فاطمة نادي 27
فاطمة نادي 27

648

شكل السفرُ إلى الفضاء حُلمًا راود البشرية منذ قديم الزمان؛ أملًا في النظر إلى الكون خارج دائرة الأرض الضيقة، واستكشاف أبعاده الفسيحة، والبحث عن أشكال أخرى للحياة. دفعت هذه الرغبة الطموحة العلماء لتطويع التطور الهائل في مجال التكنولوجيا في علوم الفلك واستكشاف الفضاء؛ ونتيجةً لذلك صرنا نرى الصواريخ المتطورة والمركبات الفضائية العملاقة، التي تحمل البشر و«الروبوتات» في مَهمَّات تجوب الكون، وتعود مُحمّلة بالمعلومات المدهشة عن مختلف الأجرام السماوية المحيطة بنا.

حتى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، كان إجمالي عدد من سافروا إلى الفضاء من البشر 536 شخصًا، بلغ عدد الإناث بينهم 59 سيدة فقط. وتتوزع جنسيات أولئك السيدات بين 44 سيدة من الولايات المتحدة الأمريكية، وأربع سيدات من روسيا، واثنتين من كل من كندا، والصين، واليابان، وواحدة من كل من فرنسا، والهند، وإيطاليا، وكوريا الجنوبية.

في السطور التالية، نسلط الضوء على أبرز رائدات الفضاء اللاتي كان لهن السبق في خوض غمار هذا المجال المثير، من هن؟ وما المهمات التي شاركن فيها؟ وكيف أسهمن في تقدم علوم الفضاء؟

1- فالنتينا تريشكوفا.. سيدة الفضاء الأولى

بعد أن أصبح الروسي يوري غاغارين أول رجل يسافر إلى الفضاء في عام 1961، تطوعت فالنتينا تريشكوفا التي ولدت في قرية صغيرة في إقليم ياروسلافل الروسي في برنامج الفضاء السوفيتي، وجرى قبولها في البرنامج من بين 400 متطوعة، وصل منهن خمس فقط إلى التصفيات النهائية، واختيرت فالنتينا منهم لتكون أول سيدة تغادر الغلاف الجوي للأرض، وتصبح سيدة الفضاء الأولى.

كانت مهارتها الفائقة في القفز بالمظلة سبب نجاحها في اختبارات القبول؛ إذ أجرت 126 عملية قفز ناجحة بالمظلة، الأمر الذي كان ضروريًا في ذلك الوقت؛ لحتمية خروج رواد الفضاء بالمظلة من كبسولات السفر قبل أن تعود إلى الأرض ببضع ثوان.

انطلقت فالنتينا على متن مركبة الفضاء «فوستوك 6» في 16 يونيو (حزيران) عام 1963؛ لتصبح أول سيدة تسافر إلى الفضاء وكانت تبلغ من العمر حينها 26 عامًا. وخلال الرحلة التي استغرقت 70.8 ساعة، دارت «فوستوك» 48 دورة حول الأرض.
بالإضافة إلى ذلك، أجرت فالنتينا بعض التجارب الطبية الحيوية؛ لمعرفة المزيد عن تأثير بيئة الفضاء على جسم الإنسان.

2- سالي رايد.. أول سيدة أمريكية تسافر إلى الفضاء

ولدت في 26 مايو (أيار) عام 1951 بولاية كاليفورنيا، وانضمت إلى ناسا في عام 1978 بعد حصولها على درجة الماجستير في العلوم، والدكتوراه في الفيزياء من جامعة ستانفورد في عام 1975، وفي سن الثانية والثلاثين، أصبحت أول سيدة أمريكية تسافر إلى الفضاء، فضلًا عن كونها أصغر رائد فضاء أمريكي سافر إلى الفضاء.

انطلقت في أول رحلة فضائية لها على متن المكوك الفضائي «تشالنجر»، التي بدأت في 18 يونيو عام 1983، وعادت إلى الأرض في الرابع والعشرين من الشهر نفسه.

وشملت المهام المتعلقة بالبعثة، إطلاق أقمار اتصالات صناعية لكل من كندا وإندونيسيا. كذلك، قام طاقم البعثة بأول عملية استعادة ناجحة لقمر صناعي في الفضاء باستخدام ذراع آلية للمكوك، وكانت سالي قد ساعدت في تطويرها؛ لتصبح خلال تلك الرحلة أول امرأة تقوم بتشغيل ذراع آلية لمكوك فضائي.

لاحقًا، قضت سالي عدة سنوات تعمل في مقر ناسا، حيث أسست مكتب ناسا للاستكشاف (NASA’s Office of Exploration)، إلى جانب تعيينها أستاذًا في الفيزياء ومدير معهد كاليفورنيا للفضاء. علاوة على ذلك، كتبت وشاركت في كتابة عدة كتب عن الفضاء تستهدف الأطفال؛ بهدف تشجيعهم على دراسة العلوم.

3- ماي جيمسون.. أول سيدة سوداء تسافر إلى الفضاء

لم يمنع ولع هذه الطبيبة بالفلك وعلوم الفضاء من جعلها تسعى وراء شغفها وتصبح رائدة فضاء، بل وتنال لقب أول امرأة أمريكية أفريقية يجري قبولها في برنامج تدريب رواد الفضاء، التابع لوكالة ناسا في 4 يونيو عام 1987.

ولدت ماي جيمسون في 17 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1956، وحصلت على بكالوريوس العلوم في الهندسة الكيميائية من جامعة ستانفورد في عام 1977، ودرجة الدكتوراه في الطب من جامعة كورنيل في عام 1981.

وفي 12 سبتمبر (أيلول) عام 1992، أصبحت ماي أول سيدة أمريكية أفريقية تسافر إلى الفضاء على متن مكوك الفضاء إنديفور، الذي انطلق بها هي وستة رواد فضاء آخرين إلى الفضاء. وخلال الرحلة التي استمرت ثمانية أيام، عملت ماي خبيرًا للبعثة وأجرت بعض التجارب العلمية المتعلقة بأبحاث الخلايا العظمية، وكانت بعثة تعاونية بين الولايات المتحدة واليابان.

4- إيلين كولينز.. أول سيدة أمريكية برتبة طيار وقائد مكوك فضاء

حصلت هذه السيدة البارزة على عديد من الشهادات، وحققت لنفسها لقبين ضمن أوائل النساء في عالم الفضاء. ولدت إيلين كولينز في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1956، وحصلت على درجة البكالوريوس في الرياضيات والعلوم من جامعة سيراكيوز في عام 1978، بالإضافة إلى درجة الماجستير في أبحاث العمليات من جامعة ستانفورد في عام 1986، ودرجة الماجستير في إدارة النظم الفضائية من جامعة ويبستر في عام 1989.

وفي عام 1995، أصبحت أول امرأة أمريكية تُحلق بمكوك فضاء خلال لقاء مكوك الفضاء الأمريكي «ديسكفري»، الذي شغلت منصب القيادة الثانية به، مع محطة الفضاء الروسية مير. وبحلول عام 1999، كانت قد سجلت 419 ساعة في الفضاء، الأمر الذي دفع وكالة ناسا إلى إسناد منصب القيادة الأولى لمكوك الفضاء «كولومبيا» لها؛ لتصبح أول امرأة تتولى قيادة مكوك فضائي.

5- روبرتا بوندار.. أول رائدة فضاء كندية وأول عالمة أعصاب تسافر إلى الفضاء

طبيبة أخرى تحتل مكانتين في قائمة أوائل السيدات اللاتي سافرن إلى الفضاء، إنها الدكتورة روبرتا بوندار، أول سيدة كندية وأول طبيبة أعصاب تسافر إلى الفضاء. ولدت في الرابع من سبتمبر عام 1945، وحصلت على درجة الماجستير في علم الأمراض السريرية من جامعة ويسترن أونتاريو في عام 1971، والدكتوراه في علم الأعصاب من جامعة تورونتو في عام 1974، بالإضافة إلى زمالة الكلية الملكية للأطباء والجراحين الكندية في علم الأعصاب في عام 1981.

وخلال التجهيز لبرنامج الفضاء الكندي في ديسمبر (كانون الأول) عام 1983، كانت روبرتا تعمل أستاذًا مساعدًا في علم الأعصاب ومدير وحدة مرض التصلب المتعدد في مركز «ماكماستر» الطبي، حيث كانت تقوم بالأبحاث وتمارس العمل السريري في الوقت نفسه.

وكان اهتمامها الخاص ينصب على دراسة الجهاز العصبي، ونظام التوازن الداخلي للأذن، وما يربطه بآلية عمل العين؛ الأمر الذي كان ذا صلة مباشرة بالتجارب التي كان يجري التخطيط للقيام بها في أول رحلة فضاء كندية.

سافرت روبرتا بالفعل على متن مكوك الفضاء الأمريكي «ديسكفري» خلال البعثة (STS-42) في 22 يناير (كانون الثاني) عام 1992، وأجرت خلال المهمة الفضائية التي استمرت ثمانية أيام عدة تجارب، تهدف إلى تمكين رواد الفضاء في المستقبل من القيام برحلات ذات مدة أطول في الفضاء.

وظلت روبرتا على مدى أكثر من عقد من الزمان رئيسةً لقسم طب الفضاء في ناسا، فضلًا عن تلقيها عديدًا من الأوسمة مثل الوسام الوطني الكندي، ووسام أونتاريو، ووسام ناسا للسفر عبر الفضاء، بالإضافة إلى أكثر من 22 درجة فخرية، إلى جانب إدراجها في قاعة مشاهير الطب الكنديين.

6- كالبانا تشاولا.. أول سيدة هندية في الفضاء

تُعد رائدة الفضاء كالبانا تشاولا أول سيدة هندية وأول شخص هندي أمريكي يسافر إلى الفضاء، وثاني شخص من موطنها – الهند – يحلق إلى الفضاء بعد رائد الفضاء الهندي راكيش شارما.

ولدت في كارنال بالهند في الأول من يوليو (تموز) عام 1961، وانتقلت إلى الولايات المتحدة في عام 1982؛ بهدف إكمال دراستها والانضمام إلى وكالة ناسا. حصلت على درجة الماجستير في هندسة الطيران والفضاء الجوي من جامعة تكساس في عام 1984، وحصلت بعدها على شهادة الدكتوراه في التخصص ذاته من جامعة كولورادو.

بدأت عملها في ناسا في مركز أبحاث «أميس» (Ames) في عام 1988، وفي عام 1994 وقع اختيارها ضمن فيلق رواد الفضاء الخاص ببعثة مكوك «كولومبيا» (STS-87) لتنطلق في أول رحلة لها نحو الفضاء الخارجي، وخلال تلك البعثة، سجلت تشاولا 30 يومًا و14 ساعة و54 دقيقة في الفضاء، وقامت بإعادة القمر الصناعي الإسبرطي الذي تعطل نتيجة مشكلات برمجية إلى العمل مجددًا.
وبعد تلك المهمة، عملت كالبانا على مشاريع تقنية في وكالة ناسا، واختيرت للسفر إلى الفضاء في مهمة أخرى هي بعثة (STS-107)، التي كان من المقرر انطلاقها في عام 2002 لكنها ألغيت بعد عدة تأخيرات متكررة ومشاكل فنية، ثم أصبحت جاهزة للانطلاق فى النهاية على متن مكوك الفضاء «كولومبيا» في عام 2003.

وخلال المهمة، أجرت كالبانا وزملاء بعثتها أكثر من 80 تجربة علمية حول الجاذبية الصغرى، والغبار الجوي، ومعايير سلامة رواد الفضاء، وسارت المهمة بنجاح حتى عكر صفوها كارثة وقعت خلال العودة.

كان المكوك الفضائي في طريق العودة إلى الأرض، وكان من المفترض هبوطه في مركز كنيدي للفضاء، لكنه وللأسف الشديد انفجر عند دخوله الغلاف الجوي للأرض. حدث ذلك في صباح الأول من فبراير (شباط) عام 2003، وأسفر عن مقتل كافة أفراد الطاقم الذين بلغ عددهم سبعة من أكفأ رواد الفضاء في ذلك الوقت.
أودت تلك الخسارة المأساوية لمكوك الفضاء «كولومبيا» بحياة أول سيدة أنجبتها الهند تسافر إلى الفضاء، وبعد وفاتها، مُنِحت كالبانا وسام الشرف للفضاء من الكونجرس الأمريكي، ووسام ناسا للسفر عبر الفضاء، إلى جانب وسام الخدمة المتميزة من وكالة ناسا أيضًا.

7- بيجي ويتسون.. أول سيدة تتولى قيادة محطة الفضاء الدولية مرتين

لم تتولَّ رائدة الفضاء الأمريكية بيجي ويتسون منصب قائد محطة الفضاء الدولية مرة واحدة فقط بل مرتين، وكانت أول سيدة تتولى قيادتها، وأول سيدة تتولى المنصب مرتين.

ولدت بيجي في 9 فبراير عام 1960، وحصلت على درجة البكالوريوس في الأحياء والكيمياء من كلية إيوان ويسليان في عام 1981، ثم حصلت على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من جامعة رايس في عام 1985.

كانت مهمتها الفضائية الأولى في عام 2002، التي شاركت فيها بوصفها عضوًا في بعثة «إكسبيديشن 5»، والتي استمرت ستة أشهر على متن محطة الفضاء الدولية. أجرت بيجي خلال تلك البعثة 21 تجربة، تُحقق في علوم الحياة البشرية والجاذبية الصغرى، وعادت إلى الأرض في اليوم السابع من ديسمبر من العام نفسه، مسجلة 184 يومًا و22 ساعة و14 دقيقة أمضتها في الفضاء.

وانطلقت في مهمتها الثانية في 10 أكتوبر عام 2007 مع بعثة «إكسبيديشن 16»، كأول سيدة تقود بعثة لمحطة الفضاء الدولية، جنبًا إلى جنب مع باميلا ميلروي، وشكلتا معًا أول زوج من النساء يتولى قيادة البعثات. وأمضت بيجي خلال تلك البعثة 191 يومًا و19 ساعة وثماني دقائق في الفضاء؛ مسجلة بذلك رقمًا قياسيًا في إجمالي الوقت الذي قضته في الفضاء بالنسبة لامرأة.

وفي 17 نوفمبر 2016، انطلقت بيجي مرة أخرى إلى الفضاء؛ لتقود بعثة «إكسبيديشن 50/51» المتجهة نحو محطة الفضاء الدولية وهي في سن السادسة والخمسين؛ لتصبح بذلك أكبر رائدة سافرت إلى الفضاء، وأول سيدة تتولى قيادة محطة الفضاء الدولية مرتين.
ليس هذا وحسب، في 24 أبريل عام 2017، حطمت بيجي الرقم القياسي لإجمالي الأيام التي قضتها في الفضاء على مستوى جميع رواد ناسا من الرجال والنساء، الذي يقدر بـ665 يومًا ويتفوق على الرقم القياسي السابق البالغ 534 يومًا، التي قضاها رائد الفضاء الأمريكي جيفري وليامز.

ونالت بيجي عديدًا من الأوسمة خلال حياتها العملية المستمرة حتى الآن، منها وسام ناسا للسفر عبر الفضاء، ووسام القيادة المتميزة، وجائزة الأداء المتفوق من ناسا.