الزمان: يوم الأحد 19 يوليو (تموز) 2009.

 المكان: سوق الجمعة للخضار والفاكهة في مدينة الإسماعيلية.

 كان الباعة جميعهم يصيحون ويدعون الزبائن لشراء بضائعهم التي أصبحت كلها بنصف الثمن، وإذا سألت يومها: «لماذا كل هذه التنزيلات؟» كنت ستستمع: «علشان خاطر حمص»، كانت مدينة الإسماعيلية الليلة التي سبقت هذا اليوم تعيش واحدة من أفضل أوقاتها الكروية، بعد أن سجل كابتن النادي الإسماعيلي محمد سليمان حمص مع منتخب مصر، هدفه الشهير في مرمى المنتخب الإيطالي، في الجولة الثانية من فعاليات بطولة كأس العالم للقارات، الهدف الذي دخل به حمص ومنتخب مصر التاريخ؛ لأن إيطاليا كانت بطلة العالم وقتها، ولم يكن ليتوقع أحد أن فريقًا يعاني من ضآلة فرصته في الصعود إلى المونديال يمكن أن يحدث أي نتيجة إيجابية أمام أبطال العالم؛ ولكن الفتى الأسمر حطم كل التوقعات، وأصبح بعدها أسطورة الإسماعيلي المنسية.

 

حمص كان أذكى من دي روسي أيضًا

«محمد حمص أفضل من محمد أبو تريكة فنيًّا، وبجواره قضيت أفضل ثلاث سنوات في مسيرتي» *محمد فضل لاعب الأهلي والإسماعيلي السابق.

لم ينضم محمد حمص طوال مسيرته إلى منتخب مصر كثيرًا، ولكن لا نعلم سببًا محددًا لذلك؛ على الرغم من قدراته كلاعب مميز، هل كانت إصاباته المتكررة هي السبب؟ أم هل كان من الصعب إعلاميًّا أن يجاور محمد حمص زميله حسني عبد ربه أساسيًّا في المنتخب المصري؟ كلها في الحقيقة أسئلة من الصعب أن نثبت صحة إجابتها، ولكن ما نعلمه جيدًا، أن حمصًا في مباراة إيطاليا، أثبت أنه جدير بأن يكون لاعبًا أساسيًّا في المنتخب المصري.

فنون

منذ 3 سنوات
صلاح ليس وحيدًا.. 5 لاعبين رُفضوا في بداية مشوارهم ثم أصبحوا أساطير كروية

في حوار له مع شبكة «سي إن إن» عام 2009، قال حمص إن حسن شحاتة مدرب المنتخب الوطني، ركَّز على الكرات الثابتة في المران الأخير قبل مباراة إيطاليا، وكانت واجبات حمص وفتحي (عنصري الارتكاز) تتمثل في حالة الضربة الركنية؛ أن يدخل فتحي إلى داخل المنطقة حتى يركل الكرة في حالة أن أبعدها واحد من المدافعين، كما فعل في مباراة ساحل العاج في نصف نهائي أمم أفريقيا 2008، وعلى حمص أن ينتظر خارج منطقة الجزاء لكي يتعامل مع الهجمة المرتدة.

 لكن محمد حمص كان يمتلك جرأة أكبر؛ ففي هذه الكرة شعر حمص بأن الفرصة ستكون أفضل إن بدَّل الأدوار مع أحمد فتحي؛ أي يخرج فتحي خارج المنطقة ويدخل حمص لكي يحاول استغلال الكرة ويسجل الهدف الأول، وقد كان، وقبل تسجيل الهدف كان دانيال دي روسي نجم روما والمنتخب الإيطالي هو من يراقب محمد حمص، لكن حمصًا كان أذكى؛ عاد خطوتين إلى الخلف لكي يفلت من رقابة روسي، وعندما فقد روسي تركيزه؛ تحرك حمص بسرعة ناحية الكرة حتى ضربها برأسه لكي تسكن شباك الحارس الإيطالي العملاق جان لويجي بوفون، ويسجل حمص اسمه في التاريخ، بعدما بُح صوت المذيع حازم الكاديكي منبهرًا: «جول.. الله.. صوتي راح.. الله عليك يا حمص»

 

مع الإسماعيلي.. لم تبتسم له الكرة طوال الوقت

عرف جمهور «السمسمية» محمد حمص لأول مرة في عام 1997، عندما قرر علي أبو جريشة، المدير الفني حينئذ، تصعيد الفتى الأسمر الموهوب للفريق الأول، وقتها خاض الإسماعيلي مباريات صعبة، تغلب فيها على الزمالك في الإسماعيلية، ثم صعد ليواجه النادي الأهلي في نهائي الكأس، وكانت كل التوقعات تصب في مصلحة النادي الأحمر؛ لاسيما وأن المباراة الأخيرة التي جمعت الفريقين قبل نهائي الكأس انتهت بفوز الأهلي بستة أهداف نظيفة في الإسماعيلية، رحل على إثرها مجلس الإدارة والجهاز الفني للفريق كاملًا، ولكن محمد حمص وزملاءه تمكنوا من الفوز بالمباراة في قلب القاهرة بهدف نظيف لعطية صابر، وعاد الإسماعيلي إلى الإسماعيلية متوجًا بطلًا لكأس مصر لأول مرة في تاريخه، وكانت هذه البطولة هي نقطة انطلاق محمد حمص.

كان حمص محظوظًا بما يكفي لكي يعيش فترة الجيل الذهبي في الإسماعيلي، التي ضمت أيقونات أساسية في تاريخ كرة النادي الساحلي أمثال: محمد بركات، وجون أوتاكا، وخالد بيبو، وعماد النحاس، وسيد معوض، ومحمد صلاح أبو جريشة، وعمرو فهيم، وإسلام الشاطر، وأيمن رمضان، الجيل الذي تمكن حمص معه من الحصول على كأس مصر مرة ثانية عام 2001، وبطولة الدوري العام في عام 2002، ولأن حمصًا كان  يملك لمسة سحرية ودائمًا ما كان  يجيد الضغط وتمرير الكرات بسلاسة، ويتمكن من تسجيل الأهداف وصناعتها ببراعة؛ نجح في تثبيت أقدامه لاعبًا أساسيًّا في التشكيلة الذهبية للنادي الإسماعيلي.

ولكن مسيرة حمص لم تكن سعيدة دائمًا مع الإسماعيلي؛ فقد خسر أسطورة الإسماعيلي مع النادي ستة نهائيات: نهائي كأس الكونفدرالية الأفريقية عام 2001 أمام شبيبة القبائل الجزائري، ونهائي بطولة دوري أبطال أفريقيا عام 2002  بعد مباراة درامية أمام أنيمبا النيجيري، ونهائي دوري أبطال العرب عام 2004 أمام الصفاقسي التونسي، ونهائي كأس مصر أمام الأهلي بضربات الترجيح عام 2003، ونهائي بطولة كأس السوبر المصري عام 2007، والمباراة الفاصلة لتحديد لقب الدوري المصري عام 2009 أمام النادي الأهلي.

 ومع ذلك؛ فإن عدم تحقيق البطولات لم  يكن أبدًا سببًا قويًّا ليدفع محمد حمص  للرحيل عن نادي الإسماعيلي الذي نشأ وتربى فيه منذ كان في الثامنة من عمره، حتى وإن رحل كل زملائه من الجيل الذهبي وتركوا قلعة الدراويش، وذهب أغلبهم إلى النادي الأهلي، الذي انتقل إليه خمسة من الجيل الذهبي وهم: محمد بركات، وعماد النحاس، وسيد معوض، وخالد بيبو، وإسلام الشاطر، ولكن حمصًا لم يرحل لأي نادٍ، حتى إنه رفض عرض النادي الأهلي عام 2004 عندما حاول التفاوض معه كلٌّ من الكابتن ثابت البطل حارس الأهلي ومنتخب مصر السابق، ومعه الكابتن حسام البدري مدرب النادي الأهلي الأسبق.

 

مباريات كان حمص نجمها الأول في الإسماعيلي

هناك الكثير من المباريات التي يتذكرها عشاق الدراويش ويصفون حمصًا بأنه كان نجمها الأوحد، مثل مباراة المقاولون التي فاز فيها الدراويش بخماسية عام 2009، واعتلوا حينها صدارة الدوري المصري قبل أن ينتهي بثلاث جوالات، وقتها سجل حمص هدفين وصنع مثلهما، ويعزي جمهور الإسماعيلي فضل صعود الفريق لدوري المجموعات في بطولة دوري أبطال أفريقيا في عام 2010 إلى محمد حمص، عندما أوقع القدر النادي الإسماعيلي أمام الهلال السوداني في بطولة دوري أبطال أفريقيا دور الستة عشر، كان تاريخ الهلال السوداني وقتها يقول إنه ندٌّ عنيد، أرهق أندية مصرية كبيرة مثل الأهلي والزمالك، وكانت كل التوقعات تصب في مصلحة الهلال، ولكن محمد حمص كان له رأي آخر.

 كان لقاء الذهاب في العاصمة السودانية الخرطوم، بدأ اللقاء باندفاع هجومي للاعبي الهلال معتمدين على عوامل الأرض، والجمهور، والخبرة الأفريقية التي تفوق لاعبي الإسماعيلي، قاد محمد حمص فرقة الدراويش للصمود حتى الدقيقة 45 من الشوط الأول، حين حصل الإسماعيلي على ضربة حرة مباشرة على حدود منطقة جزاء الهلال، سددها أحمد سمير فرج بقدمه الصاروخية واصطدمت بالعارضة؛ ليطير عليها محمد حمص برأسه ويسكنها شباك الهلال السوداني معلنًا تقدم الدراويش، ثم انتهت المباراة بهدف حمص، وعاد الإسماعيلي إلى الإسماعيلية منتصرًا وأقدامه على مشارف دوري المجموعات.

 

وفي مباراة العودة في الإسماعيلية، وبينما تغيرت التوقعات وأصبحت تصب في مصلحة الإسماعيلي، حدث شيء لم يكن متوقعًا؛ إذ سجل الهلال السوداني  وأربك حسابات الجميع، ثم انتهى الشوط الأول وتوجه كلا الفريقين إلى غرفته، لا نعلم بالتأكيد ما حدث داخل الغرف المغلقة، ولكن على ما يبدو أنه كانت هناك تعليمات محددة لأحمد سمير فرج ومحمد حمص لكي يكررا تجربة هدف السودان. 

في الدقيقة 60 حصل الإسماعيلي على ضربة حرة مباشرة من خارج منطقة الجزاء من ناحية اليسار، ناحية أحمد سمير فرج الذي أخذ الكرة واستعد للتمرير، بينما كان حكم اللقاء يضبط حائط لاعبي الهلال، كان حمص يقف داخل منطقة الجزاء، متخطيًا آخر لاعب من لاعبي الهلال السوداني، أي إنه يقف دون مراقبة لأنه في منطقة التسلل، ولكن مع كل خطوة أخذها أحمد سمير فرج ناحية الكرة، كان حمص يأخذ مثلها حتى يخرج من منطقة التسلل، ورفع أحمد سمير فرج الكرة بدقة على رأس حمص غير المراقب الذي سددها في الزاوية البعيدة؛ معلنًا هدف تعادل الدراويش، الذي تلاه هدف أحمد سمير فرج، ثم هدف أحمد خيري؛ ليفوز الإسماعيلي ويصعد لدوري المجموعات لأول مرة بعد سبع سنوات، بفضل قائده الأسطوري محمد حمص.

 

محمد حمص.. أسطورة نسيها الإعلام واتحاد الكرة والإسماعيلي أيضًا

لم يحظ محمد حمص باهتمام إعلامي يليق بمسيرته وإنجازاته في عالم الساحرة المستديرة، سواء عندما كان لاعبًا أو بعد اعتزاله، وخير مثال على ذلك: في 12 من أبريل(نيسان) 2019، أقيمت فاعليات حفل قرعة آخر كأس أمم أفريقيا القادمة في مصر بحضور عدد كبير من الشخصيات المهمة، بجانب نجوم ارتدوا قميص منتخب مصر الأول لكرة القدم في أجيال مختلفة؛ ولكن محمد حمص لم يوجد ضمن قائمة المدعوين للحفل، على الرغم من كونه أحد أفراد الجيل الذهبي لمنتخب مصر، والذي سجل هدف منتخب مصر الوحيد في المباراة التي انتهت بانتصار الفراعنة على إيطاليا بطلة العالم، وهو الانتصار الوحيد الذي ناله لاعبو منتخب مصر في كأس القارات عام 2009.

في أبريل 2012، كان محمد حمص على موعد مع أول صدام كبير مع مجلس إدارة الإسماعيلي؛ وذلك عندما  ثار لاعبو الفريق الأول على الإدارة التي كانت قد امتنعت عن سداد مستحقات اللاعبين لمدة قاربت العام، وقتها أخذ محمد حمص قائد الفريق صف اللاعبين وقاد العصيان، بعد محاولات منه دامت شهورًا لتهدئة الأوضاع، كما صرح هو ومحمد محسن أبو جريشة للإعلامي مدحت شلبي في لقاء استضافته قناة مودرن سبورت. وعلى إثر هذه الحادثة رحل حوالي خمسة لاعبين من القوام الرئيسي للفريق، هم عبد الله الشحات، والمعتصم سالم، وإبراهيم يحيى، وأحمد صديق، وأحمد سمير فرج، ولكن حمصًا القائد ظل ولم يرحل.

تكررت أزمة المستحقات في  موسم 2014- 2015، وكالعادة قاد محمد حمص ثورة اللاعبين على مجلس إدارة الإسماعيلي برئاسة العميد محمد أبو السعود، الذي اتهمه محمد حمص هو ومجلسه بتحريض المدرب البرازيلي ريكاردو على تنفيذ خطة من أجل «تطفيش حمص» من النادي الإسماعيلي، وقال محمد حمص في لقاء تلفزيوني إنه تعجب من طريقة ريكاردو التي كان يعامله بها، على الرغم من أن ريكاردو في ولايته الأولى موسم 2008-2009 كان يأخذ رأيه ويسعى لمشورته في كل كبيرة وصغيرة تخص الفريق، ولكن في الولاية الثانية موسم 2014- 2015 كان ريكاردو يتعمد تجاهل محمد حمص وتهميشه بحسبه، مما دفعه للرحيل عن الفريق عام 2014؛ لينهي حمص مسيرته في الدراويش بعد 28 عامًا، لعب خلالها  769 مباراة، حقق بطولتي كأس مصر وبطولة دوري عام واحدة.

*اللعب للإسماعيلي كان حلم بالنسبة ليا، فما بالك بحمل شارة قيادة الفريق!*.محمد حمص

في ظل النتائج السيئة التي يحققها فريق كرة القدم بالنادي الإسماعيلي في موسم 2018- 2019؛ ترددت حينها الكثير من الأنباء على مدار المواسم عن إسناد مهمة إدارة الفريق إلى حمزة الجمل ومحمد حمص، لكي يكون الأول مديرًا فنيًّا والثاني مدربًا مساعدًا؛ ولكن لم يحدث هذا حتى الآن؛ ويرجح جمهور الإسماعيلي هذا إلى أن هناك أسبابًا سياسية تحول بين تولي الثنائي إدارة الإسماعيلي، وذلك لما كان يقال دومًا عن وجود علاقة أو تعاطف يجمع بين محمد حمص وجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في جمهورية مصر العربية، وهو ما يربطه البعض بإعلان محمد حمص تأييده لمرسي في عام 2012.

ولكن في النهاية عاد الثنائي إلى الإسماعيلية في العام الماضي، ولكن لتدريب الفريق الآخر في المدينة؛ نادي هيئة قناة السويس الذي ينافس في دوري الدرجة الأولى، وقد كان على مشارف الصعود للممتاز في الموسم الحالي.

المصادر

تحميل المزيد