تطهير تام واقتحام ناجح، الإرهاب يتراجع وينتهي وسيناء اليوم في عيد، بتلك الكلمات وغيرها يفاجأ المصريون بين الحين والآخر بنشر أخبار دعائية في معظمها حول سيناء، هدفها الرئيس تحسين صورة النظام المصري أمام الشعب، بغض النظر عن حقيقة الموقف، ومن أبرز تلك الدعايات تطهير جبل الحلال، واقتلاع الإرهاب من سيناء.

دعاية سياسية يخدم عليها النموذج الإعلامي القريب في نظر الكثيرين من نموذج إعلام الستينات خلال نكسة يونيو (حزيران)، دعاية دأب النظام المصري على بثها كرد على بعض الأزمات الداخلية، سواء الأمنية في سيناء وباقي المحافظات، وفي بعض المرات السياسية، ولأكثر من مرة تشكك تلك التقارير في نفسها بنفسها عبر تكرارها، وفي أحيان كثيرة تنتهي مع عملية إرهابية، أو بظهور شخص أعلن وزير الداخلية مقتله، ويكفي في أحيان أخرى استمرار تلك المجموعات العسكرية التي تتخذ من اسم «ولاية سيناء» عنوانًا لنفسها.

جبل الحلال

في فبراير (شباط) الماضي انتشرت في وسائل الإعلام المصرية أخبار عن عملية عسكرية لتطهير جبل الحلال – الجبل الأسطورة – الذي يقع في منطقة وسط سيناء ويتميز بوعورته وصعوبة التحرك داخله، وكان انتشار الخبر في الإعلام مليئًا بالأحاديث عن قدرة الجيش المصري وانتصاره علي الإرهاب والمصاعب التي واجهته خلال الاقتحام، وبعض التحليلات من خبراء عسكريين وحلقات كاملة في القنوات الفضائية، كما انتشرت بعض الأخبار حول ملايين من الدولارات وجدت في الجبل وبطاقات هوية لأجانب من جهات مخابراتية خارجية، ولأول مرة لم تنشر القوات المسلحة أية صورة كما هو معتاد للعناصر التي قالت إنها قتلتهم في الجبل خلال السيطرة عليه.

«ساسة بوست» رصد العديد من الأخبار المتعلقة باقتحام الجبل في أوقات سابقة، والقيام بعمليات عسكرية بالقرب منه، ومن خلال إحصاء غير علمي لبعض الأخبار والتصريحات منذ عام 2012 حول جبل الحلال؛ لاحظنا أن معظم الأخبار حول الجبل كان يصاحبها عادًة نفس «البروباجندا» الإعلامية التي جرت خلال الأيام الماضية في فبراير (شباط)، ونحن هنا لسنا بصدد نفي أو تأكيد حقيقة الاقتحام وتطهير الجبل، خاصًة وأن مصدر الأخبار الرئيس منحصر في الجهات الرسمية المصرية وشهود العيان الذين يرفض معظمهم الإعلان عن أسمائهم أو الظهور الإعلامي خوفًا من اعتقال الجيش أو الاغتيال عن طريق المجموعات المسلحة. التزمنا ها هنا في الرصد اختيار الأخبار الموثقة من بيانات رسمية أو تصريحات لم يتم نفيها بعد ذلك.

وفقًا لرصدنا، فإن النظام أعلن عن اقتحام جبل الحلال والقيام بتطهيره ثلاث مرات، فيما أعلن عن وقوع اشتباكات والقبض علي خارجين عن القانون في محيط الجبل أربع مرات أخرى خلال الفترة من 2012 إلى 2017.

وأعلن الجيش المصري اقتحام جبل الحلال في فبراير (شباط) الماضي، وأعلن عن تصفية عدد من الإرهابين، وسبق ذلك الاقتحام إعلان عن اقتحام قبل ذلك في العام 2016، حيث أعلن الجيش المصري اقتحام جبل الحلال والسيطرة عليه، وكان ذلك في مايو (أيار)، وجاءت الأخبار وقتها تحت عنوان «جبل الحلال فى قبضة الجيش»، وأعلن الجيش وقتها على لسان محمد سمير المتحدث العسكري عن مقتل وإصابة نحو 200 من «الإرهابين»، أما أول إعلان عن اقتحام الجبل بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، فكان في يوليو (تموز) 2013، وأعلنت القوات المسلحة المصرية اقتحام مجموعات «الصاعقة» -العمليات الخاصة في الجيش- جبل الحلال وألقت القبض على 40 إرهابيًا.

وفيما يخص وقوع اشتباكات في مناطق من الجبل أو في محيطه، فكان أبرزها في يوليو (تموز) 2015، ونشرت وسائل الإعلام المصرية حينها تأكيدات عن إنجاز كبير للجيش قائلة «إن رجال الجيش الثالث الميداني حققوا إنجازًا كبيرًا في مداهمة عدد من البؤر الإرهابية الموجودة بالقرب من مناطق وسط سيناء وشرق جبل الحلال»، كما أُعلن عن أن القوات المسلحة في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وتحديدًا قوات الجيش الثالث الواقع معظم الجبل في نطاقه، قامت بمداهمات شرق جبل الحلال، فيما أعلنت القوات المسلحة في ديسمبر (كانون الأول) 2015 قيامها بمداهمة لإحدى القرى بالقرب من جبل الحلال.

وكانت تنشر أخبار متعلقة بالسيطرة الكاملة للقوات عندما داهمت جبل قريب من جبل الحلال لضبط طن من مخدر الهيروين، ونشرت الأخبار وقتها على أن هذا هو جبل الحلال. في 17 سبتمبر (أيلول) 2012 كانت قوات الجيش تداهم مناطق قرب جبل الحلال وفقًا لاحد الخبراء الأمنين في تصريحات لبي بي سي، وتوقع وقتها أن تنتهي العمليات العسكرية المصرية خلال ستة أشهر، وكان يطلق عليها وقتها العملية نسر، بالرغم من أن قوات الجيش لم تكن أعلنت دخولها لمنطقة سيناء بعد.

الإعلام يعلن أن القوات المسلحة اقتحمت جبل الحلال في فبراير (شباط) 2017

أهالي سيناء

تعود تسمية جبل الحلال لما يطلقه البدو علي الحيوانات التي يحل أكلها، والتي كانت تنتشر في مراعي ذلك الجبل وتنتشر في مساحة واسعة من سيناء بالقرب من الحدود المصرية الإسرائيلية في منطقة وسط سيناء.

أجرينا اتصالًا بأحد الأهالي القريبين من منطقة جبل الحلال- رفض إعلان هويته – وقال «جبل الحلال جبل وعر ومساحته شاسعة والجبل ملئ بالكهوف والشجوج (الشقوق)، وهي منطقة أصغر من الكهف، وممراته كثيرة ومتنوعة، وفي 2005 كانت هناك محاولة لاقتحامه، بعد أن قيل إن به عددًا من منفذي العمليات الإرهابية، ولكنه في الحقيقة كان ملجأ لأصحاب الأحكام الجنائية (قتل ومخدرات وتهريب) وليس إرهابًا، وفي أعقاب التجاوزات التي قامت بها قوات الأمن ضد أهل سيناء، وتلفيق تهم لهم خلال فترة حبيب العادلي هرب عدد من الأهالي للجبل».

ويقع الجبل ضمن حيز سيطرة قبيلتي الترابين والتياهة المنتشرين في وسط بعض المناطق في سيناء، ولا يمكن لأحد دخوله دون علمهم، والقبيلتان، وخاصًة الترابين، علاقتهما بأجهزة الامن المصرية جيدة، بل إن قبيلة الترابين أعلنت في وقت سابق محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) في سيناء؛ لمنع تمددها داخل مناطق الوسط التي تعتبر مصدر نفوذ القبيلة.

وشدد المصدر على أن محاربة الترابين للمجموعات المسلحة يأتي خوفًا على الاستثمارات والمصانع التي تنتشر في مناطقهم، ويعمل بها العديد من أهالي القبيلة، وبعضهم يحصل على أموال مقابل حمايتها، وخاصًة مصانع رجل الأعمال حسن راتب، بحسبه.

وأشار المصدر الذي لم يكن موجودًا خلال إعلان اقتحام الجبل، إلى أن بعض الأهالي هناك أكدوا عدم سماعهم عن أية عمليات أو تحركات ولم يسمعوا أصوات اشتباكات من التي أعلن عنها في وسائل الإعلام، ولكنه قال إنه من الممكن أن يكون الجيش اقتحم منطقة بعيدة عن التجمعات التي يعرفها أو اختار مكانًا ما، ولكنه رفض التشكيك المطلق في رواية الاقتحام أو التأكيد عليها.

تواصلنا مع مصدر آخر من سيناء، ولكنه يعيش في منطقة العريش، وطلب أن يذكر اسمه بالكنية -أبو عابد- وقال التشكيك في رواية الجيش متاح، وليس مستبعدًا، ولكن بفرض أنه صحيح، فما هي النتائج؟ ولماذا نشرت أخبار حول الاقتحام عقب تهجير الأسر المسيحية من العريش بعد التهديدات المتتالية لهم؟ ولماذا لم ينشر الجيش كما اعتاد صورًا للقتلى في العمليات؟

وتابع «الأجهزة الأمنية طوال الوقت تتعامل مع أهالي سيناء على أنهم فاقدو الذاكرة، ومعظم ما ينشر عن تطهير واقتحام وإنهاء وجود مسلحين غير صحيح، وبعد أيام وأسابيع تخرج مجموعات مسلحة من ذات المناطق التي قيل إنها طهرت، وتم اقتحامها».

ويسأل أبو عابد لماذا لا يصارحنا الجيش بالموقف لنعرف حقيقة الوضع؟ فسيناء إلى الآن تقطع فيها شبكات الاتصالات بالساعات، والمسلحون يقومون بعمل كمائن في عدة مناطق خارج العريش، ويطالبون الأهالي بالحجاب والنقاب واتباع الشرع، ويرحبون بهم في الدولة الإسلامية (ولاية سيناء).

الإعلام يعلن أن القوات المسلحة اقتحمت جبل الحلال في مايو (أيار) 2016

عرض سابق لمسلحين في سيناء

القضاء علي الإرهاب في سيناء

تعد دعاية القضاء علي الإرهاب في سيناء، أحد أبرز الدعايات التي يروجها النظام المصري، خاصًة عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وانسحاب قوات الأمن من العديد من المحافظات المصرية، وارتفاع وتيرة التسليح والعنف خاصة بعد بداية الثورة الليبية وتهريب السلاح لمصر.

بدأت موجة التصريحات غير الدقيقة والتطمينات غير المنطقية على حساب الوضع على الأرض في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وصدرت على لسان محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة – كان يدير البلاد عقب تنحي حسني مبارك – قائلة «سيناء مؤمنة بنسبة 100%» فرد عليه أحد الأشخاص خلال افتتاح تطوير إحدى مستشفيات العسكرية قائلًا «الوضع مطمئن»، إلا أن طنطاوي قاطعه بشكل حاسم قائلُا «لا مؤمنة 100%».

تصريحات طنطاوي جاءت بعد شهرين تقريبًا من عملية هجوم لعدد من المسلحين، قالت إسرائيل: إنهم تسللوا من مصر إلى قرب منطقة إيلات، ومن ثم استمر التطور النوعي في العمليات، وبعيدًا عن العمليات الصغيرة من خطف أو تفجير خطوط الغاز أو الهجوم على أقسام الشرطة جاءت مذبحة رفح الأولي وكانت في أغسطس (آب) 2012، لتمثل نقلة كبيرة ونوعية.

استمرت العمليات وبشكل كبير وعقب الإطاحة بمحمد مرسي من منصب رئيس الجمهورية ارتفعت وتيرة العنف في سيناء وحدثت العديد من العمليات العسكرية التي راح ضحيتها عشرات الجنود المصريين، وبالرغم من تلك الحوادث الكبرى خرج وزير الداخلية المصري وقتها محمد إبراهيم في تصريحات مبشرة »الأجهزة الأمنية نجحت في القضاء على 99% منن البؤر الإرهابية على مستوى الجمهورية «تصريحات الوزير التي كانت في سبتمبر (أيلول) 2013 بعد أيام من محاولة اغتياله الفاشلة في وسط القاهرة في 5 سبتمبر (أيلول) 2013 وأعلنت ما تعرف بجماعة «أنصار بيت المقدس» (ولاية سيناء) الآنن مسئوليتها عن الحادث.

فيديو لمحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري

التصريحات غير الدقيقة استمرت، وبعد عام وفي السابع من سبتمبر (أيلول) 2014 قال مدحت المنشاوى-مساعد وزير الداخلية للعمليات الخاصة- قضينا على 95% من بؤر الإرهاب فى سيناء، ثم أتت عملية كرم القواديس في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، وأسفرت العملية عن سقوط نحو 26 قتيلًا وأكثر من 28 مصابًا.

السيسي كان أيضًا صاحب تصريحات مثيرة متعلقة بالقضاء على الإرهاب، وفي حواره مع «BBC» قال «إن تحقيق الاستقرار والتنمية في سيناء، سيكلفنا كثير، منوهًا إلى أن الجيش استطاع القضاء على الإرهاب في سيناء بنسبة 90%».

وفي فبراير (شباط) 2017 وخلال لقائه مع مساعديه، قال مجدي عبدالغفار وزير الداخلية «نجحنا في تقويض قوى الإرهاب بسيناء»‎، ولم تكن التصريحات على مستوي القادة العسكريين وفقط، ولكن أيضًا على مستوى الخبراء العسكريين أصحاب العلاقات القوية مع النظام، والذين قال بعضهم في 2014: إن الجيش قضى على 95% من الإرهاب في سيناء، وعلى الجانب الآخر، تشير إحصائية لوكالة الأناضول حتي يناير (كانون الثاني) 2015 إلى وقوع نحو 201 قتيلًا في نحو 53 عملية إرهابية.

وكانت آخر نتائج الانفلات الأمني في سيناء التهجير الذي حدث لعدد من الأسر المسيحية في العريش، وأظهر عدم قدرة النظام الحالي في نظر البعض على حماية المواطنين داخل شبة الجزيرة المنفلتة أمنيًا، بالرغم من حظر التجوال المفروض على عدة مناطق في سيناء ومستمر منذ عدة أعوام.

شادي المنيعي في أحد التسجيلات

شادي المنيعي

وكان خبر مقتل شادي المنيعي، والذي يوصف بالقيادي في تنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) أيضًا، من المحاولات الحثيثة لمكاسب يسعي النظام لكسبها في الشارع، وقد أعلن مقتل المنيعي أربعة مرات، كان أول إعلان على لسان وزير الداخلية المصري السابق محمد إبراهيم في 23 مايو (آيار) 2014، وظهر بعدها بيومين شادي يقرأ خبر مقتله على اللاب توب للتأكيد على أنه مازال حيًا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام قال إبراهيم مرة أخرى إن المنيعي قتل ليرد عليه المنيعي بفيديو يؤكد أنه مازال حيًا، ولكن إبراهيم عاد وشكك في التسجيل، كما عادت المصادر الأمنية في ديسمبر (كانون الأول) 2015 لتؤكد خبر مقتل شادي المنيعي.

وزير الداخلية الحالي مجدي عبدالغفار كان أكثر ذكًاء في هذا الجانب على ما يبدو من سابقة ورفض في مارس (آذار) 2016 تأكيد مقتل المنيعي، وقال في تصريحات صحافية إنه في حالة التأكد من مقتل المنيعي سوف يعلن عنه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد