3,961

في الثاني من يناير (كانون الثاني) 1492م، كان العالم على موعد مع سقوط آخر قلاع المسلمين في الأندلس بعد حكم امتد مئات السنين. تندرج أحداث سقوط الأندلس ضمن سلسلة من الحلقات المتداخلة والمعقدة، ويمكن القول إن تاريخ سقوط الأندلس أكثر تعقيدًا بكثير من مرويات البكائيات والأساطير والحكايا، وأكثر تعقيدًا من تفسيرات الخطاب الوعظي التاريخي السطحية التي تعزو كل هزيمة إلى الفساد الأخلاقي والانصراف للبذخ والترف واللهو والموسيقى. إن إطلالة عميقة على تاريخ الأندلس تؤكد أن كل هذه الخصائص لم توجد فقط في زمن الهزائم العسكرية، وإنما وجدت أيضًا في زمن العزة والقوة والتقدم والمجد.

آخر ملوك الأندلس

كان قدر آخر ملوكها «أبي عبد الله محمد الثاني عشر» أن يكون المفاوض على نهاية الحكم الإسلامي بشبه الجزيرة الأيبيرية، أمام هيبة عسكرية متصاعدة لملوك مسيحيين أدركوا جيدًا أن سقوط غرناطة سيشكل النواة التي سيطوف حولها العالم السياسي الغرب.

يعد «أبو عبد الله محمد الثاني عشر» (1460- 1527م) آخر ملوك غرناطة، وهو آخر ملوك الأندلس المسلمين الملقب بالغالب بالله، وآخر ملوك بني نصر أو بني الأحمر. حكم مملكة غرناطة في الأندلس فترتين بين عامي (1482- 1483م) وعامي (1486 – 1492م). إلى أن استسلم لفرديناند وإيزابيلا يوم الثاني من يناير 1492م. سماه الإسبان «el chico» أي الصغير، و«Boabdil» أبو عبديل؛ بينما سماه أهل غرناطة الزغابي «أي المشؤوم أو التعيس».

دامت «حرب غرناطة» 10 سنوات بين عامي 1482 و1492، شهدت استعمالًا فعّالًا للمدفعيةِ مِن قِبل القوات المسيحية أمام تخلف غرناطي في هذا الجانب. كتب المؤرخ «ويستون كوك. جى آر»: واصفًا المعركة: «إن قوة النار الناتجة عن البارود وعمليات الحصار التي استخدمت فيها المدفعية هى التي أدت إلى الانتصار في حرب غرناطة، أما العوامل الأخرى في النصر الإسبانى فقد كانت عوامل ثانوية».

حاصر الملكان المسيحيان، إيزابيلا ملكة قشتالة وليون وزوجها فرديناند الثاني ملك أراغون، غرناطة في 30 أبريل (نيسان) 1491 حصارًا شديدًا دام ثمانية أشهر، فأتلفا الحقول المجاورة، ووقفا أمام وصول أي مدد خارجي من المغرب الأقصى إلى أن تناول السكان الفئران. سادت حالة من الفوضى بين مسؤولي غرناطة، كما سُجِلَت حالات خيانات ورِشَا لصالح قشتالة. إلى أن انتهى الحكم الإسلامي لغرناطة بتسليم الأمير «أبي عبد الله» إمارةَ غرناطة ومدينتها وقصر الحمراء، وما زال الإسبان يحتفلون كل عام بهذا التاريخ أمام تنديد جمعيات حقوقية بإقليم أندلوسيا التي تعتبر الاحتفال تهميشًا لمرحلة تاريخية مهمة وترسيخًا لنظرة عدائية ضد عنصر ثقافي ليس سوى أحد مكونات الهوية الأندلسية المعاصرة.

لكن، من كان «أبو عبد الله» في الحقيقة؟ هل كان ذلك الملك الضعيف والمحارب المتخاذل والبَكَّاء الكئيب الذي أُقحِم اسمه في التاريخ من أبشع أبوابه؟ هل كان مجرد «زغابي» جبان أمام أم قيادية قوية مُفعمة بالطاقة؟ أم كان رجل إنسانية فضَّلَ المفاوضات على هدر دماء المسلمين في حرب خاسرة لا محالة؟

هل كان أبو عبد الله حامي غرناطة الذي عرف كيف يسلم مملكته والحمراء بسلمية متناهية بتجنب عراك أخير ليس له أي معنى؟ هل أدرك الرجل أنه إنما يمثل نهاية حقبة لا يستطيع المنافسة فيها أمام تقنيات قشتالية عسكرية متفوقة؟ أم لعله كان الشخصيتين في آن؟ أم لعله لم يكن أي واحدة منهما؟.

سقوط غرناطة.. حلقة كتبت بقلم المنتصر

قليلة هي المعطيات التي وصلتنا بقلم عربي عن نهاية أبي عبد الله وسقوط غرناطة، فقد سطّرت كُتِبَ تاريخ نهاية مملكة بني نصر عادة بأقلام مسيحية انطلقت عادةً من فرضية أيديولوجية واضحة ألا وهي: الكتابة نُصرةً لوحدة الأراضي الكاثوليكية وتمجيدًا لنهاية الحملة الصليبية ضد الإسلام. هذا بالإضافة إلى جهل الكثير من كتاب تلك الفترة أصلًا بلغة العربي المهزوم وثقافتها، وهذان سببان رئيسيان يفسران كيف شُوهت بعض التفاصيل، وكيف حيكت الكثير من الأساطير حول أحداث وهمية لم تحدث قط.

انعكس حدث سقوط غرناطة على السكان المسيحيين انعكاسًا إيجابيًا، بعكس العالم الإسلامي الذي استقبل أمرًا مريعًا ومحزنًا خاصة بسبب الوثاق الديني والثقافي واللغوي الذي يربطه بمسلمي الأندلس. فقد العرب والمسلمون حضارة ازدهرت لقرون، سواء على المستوى الاقتصادي، أم السياسي، أم العلمي وغيره.

من هنا يمكن فهم كيف أن أحداثًا صادمة مثل: فقدان مملكة الأندلس التي ازدهرت لقرون، ونفي ملكها وحلفائه،وعدم وفاء المنتصرين بالمعاهدة المتفق عليها بين ملك غرناطة والملكين الكاثوليكيين، وأيضًا عمليات طرد الموريسكيين والتضييق على المدجنين والشتات الموريسكي بشمال إفريقيا؛ كل ذلك أدى إلى عدم الاكتراث بالتدوين. إذ اهتم فقط قلة من المؤرخين العرب البارزين بالتطرق للأمر إذ واجهوا مهمة شاقة وثقيلة بسرد أحداث كارثية مأساوية عنيفة مُريعة مؤلمة صادمة.

من أبرز المؤرخين الذين تناولوا سقوط غرناطة الإمام الفقيه، الأصولي، المحدث والأديب «أحمد المقري» (1578-1631م) وهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني القرشي المالكي الأشعري الذي جمع أغلب الوثائق المتوفرة حول الأندلس في ذلك الوقت ليكتب رائعتيه في التاريخ والأدب الأندلسي وهما:

الأولى: «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»، ويعد أحد أقدم الكتب الأندلسية ظهورًا للنور، وهو موسوعة تاريخية مهمة في دراسة التاريخ والأدب والجغرافيا الخاصة بالأندلس، وقد اعتمد المقري في كتابه على مصادر لم يصلنا منها سوى القليل كالمغرب لابن سعيد، ومطمح الأنفس لابن خاقان، والمطمح الكبير.

الثاني « أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» موسوعة ضخمة، تقع في خمسة مجلدات. اتبع المقري فيها طريقة القدماء في تقديم مادة متنوعة وشاملة، ورغم أن هدفه كان تقديم معرفة بشخصية «القاضي عياض» فقد ألمّ بكثير من شؤون بلاد الأندلس، وأحوال المسلمين في عصر الجلاء عنها. قيد في كتابه هذا الكثير من مشاهداته، وأخبار تنقلاته في البلاد. وامتاز باحتفاظه بطائفة كبيرة من الأخبار والنصوص المغربية والأندلسية، التي لم ترد في نفح الطيب، ولا غيره من الكتب، وإنما بادت أصولها، أو هي لا تزال سرًا مطويًا في خزائن الكتب.

من خان غرناطة حقًا.. «أبو عبد الله» أم إيزابيلا وفرديناند؟

هناك عدة روايات مسيحية قديمة «قشتالية، فرنسية، إيطالية…» مختلفة ومتناقضة حول كيف وأين ومتى سلم الملك «أبو عبد الله» مفاتيح غرناطة للملكين الكاثوليكيين. تؤكد بعض الروايات -التي تعد على الأرجح غير صحيحة- أن أبا عبد الله لقي الملكين الكاثوليكيين عند نهر شنيل، حيث نزل من فرسه وانحنى لتقبيل يد فرديناند، الذي رفض منح يده من باب الإعراب عن الرضا. ثم سلمه مفاتيح المدينة.

كذَّب بعض المؤرخين هذه الرواية وروايات أخرى مشابهة، من بينهم «بيسكادور ديل أُويو» إثر العثور على وثيقة غير منشورة في الأرشيف التاريخي الوطني لمدينة بلد الوليد. الوثيقة عبارة عن رسالة مبعوثة إلى أسقف ليون من شاهد عيان على أحداث تسليم غرناطة، مؤرخة في الثامن من يناير 1492م، يشرح فيها أن تسليم غرناطة تم الليلة التي سبقت التاريخ الرسمي، بشكل مُغلق غير مُعلن، في صالة قمارش بالحمراء إثر استقبال أبي عبد الله بعثة سرية تفاديًا لأي «شغب» محتمل.

أما الروايات الأخرى فربما لا تكون -على الأرجح- سوى حلقات تاريخية زائفة كُتِبَت بقلم المنتصر. إذ إن المنطق يخبرنا أنه من المستبعد أن يكون أبا عبد الله ضعيفًا وهشًا بهذا الشكل. فلو كان كذلك لما استمرت الحرب 10 سنوات كاملة حكم فيها مملكة غرناطة في الأندلس فترتين بين عامي (1482- 1483م) و(1486- 1492م).

من بين الكُتَّاب المسلمين من يرى أن استسلام أبي عبد الله لم يكن حتميًا، وإنما كان خيانة للإسلام ولغرناطة، ولكن، لو تفكّرنا في وجهة النظر الأخرى، فكيف يخون من حارب لسنوات طويلة وإن أدرك أن التفوق القتالي مسيحي وليس إسلاميًا بالمرة؟ كيف يخون من حارب وحيدًا في غياب كل مدد خارجي؟ هل يمكن اعتبار التسليم خيانة حتمًا وقد تعرض رعاياه للجوع في حصار دام ثمانية أشهر؟ ربما تكون تلك النظرة التي تتهم أبا عبد الله بالخيانة وبالتقاعس عن الجهاد ليست سوى نظرة قاصرة فقيرة للمنطق، إذ لربما كان تسليم غرناطة أحفظ لدماء المسلمين؛ إذ جنبهم الدخول في معارك «دونكيشية» خاسرة لا محالة.

ربما فَضَّلَ «أبو عبد الله» إذن إمضاء معاهدة تسليم تحفظ للمسلمين دينهم وأموالهم وأملاكهم، بدلًا من مواصلة مقاومة لن تُجدي نفعًا ولن تُهدِر سوى مزيد من الأرواح. وُقِعت «معاهدة غرناطة» أو «معاهدة تسليم غرناطة» بين مملكة غرناطة ومملكة قشتالة بتاريخ 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1491م. التزم السلطان وتابعوه من خلالها بالاستسلام للملكين الكاثوليكيين كما التزم الأخيران وأقسما بضمان السلامة الشخصية والمادية لأبي عبد الله ولأسرته ومعاونيه.

كما سمحت المعاهدة لمسلمي غرناطة بممارسة الشعائر الإسلامية والاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، وفي حالة أي احتكاك أو خصام ضد المسيحيين، يتمتع الطرفان المتخاصمان بحق الاحتكام لقرار هيئة قضاة من الديانتين، ولتسهيل الحياة العامة بغرناطة، تقيد الملكان بإنشاء مجلس إسلامي للمدينة مكون من 21 عضوًا محليًّا، من بينهم فقهاء، وكُتَّاب عدل، ومترجم وعدد من «الأمناء» الذين يمثلون مختلف المهن المتداولة بالمملكة.

بالرغم من كل هذه البنود، هاجر الكثير من ممثلي نخبة القطاع الاقتصادي للمجتمع الغرناطي. لم يكن المستقبل واضحًا. لا أمان، لا اطمئنان ولا راحة في الوضع الجديد. سهلت قشتالة خروجهم. فقد كانت هجرة الأقلية المُسيِرة أمرًا مستحبًا بالنسبة للمنتصرين، إذ إن رحيلهم ضمن بشكل كبير تفكك المجتمع الغرناطي.

ضمنت المعاهدة السلام لفترة وجيزة، ولكن سرعان ما اخترقت؛ إذ تلاشت روح التسامح والتساهل فتدهور حال المسلمين. تراجعت ساكنة غرناطة تراجعًا واضحًا بسبب الحرب والهجرة، كما اشتدت عمليات الاستيطان المسيحي للمملكة، وبدأت عمليات التنصير الإجباري باتباع طرق قاسية، واتضح أن الخضوع القشتالي للمعاهدة لم يكن سوى حيلة سياسية لاستلام غرناطة بأقصى سرعة وإنهاء حرب أهدرت الكثير من الأموال والدماء. بالنسبة للمنتصر، لا يمكن اعتبار الاحتلال احتلالًا وثيقًا إلا إذا ما تم غرس الوجود القشتالي في المجتمع الغرناطي على كل المستويات.

هل خان أبو عبد الله غرناطة إذن؟ ربما يحق للبعض -بناء على ما تقدم- أن يجيب بـ«لا». الخيانة كانت قشتالية من إيزابيلا وفرديناند.

«زفرة المورو».. حقيقة أم أسطورة؟

يطلق اسم «زفرة المورو» على منطقة بنواحي غرناطة، يُزعم أن أبا عبد الله وقف هناك لتوديع الحمراء وغرناطة لآخر مرة، بكى، فوبخته والدته قائلة: «ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا، لم تحافظ عليه مثل الرجال». تعكس عبارة «زفرة المورو» حكاية مؤثرة خلدت لقرون في إنتاجات أدبية؛ لوحات، ومؤلفات تاريخية وإنتاجات درامية مثل سلسلة «إيزابيل» (2012- 2014).

تنتمي السلسلة إلى الدراما التلفزيونية التاريخية، وقد بنيت أحداث جزئها الثاني على فترة «استرداد» غرناطة، كما ترصد وقائع تاريخية بخصوص بني سراج، وبني الأحمر كأحداث لا تتجزأ عن واقعة سقوط غرناطة، ويسلط الضوء أيضًا على الرحلات الاستكشافية الأولى لكريستوف كولومبس نحو القارة الأمريكية. سمحت السلطات الإسبانية بتصوير المشاهد بالحمراء، ويقول المخرج بهذا الخصوص: «التصوير بالحمراء حلم تحول إلى حقيقة، يمكننا لمس التاريخ، كل شيء اكتسى معنى أفضل».

للدراما التاريخية جمهور خاص يتابعها للتحليل والمقارنة. بينما تقتصر الكتابات التاريخية على فئة معينة، تتسع دائرة المتابعين في الدراما التاريخية لتشمل كل فئات المجتمع. لكن ما أصل حكاية «زفرة المورو» التي لم تهمل السلسة تجسيدها؟ كيف انتقلت عبر الأزمنة؟ هل هي حقيقة تاريخية أم أنها ليست سوى أسطورة سياسية مبتكرة؟

مع سقوط غرناطة سنة 1492م، غادر «أبو عبد الله» الحمراء نحو المنفى، وفي الطريق، وقف ليتأمل الحمراء للمرة الأخيرة من أعلى إحدى المرتفعات. تأثر إلى أن بكى الماضي العريق والذكريات. انتبهت والدته لبكائه فوبخته بجملة دخلت التاريخ: «ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا، لم تحافظ عليه مثل الرجال».

لا أصل للحكاية في المصادر التاريخية العربية، لا وجود للقصة إلا في المصادر القشتالية. كما تختلف هذه الأخيرة فيما بينها عند سرد التفاصيل، حتى إن هناك رواية تؤكد أن مقولة «ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا، لم تحافظ عليه مثل الرجال» لم تصدر عن الحرة لابنها أبي عبد الله في طريق الرحيل بل بقصبة الحمراء، ومن المؤرخين من يطعن في صحة الرواية من الأساس مثل الكاتب الغرناطي «ليوناردو بيينا» مؤلف كتاب «الزفرة الأخيرة للملك أبو عبديل El último suspiro del Rey Boabdil». يعتقد مارمول أن الحدث ليس له أي خلفية تاريخية، بل مجرد قصة من خيال أسقف قادش «أنطونيو دي غيفارا»، رواها في صيف سنة 1526م للإمبراطور كارلوس الخامس لإثارة الانتباه. بل يؤكد أن أبا عبد الله لم يمر من هناك بالأساس.

لم يرغب أبو عبد الله يومًا بالذهاب إلى شمال إفريقيا خاصة أن الأحوال السياسية لم تكن مستقرة بفاس. رُفِضت أُمنيته بالبقاء خوفًا من اندلاع أي ثورة مستقبلية بمساعدة أعوانه وتابعيه بالبشرات. أصر الملكان الكاثوليكيان عن طريق «إيرناندو دي ثافرا» على رفض مقاومته للرحيل وخوفه من ترك أرضه وأرض أجداده إلى الأبد. سافر أبو عبد الله، في محاولة أخيرة للتفاوض على بقائه بالبشرات، إلى برشلونة لمقابلة فرديناند وإيزابيل. كانت رحلة دون جدوى إذ أصرا على بيع ما تبقى من ممتلكاته والرحيل.

قبر «أبي عبد الله» الذي تحول اليوم إلى «مزبلة»

غادر أبو عبد الله الصغير الأندلس. حيث استقر بفاس، وعاش هناك حياة لم يعرف أحد عنها شيئًا حتى مات عن عمر يناهز 75 عامًا متهمًا بالعار والخيانة والتفريط. وقد انتقل بعد تسليم غرناطة لفترة وجيزة إلى البشرات ثم رحل إلى المغرب. حيث نزل في مدينة غساسة الأثرية الموجودة بإقليم الناظور ثم حل بفاس إلى أن توفي سنة 1533.

حاول باحثون أركيولوجون -علم الآثار- إسبان سنة 2013 القيام بعمليات تنقيب في القبر بحثًا عن أي دليل يؤكد أن أبا عبد الله الصغير يرقد فعلًا هناك، أي للتأكد من هوية الدفين، وبالتالي دعم ما جاء في الرواية التاريخية عن مكان الدفن أو نفيه. كان المشروع من تمويل الإماراتي مصطفى عبد الرحمن وتحت إشراف السيناريست خابيير بلاغوير الذي اهتم بمعرفة كل ما يتعلق بشخصية أبي عبد الله في إطار إنجازه لوثائقي عنه تحت عنوان «رجل أساء له التاريخ». يفتقر قبره اليوم لكل عناصر احترام الميت بشكل عام. يشعر زائر القبر أنه أمام مزبلة لا مقبرة. وضعية مزرية ومخجلة في رأي البعض، رائحة عفنة، ونفايات، وفضلات وآثار حريق على سقف القبة التي تُظِلُ القبر.

استعرض الباحثون أهم نتائج البحث الأولي التي توصلوا إليها. أكدت صور تحت أرضية وجود قبور تحت قبة الضريح وبقايا تعود على الأقل لشخصين. ما يرجح أن يكون السلطان بين المدفونين بهذا الموقع. تلقى فريق البحث مساعدات إدارية من طرف جهات مسؤولة بفاس للحصول على ترخيص لنبش القبر، ولكن وفي ظل طبيعة هذه النوعية من الإجراءات وصعوبتها، لا جديد اليوم يذكر عن المشروع ولا عن الترخيص ولا عن فريق البحث الذي ذهب ولم يعد. فهل سيستأنف المشروع لاحقًا؟ هل سنتأكد يومًا ما من هوية الدفين؟ ألا يستحق هذا الموقع توسيعًا، وتعريفًا، واهتمامًا، وصيانة، أو على الأقل شيئًا من النظافة؟ لا إجابة عن تلك الأسئلة حتى الآن.