يجب على الأم ألا تحتقر ابنها، ان قامت الام بإهانة ابنها سيصبح عدوانيًا وعنيفًا وفاسدًا؛ هذا مؤكد

* إد كيمبر

تلك الجملة التي قالها إد كيمبر، القاتل المتسلسل للنساء في حوار أجري معه في السجن بعد قتله 10 نساء؛ جميعهن نسخة في الشكل من أمه.

ومع احتفالنا بعيد الأم، نأخذك في رحلة مختلفة بعض الشيء، في محاولة منا للتعرف أكثر على «حب الأم» والذي يتعامل معه الكثيرون باعتباره شعورًا حتميًا أو بديهيًا، فهل حب الأم الفطري مجرد خرافة؟

الولادة شيء.. والأمومة شيء آخر

يظن البعض أن الحب يولد بداخل كل أم والطفل في رحمها، أو في اللحظة التي تتلقفه يدها بعد الولادة، ولكن واقع الأمر غير ذلك، ففي دراسة عام 2018 نشرتها «المجلة الدولية للدراسات النوعية عن الصحة والرفاه»، تقولُ نتائجها أن مشاعر الحب والأمومة تتولد داخل معظم الأمهات بعد عدة أيام من الولادة، وبعض النساء تكافح لشهور طويلة قبل الوصول إلى شعور الحب، وبعضهن لا يصلن له على الإطلاق.

من الموروثات الثقافية لدى البشر بأن الأم «بديهيًا» يجب أن تحب أبناءها حبًا غير مشروط، ووفقًا للدراسة، عندما لا تشعر الأم بهذا الحب مباشرة لطفلها، يسيطر عليها شعور بالفشل أو بالنقص، خاصة وأنها قد تكون تعرضت لبعض التجارب مع نساء أخريات سيطرت عليهن مشاعر الحب والأمومة من قبل الولادة.

وتسأل تلك الأم التي لم تشعر بمشاعر الحب مباشرة بعد الولادة «هل أنا أم غير صالحة؟»، ولا تجد القدرة على الاعتراف بتلك المشاعر للآخرين حتى لا تتعرض للنقد، وإن لم تتخطى الأم تلك الأزمة النفسية، والتي يكون وقعها أكثر وطأة نظرًا لما تعانيه من اضطرابات هرمونية وقت الولادة، قد يؤدي بها في النهاية إلى علاقة معقدة وغير صحية مع طفلها، والذي – من وجهة نظرها – سلبها حقوقها في الحياة، وفي المقابل أشعرها بالفشل كأم وامرأة منذ لحظة وصوله للحياة.

Embed from Getty Images

ما أكده علم النفس أن الولادة أمر، والأمومة أمرٌ مختلف كليًا، والحب الأمومي لا يولد تلقائيًا لحظة ولادة الطفل عند جميع الأمهات، فقد تجد أنثى لم تتزوج بعد، ولم ترزق بأطفال، ولكنها تمارس الأمومة مع أطفال عائلتها الكبيرة، وهناك أم «بالولادة» غير قادرة على تقديم الحب الكافي لأبنائها.

بين الشعور المفاجئ بالندم عند رؤية الطفل المولود، والخوف والفزع والحب المبالغ فيه للطفل، تختار بعض الأمهات الانفصال النفسي بشكل غير واعٍ عن أبنائهم، فالأولى لا تريد هذا الطفل الذي قد يسرق الكثير من حقوقها وحريتها لباقي العمر، والثانية قلبها لا يتحمل هذا الحب الفياض الممزوج بالخوف على هذا الطفل من مخاطر العالم. الأولى تختار الانفصال النفسي من قلة حبها للطفل، والثانية من فيض حبها له، ولذلك الحب الأمومي المعتدل هو الحل المثالي، من وجهة نظر الطب النفسي.

الصورة الذهنية للأم في العالم كله وليس في المجتمعات العربية فقط مرتبطة بـ«التضحية»، و«إنكار الذات»، والتخلي عن بعض المتع في الحياة، وغيرها من الصور الذهنية التي تضع عبئًا نفسيًا على المرأة حين تفكر في الأمومة حتى لو لم تدرك ذلك بشكل مباشر وتقع تحت وطأة الشعور بالذنب وتكون النتيجة النهائية ظهور جانب مظلم للأمومة، تعيش الأم فيه مختبئة وراء الخوف والعزلة، فلا تمنح أبناءها الحب الذي يحتاجونه. ولكن ماذا عن غريزة الأمومة؟

هل غريزة الأمومة لدى البشر مجرد خرافة؟

التعريف الاصطلاحي لـ«غريزة الأمومة»: هي العناية بالطفل المولود بشكل فطري، دون تفكير أو اختيار، مثلما تفعل الحيوانات بالضبط، وبعيدًا عن بعض الاستثناءات، تحمي إناث الحيوانات أطفالها وتطعمهم حتى سن معيّن، وتكون مستعدة للتضحية بحياتها لحماية صغارها، ولكن هل إناث البشر تولد لديهم غريزة الأمومة فطريًا مثل الحيوانات؟

بعض نظريات علم النفس والاجتماع تجيب بالنفي. تجادل هذه النظريات بأن غريزة الأمومة لدى البشر أعطيت قدرًا أكبر من حجمها الحقيقي في أذهان المجتمعات في أنحاء العالم، موضحين أن الأم – في البشر – لديها القدرة على الاختيار بين حب الطفل أو لفظه، وبين الاحتفاظ به أو تركه وإهماله، على عكس الحيوانات، إذ تمارس الأم طقوس الأمومة فطريُا ووفقًا لغريزة الأمومة التي تنشأ عندها مع ولادتهم، دون تفكير أو مساومة أو طلب مقابل.

وفي بحث نشرته مجلة «التاريخ الاجتماعي» عام 1984 للمؤرخ ستيفين ويلسون، يقول أن الأمومة لدى البشر ليست حالة فطرية لدى جميع الأمهات، ويشيرُ لوجود استثناءات لـ«الأمومة الغريزية»، لكنه لا ينفي وجودها بسبب هذه الاستثناءات. ويقولُ ويلسون إن الأمومة «خرافة»؛ لأنها ليست شيئًا ثابتًا في تصورات البشر، وتختلف مع اختلاف السياق الاجتماعي والتاريخي، ومع اختلاف الدور الذي تلعبه المرأة في المجتمع.

ليس هناك أم في مملكة الحيوان تراودها أفكار مثل: «هل انتهت حياتي الخاصة؟»، أو «أنا لم أعد حرة لممارسة هوايتي وعملي»، أو أي شيء آخر يُسلب من الأم بعد الولادة، أما البشر فلديهم العقل والتفكير الواعي، ووفقًا لما يدور في عقول الأمهات تتشكل مشاعر الأمومة لديهن، وقد تؤثّر على الأم تجربتها في الطفولة مع والدتها، ونظرتها عن الأمومة مقابل نظرة المجتمع.

هل هناك ما يسمى بالحب غير المشروط؟

«لا يوجد ما يسمى بالحب غير المشروط؛ وقد أخبرتني أمي من قبل أنها تستطيع التوقف عن حبي في أي وقت تريده»

* إيلانا أرنولد، مؤلفة أمريكية

هذا الاقتباس جزء من كتاب «What Girls Are Made Of» للكاتبة الأمريكية إيلانا أرنولد، وتصفُ في الاقتباس علاقتها المعقدة بأمها وتأثيرها على حياتها وحبها لنفسها فيما بعد. وفي ضوء الاقتباس نتساءل: هل هنالك بالفعل حب غير مشروط داخل كل أم تجاه أبنائها؟

وفقًا لما ورد في أكثر من دراسة نفسية شارك فيها العديد من الأمهات يكون الجواب أحيانًا بـ«لا»، وهذا ليس له علاقة بمدى حنان الأم أو حبها لأبنائها، ولكن له علاقة بالطبيعة البشرية بشكل عام، وحتى الأم التي لا تنتظر مقابلًا ماديًا لحبها لأبنائها، فهي تتوقع المقابل المعنوي توقعًا تلقائيًا، وعندما لا تحصل عليه تسحبها دوامة من الحزن والاكتئاب.

ولكن الحب غير المشروط أمر غير صحي حتى نتمنى وجوده في الأمومة، وهذا لأن الحب غير المشروط – إذا كان له وجود – يتسبب في ظلم أحد الطرفين والإعلاء من مصلحة الطرف الآخر، وتكون النتيجة علاقة غير صحية.

Embed from Getty Images

وفي المقابل عند بعض الأمهات لا يتوقف حبهم المشروط عند انتظار المقابل المعنوي من الأبناء، فهناك نساء تضع شروطًا لمدى حبها لأبنائها قبل ولادتهم من الأساس، وعلى سبيل المثال، الأم التي تعلم أن زوجها قد يتركها أو يتزوج غيرها إذا لم ترزق بطفل ذكر، ما الفرق بين مشاعر حبها للطفل الأنثى والطفل الذكر، وهل يوجد هذا الفرق حتى قبل ولادتهم؟

عن الذين لم تحبهم أمهاتهم بالقدر الكافي

«الأم ستحول كل كوابيسك إلى حقيقة، الأم ستزرع كل مخاوفها فيك، الأم ستبقيك تحت جناحها، وقد تتركك تغني، ولكنها لن تسمح لك بالطيران»

* من كلمات أغنية «Mother» لفرقة بينك فلويد

أيًا كانت الأسباب والدوافع التي تضع الأم في حالة الحب المنقوص لأبنائها، فالطفل الذي يحرم من الحب الذي يحتاجه لن يفهم هذا في طفولته، والبعض لا يفهمه حتى نهاية حياته، وتظل أمه مجرد طرف مُسيء في العلاقة، دون التفكير فيما تعرضت له من إساءة جعلتها غير قادرة على الحب.

عندما تشاهد لقاءات مع القتلة المتسلسلين، خاصة قتلة النساء، يتكرر وجود دور الأم في حياة كل منهم بشكل بارز ومؤثر، أحيانًا بشكل سلبي، ما بين الإهمال والكره، أو التحكم والتعلق الزائد، أو حتى التحرش الجنسي والإساءة الجسدية، وعندما يتعرض الطفل أو المراهق للحرمان من حب أمه، تتولد داخله طاقة غضب تكون هي وقود الكثير من دوافعه ورغباته في الحياة، وفي بعض الحالات تكون طاقة الغضب تلك هي المحرك الرئيسي لكل أفعاله، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

وكما ظهر للحياة السفاح إد كيمبر، ظهرت أيضًا أعمال إبداعية تجسد العلاقة المعقدة بين الأم وأبنائها، وربما تكون أغنية «Mother» للفرقة الأنجليزية بينك فلويد مثالًا استطاعوا من خلاله، وفي دقائق قليلة شرح ما قد يشعر به الشخص الذي لا يتمتع بعلاقة صحية أمه.

العلاقة الصحية مع الأم، ودعمها النفسي لطفلها وحبها له والتعبير عنه بالفعل والقول قد يكون له أثر قوي في تكوين شخصية سوية محبة لنفسها وللمجتمع، ولكن تلك الأم المطالبة بتقديم هذا الحب هل تتمتع بالصحة النفسية والعقلية التي تؤهلها لذلك؟ وهل هي نفسها حصلت على هذا الحب والدعم من والدتها؟

هي دائرة مغلقة لن يفلت منها سوى الذي يقرر أن يكسرها، فالأم التي عاملتها أمها بقسوة أو حرمتها من حبها، فقررت أن تمنح هذا الحب المفقود لأبنائها، هي الأم التي تعالج نفسها من خلال الحب المتبادل مع طفلها وتحميه مما تعرضت له في طفولتها.

المصادر

تحميل المزيد