منذ استقلال الهند وباكستان عن الاستعمار البريطاني عام 1947، عاشت كشمير حروبًا عدة بين الدولتين على هذه الأرض، وفي بداية شهر أغسطس (آب)، أعلنت الحكومة الهندية إنهاء الحكم الذاتي لولاء جامو وكشمير الهندية، وسبب هذا تصعيدًا، وقطعًا للعلاقات التجارية بينهما، ووصف رئيس الوزراء الباكستاني بتغريده أنّ القرار يعتبر عنصرية هندوسية «فاشية».

في هذا التقرير لن نخوض في تفاصيل الأحداث ومآلاتها، وإنما نعود إلى التاريخ قليلًا مستعرضين أهم المراحل لأهم إمبراطورية سكنت في شمال الهند، الإمبراطورية المغولية.

لقد عاشت القارة الآسيوية حالة تقلبات سياسية منذ أن بدأ جنكيز خان مشروع إمبراطوريته المنغولية، فقد ترك وراءه إرثًا كبيرًا، وقدوة كبيرة لأحفاده الذين تلوه. فمؤسس الإمبراطورية المغولية في شمال الهند، ظهير الدين محمد بابور، له ارتباطٌ عرقي بجنكيز خان من طرف أمه، وارتباطٌ بالقائد المغولي تيمورلنك، المعروف بتيمور، مؤسس الإمبراطورية التيمورية، التي امتدت من سمرقند إلى جورجيا.

في هذا التقرير نسلط الضوء على أهم الأباطرة المسلمين للدولة المغولية في الهند، والذين سبقهم قادة مسلمون فتحوا فيها بلاد الهند، كمحمد بن القاسم الثقفي، في الدولة الأموية، ومحمود الغزنوي الذي قضى على الدولة السامانية، مؤسسًا الدولة الغزنوية في الهند.

مسلمو «الأديغة» حضارة عريقة تذوب في المستنقع الروسي.. لماذا يتجاهلهم العالم؟

ظهير الدين بابور.. الغلام الحالم بإمبراطوريته الخاصة

«بسم الله الرحمن الرحيم، في شهر رمضان من عام 899، وفي عمري الـ12، أصبحت حاكمًا على فرغانة» ظهير الدين بابور

كان والد بابور حاكمًا على مملكة صغيرة في أفغانستان، وتوفي عندما كان بابور 11 عامًا، عندها أصبح بابور وريثه الشرعي. وبدأ مسيرته حاملًا مشروعًا توسعيًا، وساعيًا لتقوية اقتصاد بلده ومشروعه، ومع مرور الوقت تميز بقيادته وحنكته، وأصبح له أتباعٌ كثيرون. حاول بابور السيطرة على سمرقند ثلاث مرات، وفي كل مرة يحتلها وقتًا قليلًا ومن ثم يطرد منها. وفي عام 1504، استطاع السيطرة على كابول (عاصمة أفغانستان اليوم)، وهي أحد أهم المدن الاستراتيجية في القارة آنذاك.

منذ استقرار بابور في كابول، لم يكن لديه الفرصة إلا التوسع غربًا، إلى شمال الهند، حيث واجه سلطان ديلهي، إبراهيم لودي في معركة بانيبات، وسار مع بابور 12 ألفًا من المقاتلين، مزودين بأسلحة حديثة، في مواجهة 100 ألف مقاتل، ولم يستطع لودي الصمود أمام تنظيم جيش بابور وأسلحته الدفاعية، واستطاع بابور السيطرة على سلطنة دلهي. عقب هذه المعركة، خاض بابور معركتين مع حاكم راجبوت، رنا سانجا، وبعدها فرض سيطرته معلنًا سيطرة المغول على الهند.

في سيرته الذاتية، يصف بابور زيارته لمدينة جايلور الهندوسية، والتي تمتاز بقصورها ومعابدها الأثرية البديعة، والذي أعجب بها بشكل كبير، ولكنّه لم يعجب بالأصنام العارية تمامًا، فأمر بطمس وجوه الأصنام وأماكنها الحساسة المنحوتة. أحب بابور طبيعة الهند، وكان يحب دراسة الطبيعة، والأدب، والموسيقى في أوقات فراغه. وتوفى بابور بعمر 47، وخلفه ابنه الأكبر، نصير الدين همايون.

مؤسس الإمبراطورية المغولية بابور – مصدر الصورة

وقد ترك بابور لهمايون وصية يبين فيها سياسة الحكم في الهند، المبنية على السلام والتسامح بين الأديان، فالهند معروفة دائمًا بتنوعها الديني والعرقي، وكان ذلك أساسه لأجل استقرار المملكة، كما أوصاه بتجاهل النزاع بين السنة والشيعة، فقال له: «تجاهل النزاع بين الشيعة والسنة، ففي هذا منبت الضعف في الإسلام، وضم الرعايا من مختلف العقائد حول الأسس الأربعة، بحيث يصبح كيان الدولة محصنًا ضد عوامل الضعف المختلفة».

انقسامٌ في الحكم.. وهمايون يحاول لم الشمل بالسيف

كان ابن بابور الأكبر نصير الدين همايون مختلفًا عن والده، فقد كان عاطفيًا وتغلب عليه المسامحة لأعدائه الذين يحاولون إضعافه. استلم زمام أمور الدولة وهو في عمر 22، قبل نهاية سنة 1530 ميلاديًا. ولَّى همايون إخوته الثلاثة على أقاليم الجوار، فوضع أخوه كامران حاكمًا على كابل وقندهار، وميرزا هندال على ألوار وموات، وميرزا عسكري حاكمًا على سامبهال. وكان أعداؤه يحيطونه، شيرشاه أفغان شرقًا، وبهادر شاه غربًا.

رغم توزيع السلطة بين همايون وإخوته، إلا أنّ ذلك زاد من رغبة إخوته في زيادة حكمهم والصعود على عرش أبيهم، وكانت حياة همايون مليئة بالمعارك لتثبيت مملكته. في البداية تجاهل همايون تحركات إخوته، كتحرك أخيه كامران الذي انطلق إلى إقليم البنجاب ليضمها إلى حكمه. واشتبك هاميون مع بهادر شاه في جورجات، وفي نفس هذه الفترة، كان البرتغاليون قد وصلوا إلى سواحل ديو.

استطاع همايون التخلص من بهادر شاه، وإحكام السيطرة على جورجات، وانتقل بعدها للقتال على الحدود البنغالية، لمواجهة شير شاه أفغان، ولكنّه خسر المواجهة، ولم يقدم له إخوته المساعدة، وانتقل من منفى إلى منفى، حتى استقر الأمر به في إيران، طالبًا من الشاه الصفوي الأمن والمأوى. وجلس في المنفى 16 عامًا، عندها حكمت أسرة سور مملكته. وبدأ همايون بالإعداد لاستعادة مملكته، فطلب مساعدة الشاه، وانطلق بجيش مكون من 14 ألف ليقضي على إخوته، ويعيد مملكته مرة أخرى عام 1555 ميلاديًا، وبعدها بعام فقط، توفي جراء سقوطه من شرفة مكتبته، وانتقل الحكم إلى ابنه أكبر.

السياسيّ المحنك أكبر.. القوة الناعمة لاستيعاب الجميع

حكم جلال الدين محمد أكبر الإمبراطورية لمدة 50 عامًا، وعرف بسياساته التصالحية والتسامحية بين طبقات الشعب، وكانت هذه السياسة مهمة في هذه الفترة بعد الحروب الكثيرة وحالة وعدم الاستقرار. بدأ أكبر استمالة الطائفة الهندوسية، وخاصة قبائل الراجبوت الذين كان لهم نفوذ كبير في المؤسسة العسكرية. وكانت سياسة أكبر هي صناعة التحالفات من خلال الأنساب، فتزوج ابنة راجا أمير عام 1562، وزاد من نفوذ الراجبوت من خلال التسهيلات.

ألغى أكبر أيضًا سياسة الجزية المعروفة لدى المسلمين، وعمل على إصلاح بعض القضايا الإجتماعية التي كانت في المجتمع الهندي، كمنع زواج الأطفال، ومنع حرق الأرامل مع أزواجهم، ونشر ثقافة التعليم والمساواة فيها بين جميع الطبقات والأديان.

واستطاع أكبر أيضًا استغلال البرتغاليين، فبعث لهم دعوة ليرسلوا فلاسفة الدين المسيحي ويقوموا بالتبشير في المجتمع، وسمح لهم ببناء الكنائس التي مهدت لهم فرصًا تجارية فيما بعد؛ وأرسلوا بعثات تبشيرية ثلاث مرات محاولين تنصير الملك أكبر ولكن محاولاتهم باءت بالفشل.

أكبر يعقد مؤتمرًا لحوار الأديان في مجلس الحوار «عبادات خانا» – مصدر الصورة

كان الملك أكبر يرغب بدعم البرتغاليين لمحاولة استغلال أسلحتهم الحديثة ضد ابنه سليم الذي خرج عن حكمه، كما كان يعمل على توسعات إقليمية وتقوية الدولة المغولية أكثر، فاستطاع السيطرة على راجوجت، وكشمير التي أخضعها تحت سيطرته بسهولة تامة، عام 1586؛ وكان قد وصل إلى أكبر أنّ حكام كشمير المسلمين يرتكبون الجرائم ضد الهندوس، والذي استخدمها شماعة للسيطرة على كشمير، وكان أكبر يطمع بكشمير لما فيها من طبيعة خلابة، وطقس جميل. واستطاع أكبر خلال فترة حكمه ضم 18 ولاية كبيرة إلى مملكته في الهند.

في عام 1605، أصيب أكبر بمرضٍ الديزنطاريا، وكان سببًا في وفاته، ودفن في ضريحه في سكندرا. وكان جهانجير، ابن أكبر، ثائرًا راغبًا في السلطة في زمن أبيه، فقام بعدة محاولات للاستقلال عن والده عام 1599، وبسبب عدم كفاءة أبناء أكبر الآخرين، اضطر أكبر لتعيينه وليًا للعهد قبل وفاته عام 1605، وبهذا ورث جاهنجير مملكة مستقرة وواسعة وغنية، واعتمد على سياسة التوسع، وقام بضم عدة ولايات، واهتم أثناء ولايته باللوحات الفنية للتقاليد المغولية، وتوفي مريضًا بالحمى الشديدة عام 1628، وورثه ابنه شهاب الدين محمد خرام.

الأحفاد يبدأون مسيرة سقوط الامبراطورية

اشتهر شهاب الدين جهان، بحبه للعمارة، وكان من أمر ببناء تاج محل، بعد وفاة زوجته الثالثة، ممتاز محل، واستغرق بناء تاج محل حوالي 20 عامًا، والذي يصنف أحد عجائب الدنيا السبع، وقبل وفاته عيّن شهاب الدين ابنه أورنكزيب، الذي أعلن نفسه إمبراطورًا عام 1658، إلى أن توفي والده عام 1666.

شهاب الدين وزوجته ممتاز محل – مصدر الصورة

كان معروفًا عن أورنكزيب تشدده الديني، والتزامه بما يسميها المبادئ الإسلامية، وقام على تفكيك إرث أكبر، وقام بفرض الجزية من جديد على غير المسلمين، وهي كانت نسبة تفرض على القادرين منهم مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية للدولة، وقام بزيادة الاهتمام ببناء المساجد وصرف رواتب للأئمة والمؤذنين، وقبل وفاته كانت الإمبراطورية قد ضمت ما يقارب 4 ملايين كيلو متر مربع، وكان قد توفي في عمر الـ89 في معسكر في بهانجار عام 1707.

بدأت تفقد الإمبراطورية قوتها بداية القرن الثامن عشر، تحت حكم محمد الشاه، وكانت قد بدأت بريطانيا ثورتها الصناعية، والتي رأت في الهند بلدًا غنية ذات مصادر طبيعية وسكانية كبيرة، فأسست شركة شرق الهند، التي استغلت حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الإمبراطورية آنذاك. وفي عام 1857، حشد المواطنون الهنود في ثورة لإسقاط الإمبراطور المغولي الأخير، بهادور شاه الثاني، وكانت بالتنسيق مع المكتب الاستعماري البريطاني، وبهذا استطاعت بريطانيا فرض السيطرة الكاملة على شبه القارة الهندية.

بعد استقلال الهند عام 1947 والتخلص من الاستعمار البريطاني، ونشوء الدولة الهندية الحديثة، برزت الهوية القومية الهندية باعتبارها تعريفًا تحاول فيها تمييز نفسها عن المستعمر، والمستعمر هنا ليس فقط بريطانيا، وإنما من قبلها الدولة المغولية، التي امتد حكمها 300 عام، وبالنسبة للهند الذي عاش طوال تاريخه باعتباره مجتمعات من الكيانات والثقافات المختلفة، لم يكن مفهوم الهوية طارئًا على الثقافة الهندية.

«تورغوت باشا».. الأمير العثماني الذي حرر ليبيا من سطوة فرسان مالطا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد