في عام 1999 وبينما كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حينها يُنهي دراسته الإعدادية، كان ضابط المخابرات السابق سعد الجبري ينسج قصة صعوده في السُلطة بتعيينه في وزارة الداخلية، ليكون أحد القلائل من أبناء الطبقة المتوسطة الذين عيّنوا في مناصب سيادية؛ بدايًة من صداقته التي جمعته بولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف الذي اختاره مستشارًا خاصًا، نهايًة بدوره الوظيفي باعتباره رابطًا وثيقًا بين المملكة والاستخبارات الأجنبية، نظرًا لضعف إنجليزية ابن نايف التي شكلت عائقًا في تواصله مع الغرب.

الجبري الذي ظل قرابة عقدين من الزمان مُمسكًا بأهم الملفات الأمنية، لاسيّما ملفي تنظيم القاعدة والتنسيق مع الولايات المتحدة، بات فجأة في واجهة الأحداث عقب الإطاحة بالأمير محمد بن نايف من ولاية العهد في يونيو (حزيران) عام 2017، لكنّ الجبري كان أذكى من الجميع حين قرأ الأحداث قبل وقوعها، ليفر قبل شهرٍ من ذلك التاريخ، لتبدأ بعدها المملكة في مطاردة «خازن أسرارها» الذي لم يسقط بعد.

فارس الظل الذي حارب تنظيم القاعدة

في عام 1959، وُلد سعد الجابري لأسرة فقيرة شمال غرب الرياض، واضطر الصبي للعمل للمساعدة في إعالة أسرته، حتى التحق بأكاديمية للشرطة السعودية، ثم ذهب للعمل كضابط شرطة، لكن الجبري الذي كان مفتونًا بعلوم الحاسب، درس اللغة الإنجليزية حتى حصل على درجة الماجستير في علوم الكمبيوتر، ثم ساعد في تأسيس برنامج علوم الكمبيوتر في كلية الملك فهد الأمنية بالرياض.

(سعد الجبري)، مصدر الصورة: موقع العربية

وفي ذلك التوقيت، وفي أواخر السبعينات تحديدًا، كان الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وقتها أمير الرياض، ورئيس «لجنة الإغاثة» المسئولة عن جمع التبرعات للجهاديين الأفغان في الحرب التي شنها الاتحاد السوفيتي على الحكومة الأفغانية، وقد أسهم «مكتب خدمات المجاهدين»، في جذب 100 ألف متطوع للحرب كانوا نواة تأسيس«تنظيم القاعدة» ليبدأ بعدها مباشرةً فصل جديد من العداء بين السعودية والجهاديين الذين صنعتهم، حين أعلنوا الحرب ضد السعودية عام 2003.

يصفُ المدير السابق لـ«وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه)» جورج تينيت، لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية سعد الجبري الذي كان مسئولًا عن معالجة أخطاء النظام السعودي في التعاطي مع ملف الحرب في أفغانستان بأنه عمل على بناء نظام أمني سعودي حديث يمكنه محاربة «القاعدة» واختراق صفوف الجماعات الجهادية، وهو ما دفع الولايات المتحدة للوثوق به ثقةً كاملة.

الدور الخفي الأبرز الذي لعبه الجبري للحصول على العلامة الكاملة في ثقة الأمريكيين تمثل في الإشراف على شبكة من المخبرين الذين كشفوا مؤامرة عام 2010 للقاعدة في شبه الجزيرة العربية لإرسال قنابل غير قابلة للكشف في خراطيش طابعة الكمبيوتر على الطائرات الأمريكية، بالإضافة إلى إبلاغ عدة دول غربية بموعد عددٍ من الهجمات التي خُطط لها، وهو ما جعله على قائمة الاستهداف من تلك التنظيمات.

النفوذ المتصاعد والناجح اللافت للأمير محمد بن نايف في إدارة ملف الإرهاب الذي أوكله إلى الجابري دفع الثنائي للترقي سريعًا في دوائر الحكم، ففي عام 2010 أصبح الجبري مستشارًا أمنيًا في وزارة الداخلية التي رأسها بن نايف بعدها بعامين، وهو النفوذ الذي أضفى عليه أدوارًا جديدة، خاصًة أنّ والده وقتها كان وليًا للعهد، بينما هو تعتبره الإدارة الأمريكية رجلها الأول.

بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير (كانون الأول) عام 2015، تولى من بعده الملك سلمان الذي عيّن الأمير محمد بن نايف وليًا للعهد، ليصبح صديقه سعد الجبري بعدها بأيام وزيرًا للدولة وعضوًا في مجلس الوزراء، إضافة إلى استمرار إحكام قبضته على وزارة الداخلية وتوليه ملفات استخباراتية إقليمية في اليمن والعراق.

لكنّ الأشهر الأولى من عام 2015، التي شهدت صعود الجبري إلى واجهة الأحداث، شهدت أيضًا صعود نجم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي استطاع الإطاحة بغريمه السياسي الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد بتأثير من الإمارات، عاصمة صناعة القرار السياسي في الخليج، بسبب رفض الأخير سياسات أبوظبي الإقليمية التوسعية على حساب دور الرياض.

مواقع أخرى

منذ 3 شهور
«بلومبرج»: اقتصاد بلاده يتهاوى.. هل يتعلم محمد بن سلمان من أخطائه؟

وبدأت خطة ابن سلمان للإطاحة برجالات الدولة الموالين لابن نايف وإقالة الضباط التابعين له داخل وزارة الداخلية، ليبدأ الصراع الأجنحة بين الجبري واللواء عبد العزيز الهويريني، المقرب من محمد بن سلمان، والذي انتهى بإقالة الجبري بعد أشهرٍ من توليته بقرار ملكي نصّ على إبعاده من مناصبه كافة، بينما تقلد الهويريني رئاسة جهاز أمن الدولة. ظل يُقدم مشورته لرئيسه القديم الذي أُعفي من منصبه في يونيو (تموز) عام 2017، قبل أن يوضع تحت الإقامة الجبرية، ومع نجاح خطة ابن سلمان، إلا أنه فشل في القبض على الجبري الذي فرّ خارج المملكة قبل شهرٍ من ذلك الإعلان. 

خازن الأسرار الذي يعرفُ كل شيء

تصف صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية سعد الجبري بأنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وكان أكثر انفتاحًا من رئيسه – محمد بن نايف – كما أنه حافظ على العلاقات مع مسؤولي المخابرات من الولايات المتحدة وبريطانيا، والأخطر أنه يعرفُ المكان الذي دُفنت فيه جثث المعارضين الذين تخلصت منهم السلطات السعودية، وبالحديث عن الجهاز الرقابي لوزارة الداخلية، فالجبري كان يسيطر فعليًا على أسرار أفراد الأسرة المالكة.

تشير تقارير إلى أنّ العدواة بين الأمير محمد بن سلمان وسعد الجبري بدأت مُبكرًا، عقب وفاة الملك عبد الله؛ فبعدما تولى ابن سلمان وزارة الدفاع ما لبث أن أطلق الحرب على اليمن في مارس (أذار) عام 2015، وعارض الجبري تورط بلاده في الحرب، إذ اعتبرها مكلفة وغير مضمونة النتائج، إضافة إلى أنّ ابن سلمان نفسه أخذ القرار دون استشارة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي كان يقودها، وهي الحرب التي دخلت حاليًا عامها السادس، مع إخفاق واضح للنظام السعودي في إنهائها.

بعد أربعة أشهرٍ من الحرب فوجئ ابن سلمان أنّ الجبري – كان لازال في منصبه – قد عقد اجتماعات مع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، بالإضافة إلى لقاء آخر مع وزير الخارجية البريطاني في لندن، ثم توجه بعدها إلى واشنطن لمناقشة التدخل العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن مع مسؤولين أمريكيين، وبعد عودته من الولايات المتحدة فوجئ الجبري بخبر إعلان التلفزيون السعودي إقالته.

وبعدما تمكّن من الفرار إلى الولايات المتحدة، لجأ الجبري بعدها إلى كندا في يونيو عام 2017، خوفًا من قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتسليمه، لتضطر السعودية إلى توجيه طلب رسمي للإنتربول من أجل القبض على الجبري بدعوى التحقيق في قضايا فساد عقب ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية نقلًا عن مسؤولين سعوديين أن الجبري مطلوب أمام القضاء السعودي كونه متورطًا في قضايا فساد بقيمة 11 مليار دولار، لكن الإنتربول ألغى الإشعار بعدما اعتبره ذا دوافع سياسية.

ساومت السعودية الجبري على العودة عبر اعتقال اثنين من أبنائه في مارس عام 2018، وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أنّ ولي العهد حاول جلب سعد الجبري بوسائل منها الإنتربول، وبالترغيب والترهيب، وهي الطريقة المتبعة مع أغلب المعارضين السعوديين الفارين في الخارج، وتضيف الصحيفة أنه توجد رسائل هاتفية طالب فيها الجبري ابن سلمان بالسماح لولديه الممنوعين من السفر والموجودين في السعودية بمغادرة البلاد، إلا أنّ الأخير اشترط أن يلتقيه أولًا. 

تسجيلات خطر.. كيف ستنتهي المواجهة بين الرجلين؟

رفع ضابط الاستخبارات السعودي السابق سعد الجبري مؤخرًا دعوى قضائية في واشنطن ضد ولي العهد السعودي يتهمه فيها بأنه أرسل «فرقة النمر» لاغتياله في كندا، بعد أسبوعين فقط من اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018.

إحدى الرسائل المنسوبة لمحمد بن سلمان إلى الجبري، مصدر الصورة: الخليج الجديد

وسبق أن نقلت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية عن مصادر استخباراتية أن محققين أبلغوا كندا بموعد وصول فريق الاغتيال السعودي الذي استوقفتهم السلطات بالفعل، كما نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن مسؤولي الأمن القومي الأمريكي كانوا على دراية كاملة بملابسات محاولة اغتيال الضابط السعودي السابق.

ووفق مستند الدعوى القضائية ففرقة النمر التي كانت مكلفة باغتيال الجبري حاولت دخول كندا بتأشيرات سياحية، وكانت تحمل حقيبتين من أدوات الطب الشرعي، وكانت تضم خبيرًا مثل اختصاصي الطب الشرعي الذي قام بتقطيع خاشقجي، كما أرفق الجبري داخل عريضة الدعوى نص رسالة من ولي العهد السعودي يطلب فيها منه العودة خلال 24 ساعة، وإلا سيقتل، وبحسب الاتهامات، فمحمد بن سلمان يسعى للحصول على تسجيلاتٍ خطرة.

وتشمل لائحة الأسماء، بالإضافة إلى ابن سلمان، كلًا من مدير مكتبه بدر العساكر، والمستشار السابق بالديوان الملكي سعود القحطاني، وهو أحد المتورطين بجريمة اغتيال خاشقجي؛ كما تضمنت نائب مدير الاستخبارات السابق أحمد عسيري، وبالسؤال عن صلاحية المحكمة الفيدرالية التي من المقرر لها النظر في القضية، فيمكنها محاسبة ولي العهد السعودي بتهمة «عبور الحدود الدولية، بما في ذلك الوصول إلى الولايات المتحدة، لمطاردة وقتل رجل طالما اعتمدت عليه الولايات المتحدة للحفاظ على سلامة المواطنين الأمريكيين والذي يتم استهدافه على وجه التحديد بسبب علاقته مع الولايات المتحدة».

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
«ن. تايمز»: سعد الجابري.. صندوق السعودية الأسود الذي لم يستطع ابن سلمان استعادته

على جانب آخر، الجبري نفسه مُتهم من قبل المعارضة السعودية بأنه كان مسئولًا عن عمليات قتل واعتقال الناشطين الحقوقيين المعارضين للأسرة المالكة خلال فترة إشرافه على وزارة الداخلية، وهو نفسه قد يواجه تُهمًا مماثلة من قبل نفس المحكمة التي من المقرر لها نظر قضيته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد