في جنوب شرق قارة أفريقيا، وعلى ساحل المحيط الهندي، ظهرت دولة نفطية جديدة، أو «دولة غاز» على الأحرى، إنها موزمبيق، التي تعيش نشوة الإعلان عن منح شركة الطاقة الأمريكية «أناداركو بتروليوم» الضوء الأخضر لبناء محطات لتسييل الغاز وتصديره باستثمارات تبلغ قرابة 25 مليار دولار، بينما ترتفع بعض التقديرات بهذا المبلغ إلى 30 مليار دولار، عبر تطوير حقول غاز قبالة سواحل مقاطعة كابو ديلجادو ذات الغالبية المسلمة شمالي البلاد.

ومن المتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية لهذه المحطات 12.88 مليون طن سنويًا، وستشكل موزمبيق بذلك واحدة من أكبر منشآت الغاز الطبيعي المسال في العالم، حتى أصبح البعض يطلق عليها «قطر أفريقيا»، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وبهذه التطورات ستدخل موزمبيق نادي الدول المنتجة للغاز باحتياطي يقدر بنحو 5 آلاف مليار متر مكعب، ووصفت «أناداركو بتروليوم» احتياطات موزمبيق من الغاز الطبيعي بأنها «من بين الأفضل والأكبر في العالم»، مما يجعلها مصدّرًا رئيسيًّا للغاز المسال، في الوقت الذي يُتوقع فيه أن تصل إيرادات موزمبيق من تصدير الغاز إلى 3 مليار دولار سنويًّا مع بداية عام 2030.

الإعلان عن الكشف عن «كنز الغاز» في موزمبيق أطلق موجة من التفاؤل لا سيما بين المسؤولين التنفيذيين هناك، وأعلن الرئيس الموزمبيقي فيليبي نيوسي أن «هذا العقد هو أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ موزمبيق»، وتوقع أن يوفر 5 آلاف وظيفة مباشرة و45 ألفًا أخرى غير مباشرة في هذا البلد الذي يبلغ الناتج المحلي الإجمالي فيه 14.67 مليار دولار.

إلى هنا تبدو الأمور وكأنها تسير على ما يُرام، غير أن هناك غيومًا من الأزمات تلقي بظلالها على اكتشافات الغاز، وقد تهدد هذه الاستثمارات المليارية، ويأتي في مقدمة هذه الأزمات الوضع الأمني الآخذ في التدهور بمرور الوقت، إذ تعرضت قوافل تقل متعاقدين مع «أناداركو» لهجمات مرتين على الأقل خلال العام الماضي، فضلًا عن الشكوك المثارة حول الفساد وسوء توزيع ثروات البلاد، التي لا يستفيد منها سوى طائفة محدودة، بينما يرزح غالبية الشعب تحت خط الفقر.

ومنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تستهدف مجموعة مسلحة مقاطعة كابو ديلجادو، التي توجد فيها اكتشافات الغاز الحديثة، وتسببت عمليات هذه المجموعة في مقتل أكثر من 200 شخص حتى الآن.

لماذا تعجز بعض الدول الأفريقية عن استغلال ثرواتها؟

في الوقت الذي تعيش فيه موزمبيق مرحلة «النشوة» بإعلان استثمارات الغاز وترقب خزينتها لمليارات الدولارات؛ تبرز نماذج مشابهة لها في أنجولا ونيجيريا وغينيا الاستوائية، تشير إلى أن هذه الاكتشافات المفاجئة من الغاز أو البترول يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على البلاد، وأنها مرشحة للسقوط تحت وطأة ما يسمى بـ«لعنة الموارد»، التي تشير إلى عجز بعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية وخاصة في أفريقيا عن استغلال ثرواتها وتحويلها إلى رخاء وازدهار يتمتع به مواطنوها.

العجز عن استثمار الموارد الطبيعية بشكل مثالي له أسباب عديدة، يأتي في مقدمتها أن هذه البلاد الغنية بالموارد تفتقر إلى الإدارة الجيدة والتوزيع العادل للثروات، والاستقلال في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، فضلًا عن أنها تعاني من صراعات متراكمة منذ عهود الاحتلال (تعرضت موزمبيق لاحتلال برتغالي دام أربعة قرون ونصف ونالت استقلالها عام 1975) إضافة إلى وقوعها في براثن الفساد والحكم القبلي وتجارب الفشل في تجارب تنويع الاقتصاد.

تجارب فاشلة في استثمار الثروات الطبيعية

أحد أهم أسباب فشل الاستفادة من الثروة النفطية هو غياب الشفافية عن التعامل الحكومي مع المكتسبات الناتجة من عائد هذه الثروة، التي لا تمر سوى في مسارات الحزب الحاكم والدائرة المحيطة به، كما حدث في تجربة حكومة الحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أو في تجربة غينيا الاستوائية التي يعوم خليجها على بحيرة من النفط، أو تجربة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في جنوب أفريقيا الذي يتحكم في أكثر من نصف إنتاج الذهب في أفريقيا، إلا أنه بسبب سياساته الفاسدة تراجعت جنوب أفريقيا إلى المرتبة الثالثة بعد غانا والسودان.

منطقة الشرق

منذ شهرين
هكذا أصبحت الاستثمارات الصينية في موانئ أفريقيا سلاحًا ذا حدين

أما حكاية نيجيريا مع الثروة البترولية، فجديرة بالإشارة إليها بشيء من التفصيل، إذ اكتشف النفط في نیجیریا في عام 1956، ولتقسیم عائدات النفط تم تقسیم نیجیریا مـن ثلاث ولایات إلى 36 ولایة وتسبب في حرب أهلیة سميت بـ«حرب بیافرا» ووقفت فرنسا في عهد شارل ديجول مع بيافرا طمعًا في النفط، وقتل فيها ملیون نیجیري.

وبعد تصاعد إنتاج النفط من نيجيريا لم تعد المشكلة تتمثل في وجود عائدات مالية أم لا، ولكن في من الذي يسيطر على هذه الأموال ويوجه طرق إنفاقها، ونتیجـة للصراع على «أموال الـنفط» وقعت سلسلة من الانقلابات في نیجیريا، ابتداء بمقتل الزعيم السياسي المسلم السردونا ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻴﻠﻮ ﺣﺎﻛﻢ ﺍﻹﻗﻠﻴﻢ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ، ثـم انقـلاب الجنرال يعقوب جون في 24 مايو (أيار) 1966م، ثـم انقلاب محمد مرتضى الله، الذي اغتیل كذلك في فبراير (شباط) 1976م، ونتیجة للنفط انخفضت المساحات المزروعة بالكاكاو إلى 60%، ومما يثير العجب، أنه بعد الاكتشافات النفطية زادت نسـبة الفقر مـن 35% إلى 70%.

غاز يُكتشف وعنف يشتعل

الوضع الأمني المتدهور يعد أحد أهم الأسباب التي تثير المخاوف بشأن مستقبل اكتشافات الغاز في موزمبيق، فبينما تقول شركتا «أناداركو بتروليوم» الأمريكية و«إيني سبا» الإيطالية اللتان تقومان بتطوير مشاريع منفصلة للغاز البحري بالقرب من الحدود التنزانية إنهما لم تتأثرا بالعنف في مقاطعة كابو ديلجادو.

قالت شركة «وينتورث ريسورسز» المدرجة في لندن، إنها لم تتمكن من الوصول إلى مناطق عملها قرب بلدة موكيمبوا برايا، بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة بسبب الهجمات المسلحة.

ووفقًا للصحافة المحلية في موزمبيق، فإن شركات إنتاج الغاز يستخدمون شركات الأمن الخاصة على نطاق واسع لحماية أنشطتها.

وتعليقًا على ذلك، قال نايجل مورجان مدير شركة «رولا إنتيليجنت سوليوشنز» في العاصمة مابوتو إن «هذه المشكلة الأمنية لا يبدو لها حل في الأفق، فضلًا عن أنها ربما تتحول إلى مشكلة إقليمية بمرور الوقت، وسيمثل ذلك مخاطرة واضحة بالنسبة لمستثمري النفط والغاز في «كابو ديلجادو». رغم أن الجيش الموزمبيقي يقود عمليات حفظ الأمن في المقاطعة بدعم من مرتزقة روس.

فيما ترى الباحثة في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية ميلاني مولر، أن مقاطعة كابو ديلجادو الشمالية تعرضت للإهمال عبر سنوات عديدة. وهناك تصور سائد بين السكان المحليين بأنه تم استبعادهم من فوائد الموارد الطبيعية، مثل حقول الغاز البحرية والتعدين.

وبدأت الهجمات المسلحة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 عندما استهدفت مجموعة من الرجال المسلحين بالبنادق والأسلحة البيضاء مراكز الشرطة في موكيمبوا برايا، مما أدى إلى مقتل خمسة من رجال الشرطة و12 من المهاجمين، وبعد ذلك توالى وقوع الهجمات، فيما تفيد منظمة محلية غير حكومية بأن المعارك تسببت في تهجير 90 ألف شخص على الأقل.

وبينما ترى السلطات في موزمبيق أن منفذي هذه الهجمات عبارة عن مجموعة من العصابات المسلحة وليست «جماعات إرهابية منظمة»، إلا أن هناك دراسة قام بها رجل الدين المسلم سعيد حبيبي والباحث جواو بيريرا في العاصمة مابوتو، أكدا فيها أن العمليات المسلحة ناتجة عن حركة تعرف باسم «أهل السنة والجماعة»، لكن السكان المحليين يطلقون عليها اسم «حركة الشباب»، وهو الاسم نفسه الذي يستخدمه المسلحون في الصومال وكينيا. وظهرت الخلايا العسكرية لهذه الحركة في نهاية عام 2015، ثم تطورت هذه الحركة بمرور الأيام حتى باتت تتألف من أكثر من 100 خلية مسلحة.

«الاقتصاد المسلح»: الغاز للشركات وأمراء الحرب والفقر للمواطنين

عرض الباحث الإنجلیزي نيكولاس شاكسون في كتابه «الآبار المسمومة: السياسة القذرة للبترول الأفريقي» نماذج للاستغلال الغربي للثروات النفطية التي تكتشف في الدول الأفريقية على حساب سكان هذه الدول، وضرب مثلًا بنیجیریا وأنجولا والجابون وغینیا الاستوائیة والكونغو، وهي مستعمرات إنجلیزیة وبرتغالیة وفرنسیة سابقة، ولك أن تتخيل أن دول غرب أفریقیا تصدر إلى الولایات المتحدة وحدها ملیوني برمیل من النفط یومیًّا أي ما قیمته تقرب من 180 ملیون دولار یومیًّا، أي ما يعادل 60 مليار دولار سنويًّا.

هذه المبالغ الهائلة تطرح تساؤلات كثيرة عن المستفيد منها، ولماذا لا يرى أثرها على الأفارقة الذين يعانون الأمرين من الفقر والبطالة؟ بينما تنفق ملايين الدولارات على تأمين الشركات النفطية الأجنبية وعمالها عبر شركات أمنية خاصة، ترتع في جنبات القارة السمراء، لحماية أباطرة المال والسلطة فيها.

وربما تبدو بعض ملامح إجابة تلك التساؤلات فيما أكده الباحث الإنجليزي أن الشركات الفرنسیة والأمریكیة والإنجلیزیة تتنافس على السيطرة علـى مستقبل النفط في الدول الأفريقية، وأنها تستخدم كل الوسائل المشروعة وغیر المشروعة للاستحواذ علـى التراخیص والامتیازات للتنقیب فـي بیئة هشة ومفككة وممتلئة بالصـراعات العرقیة والإثنیة والأیديولوجیة، وتحكمها نخب فاسدة لیس لها ولاء إلا لمصالحها الشخصية، الأمر الذي «جعل قصة النفط في هذه الدول خرابًا وشراء ذمم وفسادًا وحروبًا وانتفاخًا لجیوب مافیا الفساد ودمارًا للإنسان والبیئة. وتحول البتـرول من نعمـة إلى نقمـة وكارثة».

ويشير الكتاب إلى أنه في عام 2005 ارتفعت أسعار البترول لأكثر من 50 دولارًا، لسبب بسيط يتمثل في تهديد ثائر نیجیري مسلم هـو الحاج مجاهد دوكابو اساري بتـدمیر خطـوط الـنفط النیجیـري، احتجاجًا على أن عائدات النفط لا تذهب للمستضعفین النیجیریین الذین یتجاوزون 90 ملیون إنسان، ولا يدرون أين تذهب العائدات المالية من ثروات بلادهم.

توقعات مستقبل اكتشافات الغاز في موزمبيق

ما بين تفاؤل مسؤلي موزمبيق باكتشافات الغاز الجديرة بفتح أبواب الأمل، وتشاؤم المراقبين من الظروف التي تعيشها البلاد، يتوقع إد ستودارد المراسل السابق لوكالة «رويترز» في جوهانسبرج أن تسير موزمبيق على خطا الدول الأفريقية التي فشلت في استثمار ثرواتها النفطية، كونها تمتلك تاريخًا من الصراع والفساد وسوء الإدارة في وقت تقع فيه في المركز 158 من أصل 180 على مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية.

دولي

منذ 3 شهور
لماذا ترفض 14 دولة أفريقية ركوب القطار الصيني؟

بينما تتوقع شركة «أفريكان ريسورس» للاستشارات، ومقرها في كيب تاون، أن يستفيد اقتصاد موزمبيق من موارد الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الاستفادة ستكون أقل من المتوقع، وربما تأتي بشكل متأخر عما يتوقعه مسؤولو هذا البلد. إذ ستضطر موزمبيق دفع تكلفة الاسكتشافات وعمليات الاستخراج وتأمينها في هذه المرحلة رغم وقوعها في براثن ديون خارجية تصل إلى 6.276 مليار دولار، ولا يُتوقع أن تحقق العائدات المأمولة إلا في بداية العقد القادم. وبالتالي لن يرى المواطن الموزمبيقي العادي تحسنًا كبيرًا في نوعية حياته من اكتشاف الغاز.

المصادر

تحميل المزيد