هل تتذكر ذلك الصيف الساخن؟ الحديث عن رغبة الرئيس في التوريث وحوادث التعذيب يتصاعد بصورة غير مسبوقة، وثمة تعاون وتواصل مدهش وغير مسبوق بين شباب التيارات المعارضة المختلفة، والحلم المكتوم يتضخم في الصدور، يحاول جاهدًا أن يعبر عن نفسه.

هل خففت الرقابة من قبضتها أم وصل الغليان الشعبي إلى صناعة السينما لهذه الدرجة غير المسبوقة وكان أكبر من أن تقمعه رقابة السلطة في هذا العام؟ كانت سينما 2010 كاشفة لحال مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي قبل الثورة، في وضوح لا رمزية فيه. كان للسينما هامش حرية كبير نسبيًا للتعبير عن الفساد السياسي وتأثيره الاقتصادي والاجتماعي على الدوام، وهو الهامش الذي ازدادت مساحته بشدة في هذا العام، أو اخترقه المبدعون تباعًا حينها. لكن التلفزيون ظل إلى حد كبير حينها سلاح الحزب الحاكم الذي لا يتنازل عنه بسهولة، وحتى في عام 2010 الاستثنائي، حين عرضت السينما أفلامًا من نوعية «بنتين من مصر» و«ميكروفون»، كان التلفزيون ما زال يحاول عرض وجهة النظر الأحادية للنظام تجاه الجماعات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين خاصةً، فقدمت الدراما التلفزيونية في 2010 مسلسلين كاملين، هما «الجماعة»، الذي ألفه وحيد حامد، و«قصة حب» لمدحت العدل.

الدراما التلفزيونية

ما بين قصة حب ومسلسل الجماعة رابط ما، يكمن في الكلمات والأفكار المتشابهة، والمتماثلة أحيانًا في ذروة الأحداث، فقول أمير الجماعة في قصة حب: «لابد أن يعلموا أننا قوة لا يستهان بها»، قاله مرشد الإخوان المسلمين في مسلسل الجماعة عند التجهيز للعرض العسكري بجامعة الأزهر بصيغة مختلفة قليلًا: «إحنا أصحاب قوة وبأس ولازم الكل يعرف كده».

عرضَ العملان الدراميان الإسلام السياسي، كما يظهر دائمًا على الشاشة ولا يظهر غيره، فليس هناك في الدراما المصرية أنواع للإسلام السياسي، بل هو نوع واحد دائمًا؛ إرهاب يحاول أمن الدولة قمعه.

«قصة حب».. أمن الدولة الرحيم!

برومو مسلسل قصة حب

تدور أحداث المسلسل حول ياسين (جمال سليمان) مدرس اللغة العربية والناظر بإحدى المدارس، وعلاقاته بإخوته الأربعة الذين تولى أمرهم بعد وفاة والديه، وما يواجهه من مشكلات في مدرسته. تتمحور أحداث المسلسل خاصة حول علاقته برحمة (بسمة) التي يقع في حبها وينوي الزواج منها بعد أن يتعرف عليها في المدرسة بصفتها أمًّا لأحد تلامذته، حيث تكشف الأحداث أن رحمة أرملة عضو سابق بجماعة دينية، وابنها عبد الرحمن (محمد الشرنوبي)، قد عانيا من مداهمات أمن الدولة لمنزلهم واعتقال الأب عدة مرات، ويصدف أن يكون ضابط أمن الدولة المسؤول عن ذلك هو عرفان (خالد سرحان).

تصل الأحداث للذروة حين يشرع عبد الرحمن في تنفيذ عملية انتحارية بتفجير نفسه للتخلص من عرفان، وتتدخل الأم والناظر في اللحظة الأخيرة لإنقاذه واعتباره شاهدًا. تتسم المعالجة الدرامية للأحداث بالنظرة الأمنية لتلك القضايا باعتبار عبد الرحمن شابًا مغيبًا تم استدراجه للانضمام لجماعة دينية متطرفة، وأمن الدولة الذي ينقذه من بين أيديهم باعتباره شاهدًا، ويبرر المسلسلان ما يفعله أمن الدولة من حملات الاعتقال والمراقبة ومداهمات منازل المنتمين للجماعات الإسلامية، بأن ذلك ضريبة حماية الأمن الوطني، وحماية للمجتمع من التطرف والإرهاب الديني.

تم إنتاج المسلسل عام 2010، وعرض في رمضان، وهو تأليف مدحت العدل وإخراج إيمان الحداد، حصد المسلسل العديد من الجوائز في مهرجان القاهرة للإعلام العربي لنفس العام من بينها جائزة أحسن ممثل دور أول لجمال سليمان، والجائزة الذهبية كأفضل مسلسل اجتماعي، وأيضًا أحسن إخراج لإيمان حداد، وجائزة أحسن ممثلة لبسمة وجائزة أفضل ممثل دور ثانٍ لخالد سرحان.

«الجماعة».. هدية من النظام للإخوان

برومو مسلسل الجماعة

منذ الإعلان عن بدء العمل في مسلسل الجماعة، خلق حالة من الجدل الكبير حوله. تناول المسلسل مسيرة جماعة الإخوان المسلمين تاريخيًا بطريقة الفلاش باك، حيث بدأ بأحداث 2006 والعرض العسكري بجامعة الأزهر، ثم العودة إلى حسن البنا مؤسس الجماعة وطفولته، وتأسيس الجماعة وما تلا ذلك من أحداث، وينتهي الجزء الأول باغتياله.

بدأ المسلسل بعدة مشاهد مختلفة ارتكزت على فكرة القضاء المصري باعتباره السلطة المستقلة عن النظام الحاكم وعن خصومه أيضًا، وهو الذي عمد التلفزيون المصري دائمًا على ترسيخه، والمتعلق بترسيخ صور ذهنية عن استقلالية القضاء وأحكامه النزيهة وكونه السلطة التي لم تفسد بعد في منظومة الدولة المصرية، فكان ابن المستشار، أشرف هلال (حسن الرداد) وكيل النيابة الذي كلف بالتحقيق مع طلاب العرض العسكري لكنه تنحى للحرج، ولعدم امتلاكه خلفية تاريخية وسياسية للتحقيق في القضية، لذا توجه وكيل النيابة إلى المستشار عبد الله كساب (عزت العلايلي) وهو إخواني سابق أو على وجه الدقة من «المحبين» كما عبر المستشار نفسه، ليحدثه عبد الله كساب أن أهم ما يجب أن يعرفه عن الجماعة هو مرشدها حسن البنا (والذي قام بدوره إياد نصار).

من هنا يبدأ في سرد طفولة البنا ويعطيه بعض الكتب ليستعين بها لفهم مسيرة حياته، وتدور أغلب أحداث المسلسل في قراءات أشرف لتاريخ الجماعة بطريقة الفلاش باك. وبالرغم من أن المسلسل كان يتحامل على جماعة الإخوان المسلمين كما رأت الجماعة حينذاك، وكما رأى بعض النقاد، إلا أنه من جهة أخرى كان خير دعاية لها من وجهة نظر البعض.

علق المفكر فهمي هويدي على ذلك في مقاله «كسب الإخوان وإن غضبوا» المنشور بجريدة الشروق أنه ليس بمستغرب أن ينشر المسلسل ما دأب الإعلام المصري على نشره عن الإخوان المسلمين طوال نصف القرن الأخير، ولكنه برغم ذلك أفادهم (أي الإخوان) بأكثر مما أساء إليهم، «لأنه أعاد اسم الجماعة إلى الضوء، ليهدم الجهد الذي بذلته وزارة الداخلية طوال السنوات الأخيرة، حين أصدرت تعليماتها لكل من يهمه الأمر بالكف عن ذكر اسم الإخوان والاكتفاء باستخدام مصطلح «المحظورة» في الإشارة إليهم».

وأضاف هويدي حينها أن المسلسل أدى إلى الإقبال على كتب الإخوان ومحاولة التعرف بهم لاختبار دقة ما عرض المسلسل من أفكار، وذلك لأن «المسلسل منذ بداياته أثار شكوكًا قوية في رسالته، وأعطى انطباعًا بأنه عمل سياسي بأكثر منه عملًا فنيًّا، وأن الجهد الأمني فيه أكبر من الجهد الثقافي والإبداعي.«

أنتج المسلسل وعرض في 2010، في رمضان، وهو من تأليف وحيد حامد وإخراج محمد ياسين. وقد فاز المسلسل بسبع جوائز في مهرجان القاهرة للإعلام العربي لنفس العام، أهمها جائزة الإنتاج الفضية وجائزة السيناريو لوحيد حامد والتمثيل لإياد نصار.

«بنتين من مصر».. فيلم رعب مصري!

برومو فيلم بنتين من مصر

رغم أنه لم يبق إلا فترة ضئيلة للغاية في السينما، وقامت الثورة بعده مباشرةً، إلا أن العديد ممن عادوا وشاهدوه بعد الثورة، وجودا فيه تعبيرًا عميقًا عن أسبابها، وبعضهم وجودا فيه (فيلم ثورة 25 يناير) بامتياز، وأن كل محاولات تناول الثورة بعد قيامها في السينما والدراما بعد ذلك، لم ترق إلى مستواه.

يبدو للوهلة الأولى أن الفيلم يتمحور فقط حول قضية العنوسة، إلا أنه في الحقيقة تجاوز ذلك لمشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية أخرى تبدو العنوسة كأثر من آثارها.

بطلتاه تجسدان مشكلات بنتين من مصر، أشرفتا على بلوغ الثلاثين ولم تتزوجا بعد. داليا (صبا مبارك) التي ترسم صورًا خيالية للعشاق، وحنان (زينة) التي تبحث عن عريس دائمًا وتدفع داليا أيضًا لذلك. حنان تحاول التقرب من زميل لها في العمل لكنها تكتشف أنه يريد أن تتوسط له ليتزوج زميلتها الأصغر منها سنًا، تشتري قمصان النوم وتكتب عليها تاريخ شرائها منذ أن جاوزت العشرين، تشك في أنوثتها فتفكر في إجراء عملية لتكبير ثدييها، وتراقب شعيرات بيضاء بدأت في الظهور في رأسها.

تقدم حنان في مكتب للزواج، وتقدم لداليا – ابنة عمها – معها، لتحصل أخيرًا على عريس مناسب (إياد نصار)، لكنه يشترط أن يتأكد لدى طبيبة من عذريتها، وتقبل، لكنه يرفض الزواج أيضًا لأنه يعجز عن الثقة في أي امرأة، ثم تدور الأحداث فتعاني من ورم في الرحم وتوشك على أن تستأصله، وتتقلص فرصها في الزواج والإنجاب. أما داليا، فهي طبيبة متفوقة، بينما أخوها (عمرو حسن يوسف) لا يجد عملًا، يبحث عن فرصة للسفر هو وصاحبه خارج مصر، ويكون على ظهر العبارة الغارقة، ينجو هو بعاهة مستديمة ويكون صاحبه من بين الضحايا.

مشهد غرق العبارة وانتظار الأهالي جثامين ذويهم

نعود لداليا التي تقع في حب زميل لها (رامي وحيد) تعرفت عليه في إحدى وقفات احتجاج النقابة، والتي دفعتها حنان للذهاب إليها، وبعدما أوشكت أن تصارحه بمشاعرها تكتشف أنه عميل لأمن الدولة، أما طارق لطفي، فكان العريس الثاني الذي حصلت عليه من مكتب الزواج. توافق على العيش معه في منطقة نائية يقيم فيها مشروعًا زراعيًا، لكنه يضطر للسفر خارج مصر بسبب تعثره في سداد قرض من الدولة، ويضطر كذلك لإنهاء ارتباطه بها، بعدما شعرت في وجوده بالأمان، وبأن أحلامها كأنثى بدأت لأول مرة تجد لها أفقًا.

أما جمال (أحمد وفيق) فبرغم كون دوره ليس رئيسيًا، إلا أنه مثل الحالة السياسية والنفسية التي يعيشها الشباب في تلك المرحلة، تعرفت إليه داليا عبر الإنترنت، وكان حسابه على الشبكة العنكبوتية باسم (اللامنتمي)، هو الرافض حتى للارتباط، تسأله لماذا لم يرتبط حتى الآن، فيرسل لها صورة صديق له على ظهره علامات تعذيب، ثم يخبرها أنه تعرض لذلك دون أي تهمة ودون أن يكون له أي نشاط سياسي، ومع ذلك تعرض للتعذيب. يخبرها: «في مجتمع زي ده متقدريش تحمي اللي بتحبيهم» يخشى إن أنجب طفلًا أن يجده ضحية من ضحايا التعذيب هو الآخر بدون أي جريمة يرتكبها.

https://www.youtube.com/watch?v=eOzYT7uJdmw

جمال يخبر داليا لماذا لن يتزوج

فيلم بنتين من مصر لا يعبر فقط عن مشكلة العنوسة، ولا البطالة، ولا كذلك الفساد الذي جعل العبارة تغرق أكثر من ألف مسافر، إنه فيلم رعب على الطريقة المصرية يعبر عن كثير مما أفزع المصريين قبل الثورة، وما زال حتى الآن يؤرقهم. الفيلم إنتاج عام 2010 ومن تأليف محمد أمين وإخراجه. وفي المهرجان القومي للسينما لعام 2013 حصل الفليم على جائزة أفضل صوت لعلاء الكاشف، وأفضل ممثلة لزينة، وأفضل سيناريو لمحمد أمين.

«ميكروفون».. ثورة «الأندرجراوند» و«الجرافيتي»

تريلر فيلم ميكروفون

أحلام شباب فرق الأندرجراوند، وفناني الجرافيتي، وتعنت السلطات الرسمية في إتاحة الفرصة لهم للتعبير عن فرصهم، والتحرش ونظرة المجتمع للمرأة، كلها أبعاد دارت في إطار قصة حياة خالد (خالد أبو النجا) الشاب الذي عاد إلى الإسكندرية بعد عدة سنوات قضاها في الخارج، ليلاحظ التغيرات التي جرت فيها، ويحاول العودة لحبيبته القديمة هدير (منة شلبي) التي كانت على وشك الهجرة خارج البلاد.

في شوارع الإسكندرية يتعرف خالد على فناني الأندرجراوند، ورسامي الجرافيتي. يحاول تقديم العون لهم بعلاقاته حيث يتعرف على سلمى (يسرا اللوزي) ومجدي (أحمد مجدي)، أثناء تصويرهما لمشروع تخرجهم، وهو فيلم عن الفرق الموسيقية في شوارع الإسكندرية التي لا يعرفها أحد.

يصطدم الفن والأحلام حينها بالتعنت الحكومي في المركز الثقافي الذي تحاول الفرق إقامة حفلاتها فيه، وكذلك تعنت المجتمع نفسه ورفضه إتاحة الفرصة لهؤلاء الشباب، فبعدما يفشلون في الحصول على فرصة رسمية للغناء على المسرح يعتزمون على الغناء في الشارع، فيتصدى لهم بعض المصلين بالمسجد.

من خلال الأغنيات التي قدمها الفيلم، يظهر الصراع الداخلي بين البقاء داخل مصر أو الهجرة خارجها، وتنتصر الهجرة في النهاية، سواء في قرار حبيبته الهجرة خارج البلاد لأنها لم تعد تحتمل الحياة فيها، أو في كلمات وألحان الأندرجراوند، فأغنية اقرأ الخبر التي قدمها فريق مسار إجباري تجسد معاناة البطالة في ظل فرص عمل «مالية الجرايد» بشروط غير معقولة، يكون الرحيل هو الخيار الأمثل. فتغيرت أغنية شفيق جلال الشعبية القديمة من «شيخ البلد خلف ولد ويقول ده ابني أجمل هدية للوطن»، لتغنيها مسار إجباري: «شيخ البلد خلف ولد بس الولد ساب البلد، والحل ده كان معتبر».

مسار إجباري – اقرا الخبر

الفيلم أنتج في 2010، من إخراج أحمد عبد السيد، نال العديد من الجوائز منها جائزة أحسن فيلم عربي من مهرجان القاهرة السينمائي، وجائزة أحسن إخراج وأحسن فيلم من مهرجان جمعية الفيلم للسينما المصرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد