انتهى فصلٌ جديد من «محاكمة القرن»، حكمت المحكمة فيه ببراءة الرئيس المخلوع مبارك، ونجليه، ووزير داخليته، و6 من مساعدي الوزير، بعد أربعة أعوام تقريبًا من ثورة بدا وكأنها أطاحت بنظام مبارك، وأودعت كبار رموزه السجون.

حُكم على مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي في يونيو من عام 2012 بالسجن المؤبد؛ وبدأ حينها المستشار أحمد رفعت جلسة النطق بالحُكم بمقدمة وصف فيها ثورة الخامس والعشرين من يناير بأنها «شمس فجر جديد لم ترَه مصر من قبل»؛ وأطلق حكمه على عهد مبارك بأنه «كابوس ليل مظلم أخلد لثلاثين عامًا».

 

لكن، وبعيدًا عن أوراق القضية والمرافعات والأدلة، أطلَّت الظروف السياسية التي تمر بها مصر من «محكمة القرن»، وصبغت الحُكم الجنائي – مثل كل تطورات القضية بدايةً من إحالة المتهمين للمحكمة– بصبغة السياسة.

أصدرت هيئة المحكمة لوسائل الإعلام – ربما للمرة الأولى – بعد ساعات قليلة من النطق بالحكم «تبيانًا» لحيثيات الحكم، وشهادة الشهود، في 280 صفحة. نرصد هنا أبرز ما جاء فيه من أحكام سياسية على الثورة المصرية، من طرف المحكمة ومن طرف الشهود، والرواية التي قالت المحكمة إنها «اطمأنت إليها» للإجابة عن السؤال الذي تناقلته وسائل الإعلام بمجرد النطق بالحكم: «من إذن قتل المتظاهرين؟»

حكماء الوطن وولاة الأمور

رغم أن هيئة المحكمة فنَّدت شهادات الشهود من مصابي الثورة وأهالي الشهداء، ورفضت الاعتداد بأقوالهم وأوراقهم جميعًا، إما لعدم توفر تقرير طبي رسمي يثبت الإصابات، أو دليل مادي يثبت قتل من قُتلوا منهم على يد ضباط الشرطة، أو لتضارب في الأوراق، إلا أن اعتمادها الأساسي كان على شهادات مُرسلة (بلا أوراق ووثائق) ممن وصفتهم بـ «حكماء الوطن وولاة الأمور لما حملوه في عقولهم من خزائن أسرار الوطن»، وهُم:

اللواء الراحل عمر سليمان، نائب مبارك ومدير جهاز المخابرات العامة في عهده، والمشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع والإنتاج الحربي ورئيس المجلس العسكري، وأحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء في آخر حكومات مبارك، والفريق سامي عنان، رئيس أركان القوات المسلحة السابق، واللواء مراد موافي، رئيس جهاز المخابرات العامة، واللواء محمود عبد النبي، رئيس هيئة الأمن القومي، واللواء محمد فريد التهامي، رئيس جهاز المخابرات الحالي، ووزراء الداخلية السابقون اللواءات: محمود وجدي، ومنصور العيسوي، وأحمد جمال الدين، واللواء حمدي بدين، قائد الشرطة العسكرية، واللواء خالد عبد الوهاب، رئيس قطاع الأمن الوطني الحالي، واللواء محمد سعيد الدالي، مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن الجيزة، ومعهم المدني الوحيد من خارج جهاز الدولة الصحفي إبراهيم عيسى، رئيس تحرير جريدة «التحرير».

وجاء مُلخص ما سجَّلالتقرير أن هيئة المحكمة اطمأنت إليه من شهاداتهم التي قالت إنها «اتسمت بالصدق» كما يلي:

(ص 108): مخطط أمريكي إسرائيلي لتقسيم مصر


(ص 110): يشمل المخطط تفكيك الدولة المصرية، وإقامة وطن للفلسطينيين في سيناء من خلال تنظيم الإخوان المسلمين، استغلالاً للهِرم الذي أصاب النظام.


(ص 111): قيام «ثورة» في يناير، واستغلال «الإخوان» لها للوصول إلى الحكم.


(ص 112): تسلُل «الغزاة» عبر سيناء.



(ص 113): حفنة من رجال الشرطة يُطلقون النار خلافًا للأوامر.


(ص 114): لم يكن أحد يستطيع إيقاف المُخطط.


(ص 114): ميلاد الدولة المصرية من جديد في 30 يونيو 2013.


ملخص الشهادات

ثم انتقل «تبيان» المحكمة إلى استعراض الشهادات التفصيلية التي أدلى بها «حكماء الوطن وولاة الأمور»؛ وخلُص منها إلى نتيجتين:

1. نفَّذت جماعة الإخوان المسلمين «مخططًا دوليًا» لم يكُن جهاز الشرطة مستعدًا له؛ ولم يكُن في مقدور رئيس الجمهورية إيقافه.

2. المسؤول عن قتل المتظاهرين هُم فئتان: بعضهم رجال شرطة «من ذوي عظيم الذات يشقون عصا التعليمات» التي أصدرها رؤساؤهم بعدم التعامل مع المتظاهرين بالسلاح الناري، والبعض الآخر من «التنظيم الإخواني ومن تحالف معهم داخليًا، ومن انضم إليهم من الغزاة الوافدين بعناصرهم العربية والأجنبية».

والآن إلى الشهادات التفصيلية:

المشير طنطاوي: ربنا ستر

بدأت أحداث الثورة في وقت متزامن في السويس والقاهرة، من خلال مُخطط مُعد سابقًا، تصادف مع وجود «بعض المواطنين الذين لديهم مطالب يعرضونها»، لكن الأمر انقلب إلى مظاهر عنف شديد.

رصدت القوات المسلحة بعد نزولها وجود «عناصر مختلفة فلسطينية لحركات حماس وحزب الله والقسَّام وغيرها» لإشعال البلاد. نفذَّت هذه العناصر بتخطيط «الإخوان» عملية اقتحام السجون وتحرير من فيها بتمويل أمريكي؛ ولكن «ربنا ستر» في 30 يونيو.

الفريق سامي عنان: الطرف الثالث

يقول الفريق عنان إنه «أبصر متظاهرين من الشباب في القاهرة والإسكندرية والسويس يصعب تصنيفهم ويطالبون بإصلاحات» ووجود طرف ثالث تستطيع أجهزة الأمن تحديده، لكن ما حاق بالبلاد منذ 25 يناير 2011 هو جزءٌ من «مشروع الشرق الأوسط الكبير» الذي تخطط له أمريكا.

اللواء مراد موافي: الإخوان وراء العنف

قال اللواء مراد موافي، مدير جهاز المخابرات العامة، إن اقتحام السجون تم «بعمل إرهابي يفوق قدرات الشرطة وبعناصر خارجية دُربت تدريبًا كافيًا»، وإن أعمال العنف أمام الأقسام كانت ممنهجة، خطط لها «الإخوان» لكسر الجيش والشرطة.

اللواء عبد النبي: ظهور «نوعية غريبة من البشر»

قال اللواء مصطفى عبد النبي، رئيس هيئة الأمن القومي، إن الدعوات ليوم 28 يناير 2011 المعروف بجمعة الغضب جاءت من الإخوان في المقطم، وانضم إليها أعداد غير متوقعة أنهكت الشرطة. ظهرت بعدها «نوعية غريبة من البشر»، ثم بدأ دخول أفراد من جيش الإسلام وحزب الله إلى شمال سيناء أولاً ثم إلى ميدان التحرير ومعهم أسلحة وذخائر، وتزامن ذلك مع عقد جماعة الإخوان «دورات تدريبية لكيفية التصدي للأمن».

اللواء التهامي: الشباب المُخير والشباب المُسير

يقول اللواء محمد فريد التهامي إن المتظاهرين انقسموا إلى فئتين: الغالبية منهم شباب مُخير سلمي، والبعض الآخر شباب مُسير من جماعة الإخوان. وبالإضافة إلى تأكيده على «المخطط الإخواني» الذي تحدث عنه سابقوه، قال التهامي إن حركة «حماس» وحدها في مصر من تملك التدريب والتسليح الكافيين للقيام بأعمال القتل والعنف، خاصةً وأن قوات الشرطة لم تكن مُسلحة.

اللواء الرويني: حرب الشوارع

أما اللواء حسن الرويني، قائد المنطقة العسكرية المركزية، فتحدث عن «حرب الشوارع» التي انطلقت في مصر بتآمر من جماعة الإخوان المسلمين الذين اعتمدوا على مُخطط «كيف تُهدم الدولة، فطالوا الشرطة والقضاء ورجال الأعمال، وهم يحاولون الآن هدم الجيش». وقال الرويني إن غرفة عمليات هيئة المنطقة المركزية رصدت تهريب رشاشات من إسرائيل لاستخدامها في ضرب المتظاهرين من أعلى المباني. وأكد ما رصده هو شخصيًا ورصدته المخابرات العامة إن أفراد جماعة الإخوان قد ارتدوا زيًا عسكريًا موحدًا لضرب المتظاهرين ورجال الشرطة.

اللواء حمدي بدين: الجيش والشرطة مدرسة واحدة

أما اللواء حمدي بدين، قائد الشرطة العسكرية، فقال إن الجيش والشرطة «تعلموا من مدرسة واحدة هي مدرسة الوطنية فلا يقتلون»، وإن خطة اقتحام السجون كانت مرتبة لإسقاط الدولة المصرية، و«شارك فيها أشخاص يتحدثون بلهجة غير مصرية ويناقضون طبيعة الشعب المصري النابذ للعنف» اعتمادًا على مُخطط نفذته جماعة الإخوان المسلمين.

اللواء خالد عبد الوهاب: العناصر المندسة

تركزت شهادة اللواء خالد عبد الوهاب، رئيس قطاع الأمن الوطني، على جانبين: الأول هو أن اقتحام السجون نفذته عناصر من حركتي حماس وحزب الله، بعد عبور الأنفاق في سيناء، بالاشتراك مع بعض بدو سيناء وجماعة الإخوان. أما عن الوفيات والإصابات في صفوف المتظاهرين فمرجعها «اندساس عناصر يسارية ومن الإخوان بين المتظاهرين لإسقاط الشرعية بعد ارتدائهم زي الشرطة أو القوات المسلحة وإطلاق الأعيرة الخرطوشية على المتظاهرين».

إبراهيم عيسى: أمريكا خطفت الثورة بمعاونة الإخوان

قال الصحفي إبراهيم عيسى في شهادته:

1. إطلاق الأعيرة النارية على المتظاهرين تم من «عناصر تسعى لإسقاط الدولة وليس من جانب النظام بعد أن اخترقت الحدود واقتحمت السجون».

2. الاعتداء على الأقسام واقتحام السجون مصدره «عصابة خائنة من الإخوان المسلمين وحركتي حماس وجزب الله … لخلق حالة فوضى بمصر من خلال كسر جهاز الشرطة».

3. الإخوان هم الطرف الثالث كلاعب سياسي، وهُم من سرقوا الثورة بمخطط أمريكي قبل أن تقوم «إرادة الشعب المصري بإنقاذ الثورة مرة أخرى باستكمالها في 30 يونيو 2013».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد