هل يمكن للقاح كورونا أن يساعد في علاج السرطان؟ كلمة السر: تقنية «mRNA» المستخدمة في لقاح كورونا الذي أنتجته شركة فايزر.

أعلنت شركة فايزر الأمريكية في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2020 الماضي، عن إعتماد الحكومة البريطانية للقاح كورونا المستجد، الذي أعلنت شركة فايزر قبل أسابيع عن نجاح فعاليته اللقاح في منع الإصابة بفيروس كورونا بنسبة 90%، لتتوالى بعد ذلك الموافقات والطلبات على شركة فايزر من أجل توريد اللقاح الفعال لمعظم دول العالم.

وعلى الرغم من الإعلان عن لقاحات آخرى مثل اللقاح الروسي واللقاح الصيني ولقاح شركة استرازينيكا البريطانية؛ إلا أن الطلب على لقاح شركة فايزر أعلى بكثير من الطلب على أي لقاح آخر، والسبب أن لقاح فايزر يكافح فيروس كورونا المستجد من خلال تقنية الـ«mRNA» التي تجعل اللقاح أكثر فعالية و تقلل من أعراضه الجانبية وتزيد من مدة فاعليته في جسم الإنسان.

وبعد النجاح الملموس الذي حققه لقاح شركة فايزر في الشهور الماضية؛ بدأ العلماء في التفكير في أهم مرض مزمن يواجه الإنسان في العصر الحديث ولا يوجد له علاج أو لقاح مباشر حتى الآن؛ ألا وهو مرض السرطان.

 ويعتقد الباحثون بشكل مبدئي أن تقنية الـ«mRNA» من الممكن أن تكون التقنية الناجحة في الوصول لعلاج السرطان والقضاء عليه، من خلال تدريب الجهاز المناعي لجسم الإنسان على التعرف على الطفرات الوراثية في تكوين الخلايا السرطانية والقضاء عليها قبل أن تتطور وتزيد ومن ثم تشكل خطرًا كبيرًا لا يمكن علاجه.

تقنية الـ«mRNA» مستقبل علاج الأمراض المزمنة

قبل الحديث عن تقنية الـ«mRNA»، يجب أن نذكر مصطلح آخر شهير وهو الـ«DNA» او ما يعرف في اللغة العربية باسم الـ«الحمض النووي». وهو الحمض الذي يحتوي على المعلومات الوراثية التي تنظم كل العمليات الحيوية في جسم الإنسان، والتي منها تحفيز الجهاز المناعي لمواجهة الأمراض عندما تحدث الإصابة بأي مرض ما. 

أما الـ«mRNA»، فهو الحمض الذي يحمل المعلومات الوراثية التي تٌشكل تكوين الحمض النووي أو الـ«DNA»، ويمكن أن نقول أن الـ«mRNA» يحتوي على الشفرات أو المُخططات التي يُبنى على أساسها الـ«DNA».

ولقد استغل علماء شركة فايزر هذه العملية الحيوية في حقن الإنسان بنسخ من حمض الـ«mRNA» الذي يحتوي لقاح فيروس كورونا، والذي بالتالي يتم دمجه بشكل مباشر بعد الحقن في الـ«DNA»، ما يجعل الحمض النووي لجسم الإنسان يتعرف على فيروس كورونا بمجرد حدوث الإصابة؛ والذي بدوره يقوم بإخطار الجهاز المناعي الذي يطور هجوم سريع على الفيروس ويقضي عليه قبل أن ينتشر في خلايا الإنسان وتحدث الإصابة.

كيف يمكن أن توظف تقنية الـ«mRNA» في علاج السرطان؟

في البداية يجب أن نعرف أن السرطان يختلف عن مرض كورونا وأي مرض آخر، كون المسبب له ليس كائنًا مثل البكتيريا أو الفيروسات مثل فيروس كورونا المستجد؛ لكنه عبارة عن نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الجسم.

وجدير بالذكر أن جسم الإنسان دائمًا في تطور مستمر؛ وحتى يكون التطور مستمرًا يجب أن تموت الخلايا القديمة وتحل محلها خلايا جديدة، ولكن عندما يفقد جسم الإنسان القدرة على التحكم في عملية استبدال الخلايا؛ لا تموت الخلايا القديمة، وبدلًا عن ذلك تنمو بشكل غير طبيعي وخارج عن السيطرة، وتشكل هذه مجموعة من التكتلات والتي تعرف باسم «الأورام السرطانية».

أما منح العلماء الأمل في الوصول لعلاج، هو أن الأبحاث أثبتت أن الـ«mRNA» له القدرة على التعرف على مجموعات البروتين المتكونة داخل خلايا الأمراض السرطانية، وفي حالة صناعة لقاح يحتوي على المادة الوراثية المشابهة للمادة الوراثية المكونة لبروتين الأورام السرطانية، ثم دمجه مع الـ«mRNA»، ومن ثم حقنه في الإنسان؛ فقد يمنح جهازه المناعي القدرة على التعرف على الخلايا السرطانية، كي يتمكن من القضاء عليها.

Embed from Getty Images

وما يطمح إليه العلماء هو ليس الوصول إلى لقاح لمرض السرطان بقدر الوصول إلى علاج للقضاء على المرض الذي يصيب ما بين 18-20 مليون إنسان حول العالم كل عام. فيما يُشكل إيجاد علاج إعتمادًا على تقنية الـ«mRNA» تحديُا كبيرًا للعلماء، بسبب أن الـ«mRNA» لا يستمر طويلًا في دم الإنسان بالقدر الكافي كي يتعاون مع الحمض النووي في تحفيز الجهاز المناعي فيواجه المرض الموجود بالفعل، على عكس اللقاح الذي من المفترض الذي يتعامل مع إصابة مستقبلية. 

ولمواجهة هذا التحدي؛ تمكن مجموعة من الباحثين الصينين إلى تطوير «هيدروجيل (Hydrogel)» (شبكة من سلاسل البوليمر المتشابكة المحبة للماء، والتي توجد أحيانًا في صورة جل غروي يكون الماء فيه هو وسيط التشتت) يزيد من إستقرار حمض الـ«mRNA» ويحوله إلى علاج كيميائي مٌساعد أو ما يعرف باسم «Adjuvant» يمكنه أن يستمر لمدة تصل إلى 30 يومًا في دم الإنسان المٌصاب؛ وهي فترة كافية لكي يقوم الجهاز المناعي بتطوير هجوم مُخصص للقضاء على المرض.

لكن.. علاج السرطان بتقنية الـ«mRNA» بدأ بالفعل قبل ظهور كورونا

تتلخص طبيعة علاجات السرطان في إمكانية العلاج في التعرف على الطفرات التي تحدث في التورمات السرطانية. وفي عام 2017 نشرت مجلة «نيتشر» البحثية المرموقة تجربة قام بها مجموعة من الباحثين والأطباء على 13 مريض جميعهم مصابون بمرض سرطان الجلد.

القول بتجريب لقاح على مرضى قد يصيب البعض بالإرتباك، لأنه من المعروف أن اللقاحات تُمنح للأصحاء بهدف الوقاية من المرض، لكن هذا ليس صحيحًا بشكل كامل. فهناك أنواع كثيرة من اللقاحات، بعضها مكون من فيروسات ضعيفة أو ميتة، يُحقن بها الشخص غير المريض، وهي مثل لقاحات أمراض شلل الأطفال والحصبة وإلتهاب الكبد الوبائي.

وهذه اللقاحات تختلف تمامًا عن لقاح الـ«mRNA» الذي نتحدث عنه، والمكون من بعض مواد وراثية تشبه المواد الوراثية للمُمرض؛ وهنا قد يحدث إرتباك آخر؛ لأننا ذكرنا في البداية أنه لا يوجد ممُرض لمرض السرطان!

لكن السبب الأساسي في استخدام الـ«mRNA» في هذه التجربة كما ذكرنا أيضًا من قبل هو إمكانيته في التعرف على الطفرات الوراثية المُسببة لتحول الخلايا القديمة إلى خلايا سرطانية؛ ومن ثم يُمكّن الجسم من التعرف عليها ومهاجمتها؛ لذلك كان لاستخدام الـ«mRNA» في هذه التجربة هدفان: الأول هو القضاء على المرض، والثاني تحقيق الوقاية المستقبلية من السرطان.

 لكن في البداية لم يكن للقاح أي فاعلية على كل المرضى؛ حتى فطن الباحثون إلى أن خلايا الأورام السرطانية لا تتشكل من قاعدة وراثية ثابتة؛ أي أن البروتين الذي يُكوّن الخلايا السرطانية ليس له الترتيب نفسه، بل يختلف من شخص لآخر؛ ولذلك لا يمكن اعتماد لقاح موحد للسرطان.

Embed from Getty Images

وعندما صمم الباحثون لقاحًا مخصصًا لكل مريض، نجح في معالجة ثمانية أشخاص، أي أنه نجح بنسبة 61%. والعائق في هذه التجربة ليس ضرورة وجود لقاح «mRNA» مخصص لكل شخص؛ لأن الـ«mRNA» يتم تصنيعه في المعامل بجهاز الـ«PCR»، لكن المشكلة الحقيقية في التجربة هي في نسبة نجاح اللقاح التي كانت فقط 61%، على عكس لقاح شركة فايزر الذي اعتمد التقنية نفسها وخرج بنجاح حوالي 90%، في حين أن الخلايا السرطانية عادت للظهور مرة أخرى عند واحد من المرضى!

لذلك فمن المتوقع أن لقاح السرطان المثالي الذي سوف يتم تصميمه باستخدام تقنية الـ«mRNA» يجب أن يكون مُركبًا من لقاحين؛ الأول يهاجم الخلايا السرطانية الموجودة بالفعل؛ والثاني يندمج مع الحمض النووي في المهمة الأكثر أهمية؛ وهي تدريب وتحفيز الجهاز المناعي لجسم الإنسان للتعرف على الإصابات السرطانية المستقبلية والقضاء عليها مبكرًا.

ومن الواضح أن العلماء سوف يحتاجون لبعض الوقت لاستغلال تقنية الـ«mRNA» في علاج السرطان والقضاء عليه؛ كما أن الانتباه العالمي قد يظل مركزًا بشكل أكبر على القضاء على فيروس كورونا المستجد، لكن الانتصار على كورونا سوف يمنح مجال الأبحاث في الأمراض السرطانية دفعة للأمام، ومن الممكن أن نشهد علاج السرطان أو لقاحه في السنوات القليلة القادمة.

صحة

منذ 3 شهور
بعد لقاح كورونا.. العالم قد يكون على موعد مع لقاح الإيدز

المصادر

تحميل المزيد