفتيش الإسبانية، ولكن بمرور الوقت أصبح فرناندو نائبًا عن الملك حتى في الزواج، فقد سافر فرناندو إلى فرنسا للزواج بالنيابة عن الملك من ابنة هنري ملك فرنسا وعقد هدنة سلام.

بعد ذلك شارك فرناندو الملك فيليب الثاني تنفيذ رغبته للقضاء على البروتستانتية بهولندا من أجل الحفاظ على الحكم، فقاد جيشًا قوامه 10 آلاف جندي بصلاحيات مفتوحة والاتجاه إلى هولندا عام 1567، وهناك شكل محكمة أسماها «مجلس الاضطرابات» ، والذي لقّبه البروتستانت بـ«مجلس الدم» من أجل معاقبة المشاركين في أعمال الشغب التي تهدد عرش الملك.

وخلال 10 سنوات عمل فيها «مجلس الدم» على إعدام آلاف الأشخاص، وعلى اختلاف الأعداد المذكورة، إلا أنه تم توثيق 5297 حالة إعدام من البروتستانت والكاثوليك المعارضين لقتل البروتستانت. في مرحلة متأخرة أدرك فرناندو أن ما أحدثه من عنف كان بلا جدوى، وأن الله لن يكون راضٍ عما فعله، وتوسل للملك فيليب ليحيله للتقاعد، ليتم إعفاؤه، ويعود بعد ذلك أخيرًا إلى إسبانيا.

جماعات الدم: «الفايكنج» الذين روعوا أوروبا ووصلوا إلى شواطئ أمريكا والأندلس

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!