طبيعي أن تشكل الفرق العسكرية من أكثر الأشخاص قوة وكفاءة في القتال، لكن أن يشكل أحدهم فرقة من المثليين، أو الفنانين، أو يختار طوال القامة دون سواهم، فهذا من غرائب التاريخ التي نسردها في السطور التالية.

«طيبة المقدسة».. المثليون يهزمون إسبرطة

في القرن الرابع قبل الميلاد، شكل اليونانيون فرقة عسكرية سميت بـ«النخبة المقدسة»، وعُرفت باسم فرقة «طيبة المقدسة»، اختيرت الفرقة بعناية من العشاق المثليين؛ فكان يختار المثلي وشريكه، ولا يختار مثلي أعزب، وتألفت الفرقة من 150 ثنائيًّا من المثليين، ولعبت الفرقة دورًا حاسمًا في معارك اليونانيين، وبالأخص ضد مقاتلي إسبرطة، إذ انتصرت الفرقة بأعدادها القليلة في معركة ليوكترا، ضد الإسبرطيين. 

Embed from Getty Images

وقد كتب المؤرخ اليوناني بلوتارخ، عن سبب اختيار فرقة «طيبة المقدسة» من المثليين، فيقول: «لا يشعر رجال القبائل أو العشائر باهتمام كبير بأهلهم وقت الخطر، لكن الفرقة التي توحدها روابط الحب؛ لا تنفصل، وغير قابلة للكسر؛ لأن كلا العاشقين سيشعرا بالخزي والعار في حضور كل منهما بجانب الآخر، وكل منهما سيقف في لحظة الخطر لحماية بعضهما بعضًا»، وكان بلوتارخ محقًّا، فالفرقة كانت الأكثر رعبًا في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد.

بعد بضعة عقود من تأسيس فرقة «طيبة المقدسة»، خاضت بجانب جيش أثينا، معركة خيرونيا ضد المقدونيين؛ بقيادة فيليب الثاني المقدوني، وابنه الإسكندر الأكبر، وتمكن جيش المقدونيين من هزيمة قوات أثينا التي فرت بدورها، أما فرقة «طيبة المقدسة»، فلم تستسلم، بل أكملوا الحرب ببسالة حتى قُضي عليهم، وكانت هذه أول هزيمة لهم وآخرها؛ لأن الفرقة اندثرت إلى الأبد، ويقال إن الملك فيليب الثاني كان معجبًا بشجاعتهم، وبكى حين شاهد جثثهم.

«البيرسيركيون».. فرقة الفايكنج «الهائجة»

فرقة من أغرب الفرق العسكرية في التاريخ؛ وأكثرها وحشية، فرقة «البيرسيركيين»، والتي تعني «الهائجين»، وهم محاربون إسكندنافيون اختيروا من نخبة مقاتلي الفايكنج، وكانوا قساة وهمجيين، ولا يمكن السيطرة عليهم، بل لا يمكنهم هم السيطرة على أنفسهم، نظرًا إلى أنهم كانوا يفعلون شيئًا ما قبل المعركة؛ يدخلهم في حالة أشبه بغياب الوعي وحضور اللاوعي مع طاقة هائلة، وقدرة على التحمل، وعدم الإحساس بأي ألم، مما يؤهلهم لبدء المعركة والقتال بكل شراسة.

مثل بقية الفايكنج كرس مقاتلو فرقة «البيرسيركيين»، أنفسهم لخدمة الإله أودين كبير الآلهة، وكانوا يوضعون في التشكيل الأمامي في ساحة المعركة، أو في الجبهة عند شن هجوم، ووفقًا للمصادر المختلفة، فقد كان يمكنهم هزيمة قوة تفوق عددهم، وكانوا يعوون مثل الذئاب؛ في أثناء الهجوم، ويرتدون جلد الدببة، وقيل إنهم لا يصيبهم الحديد ولا النار، ولم يعرفوا الألم، ونظرًا إلى صعوبة السيطرة عليهم في المعركة، كان يفضل أن يعملوا في مجموعات أصغر، ويهاجمون بشكل مستقل.

حالة الهياج التي كانت تصيب فرقة «البيرسيركيين»، حيرت الكثير من المؤرخين، وتوالت النظريات، نسب بعض المؤرخين الحالة إلى الهستيريا ذاتية النضال قبل القتال، إلا أن آخرين نسبوه إلى السحر، أو تناول المخدرات أو الكحول، وذهب آخرون إلى المرض العقلي، وادعى بعض علماء النبات أن سلوك الخمر قد يكون ناتجًا عن تناول الكحول أو عيش الغراب المهلوس، ورغم كل تلك النظريات فإنه لا يمكن الجزم بأي منها، فالفرقة حُلّت في القرن الثاني عشر. 

«عمالقة بوتسدام».. طوال القامة يذهبون إلى الملك

«عمالقة بوتسدام» هم فرقة المشاة رقم ستة البروسية، شكلها الملك فريدريش فيلهلم الأول؛ والذي عرف باسم «حارس بوتسدام العملاق»، واختير أعضاؤها من أكثر الرجال طولًا في مملكة بروسيا؛ وعاصمتها بوتسدام، وبغض النظر عن كونهم مقاتلين أم لا، وعملت الفرقة منذ تأسيسها عام 1675 وحتى عام 1806 الذي هُزمت فيه بروسيا من قوات نابليون.

عامل الملك فرقته العملاقة بطريقة خاصة، فمنحهم ملابس مختلفة زرقاء، وقبعات ارتفاعها 45 سم لجعلهم يبدون أطول، وحصلوا على أماكن إقامة مميزة، ومنحهم أفضل الطعام، أما أجورهم فكانت متفاوتة حسب الطول وحده، وكلما كانت القامة أكثر طولاً زاد الأجر، أما اختيار العمالقة فجاء عبر التطوع حينًا، والخطف حينًا آخر، فإذا لم يرغب الرجل الطويل في الانضمام إلى فرقة العمالقة، كان يُخطف ويُجند عنوة في الفرقة، ووصل الهوس بتجنيد الأطول قامة إلى محاولة اختطاف دبلوماسي نمساوي؛ لأنه كان طويل القامة بشكل غير عادي.

حين توفي الملك فريدريش فيلهلم الأول عام 1740، كان قوام فرقة «عمالقة بوتسدام» ما يقرب من 3 آلاف رجل، لكن خليفته فريدريش الكبير لم يشارك والده هذا الهوس، فحل أغلب أعضاء الفرقة، ودمجهم في وحدات أخرى؛ حتى حُلَّت نهائيًّا عام 1806.

«زجاجة ويسكي أقوى من الرصاص».. تعرف إلى أغرب الهدنات العسكرية في التاريخ

«مشاة الدراجات».. سلاح الحربين العالميتين

هذه الفرقة لم تكن حكرًا على دولة بعينها، بل كانت موجودة في ساحات القتال منذ أواخر القرن التاسع عشر، أطلق عليهم «مشاة الدراجات» وهم جنود المشاة الذين يركبون الدراجات إبان الحرب، وظهر المصطلح أواخر القرن التاسع عشر، حين ظهرت الدراجات الآمنة، والتي انتشرت في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، واستخدمت الدراجات نظرًا إلى قلة صيانتها مقارنة بالخيول، والوقود، والسيارات.

بدأ ظهور أول فرقة «مشاة الدراجات» من حرب البوير الثانية في جنوب أفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر، ثم اشترك عشرات الآلاف من «مشاة الدراجات» في الخدمة خلال الحربين العالميتين والصراعات الأخرى، ووفقًا لجريدة «الجارديان» البريطانية؛ فإن «مشاة الدراجات» لم ينحصر دورهم في مهمة الكشافة ونقل الرسائل، بل حاربوا في الصفوف الأمامية، وخلال الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى شاركت عدة وحدات لـ«مشاة الدراجات» في غارات جريئة على عربات الذخيرة الألمانية. 

Embed from Getty Images

كان «مشاة الدراجات» يتميزون بالحركة الخفيفة، وفي الأماكن الصعبة، كانوا يطوون دراجاتهم القابلة للطي ويحملونها بجانب أسلحتهم وذخيرتهم، ويسيرون بها، ورغم ذلك، مقارنة بالفرق الأخرى، كانوا أسهل في التحرك، يمكنهم السير في الجبال، والصحراء، وعبر الأنهار أيضًا، لكن مع التطور العسكري؛ حَلّت الدول فرق «مشاة الدراجات» الخاصة بها، وكانت آخر فرقة في العالم في سويسرا، وحُلّت عام 2003.

«رجال الآثار».. الفنانون يعرفون طريق الحرب أيضًا

كان أدولف هتلر من محبي الفن؛ واستغل هتلر دخول قواته النازية إلى البلاد الأوربية لسرقة الأعمال الفنية التي لا تقدر بثمن، وذهب النازيون إلى أبعد من ذلك حين أزالوا نوافذ الزجاج الملون من الكنائس، واعتزم هتلر بناء مجمع فني يضم جميع الأعمال الفنية المسروقة، وأقلق هذا القرار مؤرخي الفن وقادة المتاحف، وضغطوا على قوات الحلفاء لحماية القطع الأثرية والفنية.

شُكلت فرقة «رجال الآثار»، وهم مجموعة من الرجال والنساء من 14 دولة، تطوعوا للخدمة خلال الحرب العالمية الثانية، وكان الكثير منهم يتمتعون بالخبرة كمديري متاحف، ومنسقين، ومؤرخين، وفنانين، ومعماريين، وكانت مهمتهم حماية الكنوز الثقافية بقدر ما تسمح الحرب، وفي السنة الأخيرة من الحرب، عملوا على تتبع الأعمال الفنية المسروقة وتحديد مواقعها، وفي السنوات التي تلت ذلك؛ أعادوا أكثر من 5 ملايين قطعة فنية وثقافية سرقها هتلر والنازيون، ولعبوا دورًا كبيرًا في الحفاظ على الكنوز الثقافية القيمة.

حين خضع الألمان لـ«أشباح أمريكا»

كان «جيش الأشباح» فرقة عسكرية أمريكية شُكِّلت خلال الحرب العالمية الثانية؛ والمعروفة رسميًّا باسم «قيادة القوات الخاصة 23»، تألفت الفرقة من 1100 رجل من الفنانين والرسامين، ورجال إذاعة والصوت، ووقع الاختيار عليهم لهذا الدور من مدارس الفنون في نيويورك وفيلادلفيا في يناير (كانون الثاني)  1944، وكانت مهمتهم خداع العدو. 

«الحرب خدعة»، هذا بالضبط ما صنعته فرقة «الأشباح»، إذ دمجوا العديد من الاستراتيجيات المختلفة لإنشاء خدع حربية بالوسائط المتعددة، قأنشئت الوحدة دبابات قابلة للنفخ، مع مكبرات صوت عملاقة يصل صوتها لأكثر من 15 ميلًا؛ لإعطاء الانطباع بأن جيشًا ضخمًا يتجمع، إلى جانب عمليات الإرسال اللاسلكي الخاصة بالخدمة، تاركين للألمان مساحة للتنصت عليها، وكان على 1100 رجل أن يتظاهروا بأنهم أكثر من 30 ألفًا، وقد نجحوا في ذلك.

على مدار الحرب، تمكنت فرقة «الأشباح» من تنفيذ أكثر من 20 عملية، وتشير التقديرات إلى أنهم أنقذوا عشرات الآلاف من أرواح الجنود من خلال خدعهم، وساهموا في العديد من انتصارات الحلفاء في أوروبا، وبعد انتهاء الحرب ظلت قصتهم سرية على مدار 50 عامًا، حتى أفرج عن وثائقهم وقصتهم عام 1996.

تعرف إلى ابن أخ هتلر الذي حارب ضده لأنه لم يمنحه وظيفة مناسبة

المصادر