عند ذكر عيد الأم قد يتبادر إلى ذهنك أغنية الفنانة الراحلة فايزة أحمد «ست الحبايب يا حبيبة»، أو قد تتذكر الوردة التي كنت تقطفها من الحديقة لتهديها لأمك وربما كنت ترفق معها خطابًا مليئًا بالمشاعر الصادقة وكلمات الحب والامتنان. ولكن هل تساءلت لماذا توجد مواعيد مختلفة لعيد الأم؟ بل متى نشأ هذا العيد في الأصل وكيف تحول لمناسبة عالمية؟

للإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى أن نعود بالزمن إلى اليونان القديمة وإلى مصر الفرعونية.

العصور القديمة.. عيد للآلهة الأم

تقليديًّا يُنسبُ عيد الأم إلى أرض اليونان والحضارة اليونانية القديمة، حين كان الإغريق يحتفلون بعيد في الربيع لتكريم الإلهة ريا، أم آلهة الأوليمب الشهيرة زيوس، وبوسايدن، وهاديس، وهيرا، وهيستيا، وديميتير، وزوجة كرونوس. ارتبطت ريا بالخصوبة والأمومة، خاصةً وأنَّها أم جيل الآلهة التي حكمت الأوليمب.

لذا قرر الإغريق تكريم ريا والاحتفال بها بتقديم قرابين من كعك العسل والخمور والأزهار، لتحل عليهم بركة أم زيوس كبير الآلهة، ومع اختلاط الثقافة اليونانية بالثقافة الرومانية، استمرت الاحتفالات ولكن بتكريم آلهة أخرى، اسمها سيبيل، والتي نالت عندهم مكانة أكبر من مكانة ريا.

ولكن الفراعنة احتفلوا قبل ذلك بما يشبه عيد الأم، إذ احتفل المصريون بإيزيس، الإلهة التي أحبوها على مدار العصور، وإيزيس بالنسبة للفراعنة كانت إلهة الأمومة والخصوبة، وهي زوجة أوزوريس، حاكم العالم السفلي، والذي بعثته للحياة مرة أخرى باستخدام سحرها، لتنجب منه حورس، وفقًا للأسطورة الفرعونية.

إيزيس مع ابنها حورس. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

عادة ما كان تصوَّر إيزيس في هيئة امرأة جميلة ترتدي تاجًا مكونًا من قرني بقرة وقرص الشمس، أو تاجًا مكتوبًا عليه بالهيروغليفية ما يعني كلمة «عرش»، وقد ذكرت إيزيس عدة مرات في نصوص الأهرام وهي تساعد الملك المتوفى.

ولكونها إلهة الخصوبة والأمومة والسحر أيضًا، ونموذج «الأم المثالية»، لجأت الأمهات المصريات لتمائم إيزيس لمساعدتهم على تخطي فترة الحمل وحماية الأطفال، وأقام الفراعنة احتفالات سنوية لإيزيس لتقديم القرابين.

«أحد الأمومة» وتسليع عيد الأم الأمريكي

ظهر في العصور الوسطى تقليد في الأحد الرابع من لينت، وهي الفترة التي تسبق عيد الفصح، حيث كان الرجال والشباب وحتى الأطفال الذين يعملون خارج قريتهم يعودون للكنيسة الأم الخاصة بهم، وبعد عودتهم من الكنيسة يقطفون الأزهار ويكتبون الرسائل لأمهاتهم. وبطبيعة ذلك العصر كان من العادي أن يخرج الأطفال بعد سن العاشرة إلى سوق العمل، وكان أحد الأمومة فرصة للعودة إلى قراهم ورؤية ذويهم.

وبسبب تغير موعد الربيع كل عام، يتغير معه أحد الأمومة، لكنه يظل من أقدم تقاليد الاحتفال بالأم، وقد اكتسب شهرة في أنحاء أوروبا واتجهت العديد من البلدان المسيحية إلى الاحتفال بأحد الأمومة، إلى أن ظهر عيد الأم الأمريكي، والذي أصبح أكثر شهرة من غيره.

في أمريكا كانت هناك أكثر من محاولة للاحتفال بعيد الأم، منها ما يعود للقرن التاسع عشر، حيث أقامت آن رييفس جارفيس نوادي لتعليم الأمهات كيفية الاعتناء بالأطفال، ومع الوقت توسعت هذه النوادي لتصبح قوة مُوحِّدة في ولاية فيرجينيا الغربية التي عانت من انقسامات ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية. وبعد الحرب، في عام 1868 دشَّنت آن «يوم صداقة الأمهات»، لتجتمع فيه السيدات مع الرجال المتخاصمين وأبناء معسكري الحرب الأهلية، لمساعدتهم على التصالح.

في 1870، كتبت جوليا وارد، الكاتبة والشاعرة الأمريكية المعروفة بمناهضتها للعبودية، «إعلان يوم الأم»، والذي نادت فيه جميع أمهات العالم ليتحدن في دعوتهم للـ«سلام العالمي»، وسعت عام 1873 لتخصص اليوم الثاني من شهر يونيو (حزيران) ليكون «يوم سلام الأمهات».

آن جارفيس (يسار)، وابنتها آنا جارفيس (يمين). المصدر: WomenHistoryblog

إلا أن العطلة الرسمية لعيد الأم ظهرت في التسعينيات نتيجة لمجهودات آنا جارفيس، ابنة آن جارفيس، فبعد وفاة أمها، شعرت آنا أن أفضل طريقة لتخليد ذكرى والدتها ستكون عن طريق عيد الأم، وأنه يجب أن يُخصص هذا اليوم لتكريم جميع الأمهات اللاتي يضحين بعمرهن من أجل أطفالهن. وبعد أن نجحت في الحصول على تمويل مناسب أقامت آنا أول احتفالية لعيد الأم في إحدى الكنائس.

وبعد نجاح هذا اليوم، سعت آنا ليكون عيدًا قوميًّا، فبدأت بحملة من إرسال الخطابات إلى السياسيين وإلى الجرائد والمجلات تحثهم على دعمها في مسعاها. وبحلول العام 1912 تبنت العديد من الولايات الفكرة واحتفلت بعيد الأم، وفي عام 1914، أقرَّ ووردو ويلسون، الرئيس الأمريكي آنذاك، يومَ الأحد الثاني في شهر مايو (أيار) من كل عام بوصفه عيدًا للأم.

وعلى الرغم من سعي آنا لجعل عيد الأم عطلة رسمية، فلم يعجبها كيف تحول العيد من يوم جميل لزيارة الأمهات إلى يوم تجاريٍّ يستغله أصحاب المتاجر وباعة الورود، وكرهت كيف تحولت فكرتها إلى فكرة تجارية وفقدت الغرض الحقيقي منها، وضغطت لإلغاء اليوم والاحتفال به.

الجدير بالذكر أن العديد من الدول اتبعت الولايات المتحدة في تقليدها، فأصبح عيد الأم هو الأحد الثاني من شهر مايو (أيار) من كل عام.

عيد الأم في العالم العربي.. عودة إلى مصر

النسخة المطورة من عيد الأم دخلت إلى العالم العربي من أرض مصر، وتحديدًا عن طريق الصحافيين علي أمين ومصطفى أمين، إذ طرحا الفكرة في عمودهما الصحفي باسم «فكرة»، واقترحا الاحتفال بعيد الأم تقديرًا لهن. وقد بدأت القصة بالنسبة لمصطفى أمين بزيارة من أرملة مصرية ربَّت أولادها الصغار وحدها حتى تزوجوا وانشغلوا عنها رغم تضحياتها لأجلهم. وقد نجح الأخوان عام 1956 في كسب التأييد الشعبي لاختيار يوم 21 مارس عيدًا للأم في مصر، ولاحقًا خرجت الأغنية الشهيرة «ست الحبايب يا حبيبة» عام 1959.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد