يشهد المغرب منذ أيام جدلًا واسعًا بخصوص فيلم “الزين لي فيك” ومهرجان “موازين”، فبين من يطالب “باحترام قيم المغرب المحافظة” ومن يدعو إلى “عدم قمع الفن والإبداع وقيم الحرية”، وبين هذا وذاك الكثير من الصخب والحملات الدعائية والتصريحات.

إذن فما قصة كل هذا الجدل؟

“الزين لي فيك”

ربما لم يسبق لفيلم في تاريخ السينما المغربية أن أثار ضجة مثل تلك التي أثارها فيلم “الزين لي فيك”، حتى أن الجدال حوله وصل قبة البرلمان.

الفيلم للمخرج المغربي نبيل عيوش، وتمثيل أساسي لبنى أبيدار وأمين ناجي وعبد الله ديدان، مدته لا تتجاوز مائة دقيقة، يحكي عن قصة خمس عاملات جنس، وهن يعرضن أجسادهن للسياح الخليجيين في مدينة مراكش بالمغرب.

عرض الفيلم في مهرجان “كان” السينمائي قبل أسابيع، ونال آراء مختلفة حوله من قبل النقاد، وكان من المقرر عرضه في الصالات السينمائية هذا الأسبوع.

قبل أيام تم تسريب مقاطع من فيلم “الزين لي فيك” على اليوتيوب، ليشتعل منذ تلك اللحظة النقاش حوله على المواقع الاجتماعية والمنصات الإلكترونية، ولا زال حتى الآن يثير الجدال.

تتضمن المقاطع المسربة مشاهد ذات إيحاءات جنسية واضحة ورقصات ماجنة، تعود لـ”عاهرات” بمراكش يمتعن مجموعة من السياح الخليجيين مقابل المال.

المشاهد الجنسية المسربة من الفيلم أشعلت غضب الكثير من المغاربة، وشنوا حمالات احتجاجية واسعة على الفيسبوك تنديدًا بالفيلم، وطالبوا بـ”منعه ومحاكمة منتجيه وممثليه”، نظرًا في اعتبارهم لما يقدم من صورة سيئة عن المرأة المغربية وخدش لقيم المغرب، وقال مخرج الفيلم إن “ممثليه تلقوا تهديدات بالتصفية”.

وقد استجابت السلطات المغربية لموجات الاحتجاج الشديدة على الفيسبوك، حيث أعلنت عدم السماح لفيلم “الزين لي فيك” بالترخيص لعرضه في القاعات السينمائية بالمغرب، وهو ما أثار حفيظة رأي آخر يعارض الاتجاه الرافض للفيلم، فقد اعتبر فنانون ونقاد وإعلاميون وكذا ناشطون، أن قرار المنع الذي أصدرته السلطة المغربية “يهدد حرية الفن”، واعتبروا أن “الفيلم لم يكشف إلا عن الواقع المستور”.

أما مخرج الفيلم نبيل عيوش فقد عبر عن استيائه من القرار، وطالب المغاربة “بعدم الحكم على الفيلم من خلال المقاطع المسربة فقط لأنه يختلف عن مجمله وليس فيلم بورنوغرافيا كما يروج له”، ودعا إلى “مشاهدته كاملًا والتقاط رسالته”.

يمكنك قراءة الحوار الذي أجراه موقع vice مع المخرج نبيل عيوش ولبنى أبيدار من هنا.

“موازين”

لم يكد يخمد “الجدال الأخلاقي” الواسع الذي أثاره فيلم “الزين لي فيك” بين المغاربة حتى زاد اشتعالًا بعد افتتاح مهرجان “موازين” بسهرة جينيفر لوبيز، التي لم تبخل في تقديم رقصات موحية جنسيًّا مع ملابسها “غير المحتشمة”.

مهرجان موازين الذي بدأت احتفالاته في 29 مايو وسينتهي في 6 يونيو، يقدم في نسخته الرابعة عشر لهذا العام مجموعة من نجوم الغناء والموسيقى من كل أنحاء العالم والثقافات، مثل جينيفر لوبيز وبلاك إم وإيكون وأفيسي وأيضًا مغنيين عرب كإليسا وأصالة وماهر زين وغيرهم.

بدأت انطلاقة المهرجان منذ سنة 2002، ينظم من طرف جمعية مغرب الثقافات تحت رعاية الملك محمد السادس، ويقدم المهرجان مجموعة من العروض الغنائية والموسيقية المتنوعة ليلًا، في المنصات الموزعة بالعاصمة الرباط ومدينة سلا المجاورة لها، ويستقطب جمهورًا واسعًا يقدر بمئات الآلاف سنويًّا.

في كل عام يثير مهرجان موازين جدلًا واسعًا بين المجتمع المغربي، حيث ترى فئات عريضة أن المهرجان “يسيء إلى أخلاق المغاربة وينشر الفساد كما يبذر أموال الدولة”، ولا يزال حتى الساعة صدى المهرجان يستمر في خلق زوبعة آراء مختلفة على المواقع الاجتماعية.

بينما تقول الإدارة المنظمة للمهرجان إنها استقلت ماليًّا منذ سنوات بفضل عدد تذاكر البيع الضخم وشركائها المستثمرين، كما تعتبر “موازين” نهجًا لنشر قيم التسامح والتعايش والاستمتاع بالموسيقى والغناء العالمي المتعدد الثقافات.

وقد انتقد حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي عرض القنوات الوطنية لسهرة جينيفر لوبيز، كما طالب بفتح تحقيق في الأمر، علمًا بأنه الحزب الذي يتزعم الحكومة المغربية!

قبول في الواقع ورفض في العلن

رغم كل ما سبق، والذي يجعلنا نتصور أن المجتمع المغربي “محافظ جدًّا”، فالصورة ليست بتلك البساطة كما يبدو، ففي الوقت الذي فيه تعلن فئة واسعة من المغاربة رفضها لفيلم “الزين لي فيك”، واتهامها له بنشر “الفاحشة” في المجتمع، نجد المقاطع المسربة من الفيلم تحصل على أعلى المشاهدات على قنات يوتيوب بالمغرب حسب بيانات غوغل تراند، كما أن كلمة “الزين لي فيك” كانت من بين الكلمات الأكثر بحثًا على المحرك غوغل في الأسبوع المنصرم.

ونفس الشأن ينطبق على مهرجان موازين، فسهرة لوبيز التي تعرضت لتنديد واسع حضرها أكثر من 180 ألف متفرج حسب الإدارة المنظمة للمهرجان، ناهيك عن عدد المشاهدات على القنوات الوطنية واليوتيوب، وأيضًا كلمة “موازين” تصدرت الكلمات الأكثر بحثًا على محرك غوغل الأسبوع الماضي.

بالإضافة إلى ذلك تصنف عدة تقارير مدينة مراكش كثاني وجهة للسياحة الجنسية في العالم بعد بانكوك في تايلاند، وقد حصل المغرب مؤخرًا في تقرير على الرتبة الثامنة عالميًّا والثالثة عربية في مشاهدة الأفلام الإباحية بعد كل من السعودية ومصر.

كل ذلك لعله يقدم صورة فصامية معقدة للمجتمع المغربي يصعب فهمها، حيث يتعارض فيها المستور مع المعلن.

لكن ما هو مؤكد هو أن هناك قضايا تبدو أهم بكثير من كل ما أوردناه ولا تخلق أي ضجة إعلامية أو مجتمعية، مثل قضية تهريب الأموال والنهب والمخدرات وانتشار الفقر وتدهور التعليم والصحة وغيرها من القضايا التي تستحق الاهتمام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد