العلاقة بين الأم والابنة هي من أقوى العواطف في حياة النساء، ومصدر أعمق أنواع الحب وأشد أنواع الغضب الذي تمر به معظم النساء، فهي تضعنا وجهًا لوجه مع الصورة المنعكسة لأنفسنا، وتجبرنا على مواجهة أسئلة عمن نحن، ومن نريد أن نكون، ومن نشبه.

في محاولة منها لإيجاد أمها التي فقدتها خلال كتابتها هذا الكتاب، قدمت ديبورا تنن الأستاذة الجامعية في علم اللغات تخصص اللغات الاجتماعية بجامعة جورج تاون كتابها «هل ستلبسين هذا؟ نحو فهم الأمهات والبنات»، ونقلته إلى العربية هدى الحمدان، في طبعة مكتبة العبيكان، وهو الكتاب الرابع لديبورا بعد «ليس هذا ما قصدت» وكان للجمهور العام، ثم كتاب «أنت لا تفهمني» عن الحوار بين الرجال والنساء، وكتاب «أنا أقول هذا لأني أحبك» وهو كتاب عن علاقات الراشدين العائلية، وكان به فصل بعنوان «إنني ما زلت أمك» وكان قد حظي باهتمام شديد ما دفعها إلى التجاوب مع الأجزاء التي أسرت القراء بخصوص العقد والمشكلات في العلاقة بين الأمهات وبناتهن الراشدات، بالإضافة لرغبة ديبورا في الوصول إلى قاع علاقتها المتطورة بوالدتها.

من أجل هذا الكتاب الذي تصدر قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأعلى مبيعًا، نظمت ديبورا حوارات ومقابلات مع نساء تعرفهن ونساء قريبات لتلاميذها حتى يتسنى لها الاستماع بعمق لتجاربهن مع أمهاتهن وبناتهن بعد الحصول على إذن مسبق، وشرحت ديبورا بالتفصيل في مقدمة كتابها المنهج الذي استخدمته لجمع التجارب والمعلومات، ثم كتبته بلغة بسيطة بهدف أنها أرادت كتابة كتابًا يسهل على أمها قراءته، وكانت تعني بأمها هنا عامة القارئات اللاتي من المستحيل أن يفكرن بشراء كتاب مثقف.

مصدر الراحة العظيمة.. مصدر الألم العظيم

كانت هناك أختان في مصعد المستشفى الذي ترقد فيه الأم على فراش الموت، فسألت إحدى الأختين الأخرى: «كيف ستشعرين عندما تموت أمنا؟»، أجابت الأخت: «جزء مني يقول: كيف سأعيش بعدها؟ والجزء الآخر يردد: أخيرًا ماتت الساحرة».

فسرت ديبورا القصة التي حكتها إحدى طالباتها، بأن الجزء الذي يقول: «كيف سأعيش بعدها؟» سببه أن الرغبة في الكلام مع الأم غريزية كما الرغبة الجسدية، سواء كانت تعيش في البيت المجاور، أو لم تعد تعيش على الأرض، ولكن جزء الساحرة الشريرة هو نتاج غضب الابنة من نبذ الأم واستهجانها واستنكارها، وكل كلمة سببت ألمًا عميقًا.

القصة تشبه ما نراه في الدراما السينمائية، وتكرار عبارات مثل: «أمي سبب سعادتي»، و«أمي سبب تعاستي»، وسبب ذلك أن الأمهات يشعرن تجاه بناتهن بالعبادة والهيام مع المسؤولية، ومع العواطف الجياشة يصبح اهتمامهن والحرص على التواصل تدخلًا مفرطًا يقابل بالصد والرفض.

بداية من سن المراهقة يصبح الكلام مع الابنة كـ«المشي على قشر البيض»، وتفسر ديبورا ذلك بأن التعليقات والنصائح تثير الابنة، ومن الممكن أن تفهمها على أنها عدم ثقة، وهذا مزعج، وأصغر ملاحظة من الممكن أن تجعلنا نفكر بأكبر الأسئلة: هل أنا شخص جيد؟ هل أنا حر؟

Embed from Getty Images

حكت ديبورا قصة لورين، والتي كانت تقضي أسبوعًا في زيارة أمها في مبنى العجزة، وفي ليلة في طريقهما إلى صالة الطعام، سألتها أمها: «أنت لن تلبسي هذا، صحيح؟»، سألتها لورين: «ولم لا؟»، وقد بدأ ضغط دمها بالارتفاع: «ما الخطأ فيه؟». هنا قامت الأم بالشرح أكثر من المفروض ملمحة إلى أن الملابس غير مناسبة. ما حدث أن أسئلة الوالدة السلبية ولدت إجابات سلبية، وأظهرت الأم بمظهر المستنكرة، وقد كان بإمكانها فقط أن تقترح ببساطة ارتداء ملابس أخرى.

قصص أخرى ذكرتها ديبورا حكتها طالباتها، فقد نمت عند كثير من الفتيات عادة إخبار الأمهات عن المحن الصغيرة في الحياة لأنهن يقدرن رسالة العناية والاهتمام من ردة أفعالهن، ولكن البعض قد لا يلاحظ الفرق حتى يحصل على ردة فعل مختلفة من شخص آخر قد لا يهتم بجرحك الصغير، أو مرضك بالأنفلونزا مثل ما حدث مع كاري إحدى تلميذات ديبورا، عندما تحدثت لوالدها تخبره أنها مريضة بالأنفلونزا نصحها بتناول الدواء، وعند استرسالها في الحديث يعتذر بأنه لن يستطيع مساعدتها في مرضها، فكانت أزمة كاري، إذ إنها تعرف جيدًا كيف تأخذ الدواء وأن عليها الذهاب إلى الطبيب، لكن ما كانت تبحث عنه عند اتصالها هو رسالة اهتمام مخفية، فهي معتادة على قلق واهتياج أمها على أصغر مشكلات حياتها.

أنتِ مرآتي.. ماذا لو حطمتك؟

إن الشكوى التي سمعتها ديبورا كثيرًا في حديثها للفتيات عن أمهاتهن كانت: «إنها دائمًا تنتقدني»، وأكثر شكوى سمعتها من الأمهات عن بناتهن الراشدات كانت: «لا أستطيع فتح فمي. إنها تأخذ كل شيء انتقادًا».

يبدو أنه حيثما تجد البنت النقد فإن الأم ترى العناية، ورغم الخلاف ففي كثير من الأحوال تكون كلتاهما على حق، فهي روح الاهتمام والعطاء التي من خلالها تتسلل رسائل ذات معانٍ خفية للاهتمام والعناية، ولكن إبداء الرأي وتقديم النصيحة من المحتمل أن يُفهم على أنه انتقاد، وهنا تشعر الابنة بأنها مشروع إصلاح، ما يجعلها تشعر بالتحطيم.

Embed from Getty Images

تحكي ديبورا نفسها بعد نشرها كتاب «أنت لا تفهمني» وتحقيقه مبيعات عالية، أنها ذهبت في رحلة لنشر الكتاب، والتي تضمنت الظهور على محطات التلفاز في مدن مختلفة، وطلبت من أصدقائها في كل مدينة تسجيل اللقاءات، وعندما انتهت الرحلة وعرضت الأفلام على والديها، كانت أمها فرحة لظهورها على التلفاز لكنها لم تخف استياءها لأن عين ديبورا اليسرى بدت أضيق من العين اليمني، التعليق الذي لاحق ديبورا من أمها لأشهر وهي تتفحص وجهها كل مرة، حتى شعرت بأن عينها أصبحت في منتصف وجهها، حتى استجابت ديبورا لطلبها الذهاب إلى الطبيب الذي ضحك بدوره وطمأنها بأنه لا شيء حقيقي مما سمعته.

الفرق عند ديبورا، ولسبب دراستها المتخصصة، أنها انتبهت لنفسها في موقف آخر وهي تعامل أمها بعين الانتقاد نفسها التي عاملتها بها، فقد قالت لأمها بعض الأوقات أن شعرها لا يبدو جميلًا، وفي آخر سنين عمرها كان أول ما تفعله عند زيارتها هو تمشيط شعرها وترتيبه، وكانت تشعر بأن حبها لأمها يكبر وهي تمشطه، وأثر هذا الفعل أيضًا على الأم حتى أنها حكت لصديقاتها.

ما حدث ساعد ديبورا على فهم السبب الذي يجعل كثيرًا من الأمهات يتفحصن مظهر بناتهن، والعكس، بهذه القوة، ففي جانب منه يبدو تعبيرًا عن قربنا من بعضنا، نلمس أجساد بعضنا ونتكلم عنها ونبحث عن الأخطاء فيها بطريقة لا نفعلها مع أحد آخر. ولكن سبب الخلاف هو أنه عندما تكبر البنت فربما هي لا تريد القرب الجسدي الذي كانت تحصل عليه من أمها وهي طفلة، وربما أصبحت الأم تتشوق للإمساك بهذا القرب.

هل يمكننا التحدث؟

بدرجة ما، يتطابق سلوك الحيوانات مع سلوكنا، فوفقًا لجويس بول، المدير العلمي لمركز أبحاث الفيل الأمبوسيلي في كينيا، في رسالتها لديبورا، فإن أنثى الفيل البرية تتكلم أكثر من الذكر، وهي تفعل ذلك لتتفاوض في العلاقة، وفي بعض الأحيان تستخدم الأنثى نغمات النداء المتعددة عندها من أجل توطيد العلاقات وتثبيتها، ومنها التسوية بين الأصدقاء، والتعبير عن التضامن مع اقتراح أو خطة، والترحيب بمولود جديد، والتجاوب مع قلق الصغير أو حزنه.

تطرقت ديبورا لهذه الحالة للتفكير في أن سبب الخلافات في علاقة الأم وابنتها أن «الاثنتين من النساء»، وبالنسبة لكلتيهما، يلعب الحديث دورًا معقدًا في علاقاتهما عن الذكور، فالحديث بين الأم وابنتها بمثابة الصمغ الذي يمسك العلاقة ببعضها البعض، وهو أيضًا المادة المتفجرة التي يمكنها تفجيرها لأجزاء، فكلما زاد الكلام زادت الفرص للتواصل المريح أو التجريح.

Embed from Getty Images

تحدثت ديبورا لامرأة لها ابن في العاشرة وابنة في السادسة، لاحظت الفرق بين طفليها عندما كانت تجهزهما للمخيم الصيفي، فلدى الابنة أزمة، فهي متحيرة في أي فتاة تختار لتكون صديقتها في دروس السباحة، ومن ثم تستمر في الحديث دون توقف وتحكي كل يوم عن الوعود التي قطعتها على نفسها لإحدى الفتيات، وكيف ستشعر واحدة إذا اختارت الأخرى صديقة لها. أثار حديث الابنة فضول الأم، وسألت ولدها عمن يلعب معه في فريق كرة السلة، فأجابها: أنا لا أعرفهم، ولكني أحب اللعب معهم لأننا فزنا.

القصة السابقة ليست عن فتاة فريدة أو مبالغة، فقد نقلت ديبورا دراسة باحثين للأطفال خلال اللعب، وثقت الاختلاف بين صداقة البنات والبنين، فحياة الفتاة الاجتماعية مرتكزة على صديقة قريبة، تخلق صداقتها بها وتقيس قربها من خلال الكلام، ما يبرر لأن اختيار صديقة في دروس السباحة أمر معقد، عكس البنين الذين يتخذون من نشاطهم مركزًا للاستيلاء والفوز، ويستخدمون اللغة للتفاوض وإملاء الأوامر على البنين الآخرين.

نقلت ديبورا عن الكاتب مايكل جورين، والذي يقدم محاضرات عن الاختلافات بين الجنسين، أنه لو أعطيت بنتًا صغيرة دمية فستقوم عادة بالتحدث إليها، ولكن لو أعطيت دمية لولد فإنه سيخلع رأسها حتى يستطيع النظر إلى الداخل، ووفقًا لمايكل، فإن الدمية للصبي كمثال «شيء»، لفعل شيء ما به، أما بالنسبة للبنت فإن الدمية «شخص» تتصل وترتبط به.

بفهم الدور الغريزي الذي يفعله الكلام في علاقات النساء من الطفولة، فليس من المستغرب كما أثبتت ديبورا بنقلها عدة دراسات أن الأمهات يتحدثن مع أطفالهن أكثر من الآباء، ويتحدثن مع بناتهن أكثر من الأبناء، وزيادة على دور الكلام عند المرأة فهناك أمر آخر وهو نوعية الكلام الذي تتشاركه النساء، ما يجعلهن مستغرقات ومشمولات وخائفات من البعد، ويبدأ هذا مع علاقات الصداقة الأولى في الحضانة.

لم تعودي كما كنتِ.. لقد تغيرت

في عيد الميلاد أي أحد يمكنه شراء الهدية التي تريدها إذا قلت له ماذا تريد، ولكننا نادرًا ما نطلب طلبًا جليًّا كهذا. التلميح بالنسبة لمعظمنا واضح وجلي كوضوح ما نريد؛ لأن ما نريد ليس الهدية المتمثلة في «الشيء»، ولكن الهدية التي تدل على أن هذا الشخص يعرفنا حق المعرفة لدرجة أنه يستطيع اختيار هدية تعجبنا، فإن الهدية هي الرسالة، ونحن نثمن الرسائل الخفية للحب عندما يفاجئنا أحدهم بالهدية المثالية.

كتبت أودري بأن ابنتها ذات العشرة أعوام، هي رفيقة روحها، تتجاوب مع كل عاطفة وتتعرف إليها حتى لو حاولت خداعها فإنها تفشل، واعتبرت أودري وجود شخص متواصل بهذه الدرجة مع قلبك نعمة وهبة الأمومة. في الناحية الأخرى عبرت أودري عن حبها الشديد لأمها، ولكن على الرغم من حبها ومحاولتها مساعدتها، يزعجها توقع أمها معرفة ما تريده بدون أن تسألها أودري، وحكت مثالًا كانت فيه أودري تستعد لتوصيل أمها إلى منزلها في ولاية أخرى بعد زيارتها، فقالت أمها بفظاظة: هل علي حمل حقائبي للسيارة بنفسي؟

شعرت أودري بأنها توبخها وأنها خيبت ظن أمها، فسألتها لماذا لم تخبرها بأن الحقائب كانت جاهزة لتحملها عنها، فردت الأم بأنها كانت تعلم، وقد سمعتها وهي تنزلها من أعلى السلم، لتدافع أودري عن نفسها بأنها لم تسمع شيئًا، فقد كانت تستحم. هنا غيرت الأم أساس الجدال وقالت: «أنت لم تعودي الشخص نفسه الذي كنت عليه سابقًا»، لترد أودري منتقمة شاعرة بالعجز عن الدفاع عن نفسها: «ولا أنت أيضًا».

إذا كنا حاضرين للموقف سنستنتج أن أم أودري شخصية غريبة، فقد غضبت من ابنتها لعدم قيامها بخدمات لم تطلبها من الأصل، ولم تكن الابنة لتعرف ما تحتاجه أمها، ثم عند مواجهتها بلا عقلانية شكواها غيرت الحديث لاتهام مبهم، ومدمر، حين اتهمت ابنتها بأنها غدت إنسانًا سيئًا، فكيف لنا أن نعقل هذه السلوكيات؟

وفر لنا تعليق أودري على طفلتها في البداية فهم لما حدث، فالرابط بينهما دليل فهم ابنتها لمشاعرها غير المعبر عنها، وفقط الإنسان الذي بينك وبينه رابط خاص يستطيع أن يشعر بالعواطف التي لا تعبر عنها بالكلمات، وهذا ما تثمنه كثير من النساء في العلاقات القريبة.

أين تنتهين وأبدأ أنا؟

بعد وفاة أمها بمدة لاحظت امرأة أنها تمسك السكينة وتقطع البصل بطريقة أمها، حتى أنها مسحت الطاولة بالأسلوب، نفسه وقد منحها هذا شعورًا براحة أن أمها قريبة، ولكن هذه المرأة ذاتها عندما تجد نفسها تفعل أو تقول شيئًا يعيد إليها ذكرى تصرف أمها الذي لم يكن محببًا، فإنها تتراجع على الفور وتنتابها مشاعر الضيق.

Embed from Getty Images

سجلت جينيفر تلميذة ديبورا حوارات هاتفية دارت بينها وبين أمها باعتبارها جزءًا من مشروع بحث، ووجدت جينيفر أن التحية التي يفتتحون بها المكالمة تبدو وكأنها آلتا عزف تعزفان اللحن نفسه، ناطقتان بنغمة الصوت العالية نفسها عند التحية، راسمتان مقاطع اللفظة الأخيرة بنغمة مميزة، بدرجة الصوت نفسها، والإيقاع والنغمة المنحرفة نفسيهما حتى بدأ الحوار.

إذا بدا هذا غير طبيعي فإن هناك الكثير من الأمثلة على تشابه الأم وابنتها، فالأمهات نموذج للبنات، والبنات يصبحن كالمرايا يعكسن أسلوب ومظهر الأمهات، ووجهًا آخر للطريقة التي تمثل كل منهما الأخرى.

تعلم الأم أن اكتشاف البنت لأوجه الشبه من شخصيتهما قد لا يريحها، وربما يفسر هذا رضا الأم عند اكتشافها بأن ابنتها تقوم بعمل الأشياء بطريقة مختلفة عنها. فهذا الاختلاف يرسل رسالة خفية بالنبذ، أي اعتقاد البنت بأن الطريقة التي تتبعها أمها خاطئة، ولكن هذا النبذ منطقي، فلطالما سمعنا كثيرًا من النساء تبرر اتخاذها قرارات مهمة في حياتها فقط كي تكون مختلفة عن أمها، على الرغم من احترام خبرات أمها.

أمي تغار مني؟

نقلت ديبورا رؤية عالم النفس أبراهام تيسير أنه كلما كان الناس أقرب إلينا زادت فرصة مقارنة أنفسنا بهم، وإذا شعرنا بأننا أقل عند المقارنة، فسينتهي بنا الأمر إلى الشعور بالسوء تجاه أنفسنا، ولكن ما زالت هناك طريقة لتفادي هذا الشعور غير المريح، وهي التقليل من الاختلافات، والذي يستلزم عادة التقليل من إنجازات الآخرين بوصفه حلًّا أسهل.

حكت أنجلا موقفًا شخصيًّا لها مع والدتها، عندما زارتها بعد مدة قصيرة من انتقالها إلى واشنطن وعملها في التدريس بجامعة جورج تاون، أخذت أنجلا والدتها لتريها حياتها الجديدة. كان واضحًا لأنجلا أن أمها لم ترض يومًا عن ثوراتها في صغرها، ولا عن قرارها إنهاء زواجها الأول الذي دام ست سنوات، ومن بعده درست في الجامعة وحصلت على درجة الدكتوراه.

عندما أخذت أنجلا والدتها إلى الجامعة ومكتبها الذي يحمل اسمها على الباب ومؤلفاتها التي على الرف، سألت الأم: هل تعتقدين أنك كنت تستطيعين تحقيق هذا لو أنك بقيت متزوجة؟ وردت أنجلا أنه بالطبع لا، فلو بقيت متزوجة لما عادت إلى الجامعة وأكملت دراستها وحصلت على درجة علمية رفيعة، لتجيب الأم: حسنًا، لو أنك بقيت متزوجة لما كان عليك القيام بكل هذا.

Embed from Getty Images

سردت ديبورا هذه القصة وسمعت مثلها الكثير، محاولة فهم السبب الذي بررته بأن الأم تعكس العالم الذي عاشت به، والذي له مقياس واحد للحكم على النساء وهو الزواج، ودفعت عنها كل اعتقاد بأن الأم حاولت تشويه ما حققت أو أن الحقد كان دافعها. ولكن تكرر الأمر مع أخريات أصبح خارج إطار الصدفة.

تحمل مذكرات فيفيان كرونيك إشارة إلى معرفة سبب تجاوب الأمهات بهذه الطريقة مع نجاح بناتهن، ووصفت ما فعلته بها أمها عندما ازدرتها واستخفت بها وتجاوبت مع نجاح ابنتها بشكل ميئوس منه، وبررت كرونيك ذلك بأنه كان من الصعب عليها أن تكون سعيدة تجاه نجاح وذكاء ابنتها في مجال سبق وأن خمدت فيها طموحاتها الخائبة، فليس مفاجئًا أن تشعر الأمهات بالغيرة في بعض الأوقات لأنهن لم يستطعن تحقيق ما حققته البنات.

في البحث النفسي هناك أدلة وبراهين على أن نجاح البنت من الممكن أن يشعر الأم بالاستياء من نفسها، وقد نقلت ديبورا بكتابها تحقيقًا قامت به كارول ريف وباميلا شمت ويونغ هاين لي، في العلاقة بين نظرة وتقييم الآباء لإنجازات أبنائهم البالغين وبين تقييمهم لأنفسهم، وفقًا لمسح أجروه لأكثر من 100 أب. كانت نتيجة التحقيق كما سجلتها الباحثات أن الأثر السلبي يكون فقط في حالة الأم والبنت، وبكلمات الباحثات: «بالنسبة للآباء فإن مقارنة المكاسب والإنجازات مع الأبناء أو البنات لم يتعارض مع تصنيفهم لأنفسهم، وفي الوقت نفسه لم تؤثر إنجازات الأولاد بالأمهات. لكن الأمهات اللاتي أدركن أن بناتهن قد نجحن في حياتهن أكثر منهن كن أقل سعادة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد