بعد أعوام من الصمت انزوى فيها الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري، نهبا للمرض وضعف الذاكرة أنهى أمس رحلته الطويلة حيث وافته المنية في منزله بمدينة تمارة المغربية التي اختارها محطةً أخيرة طاب له المقام فيها بعد تجوال طويل في أنحاء العالم، ليحلق مع الشعراء الذين رثاهم ويمضي في سلام.

الفيتوري

محمد الفيتوري ، المصدر: tunivisions

غرسوا الحب فلما أثمر الحب
أهدوه إلى الناس وهاموا
غرباء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام

بدأ الفيتوري رحلته مع الشعر في مطلع خمسينات القرن الماضي حين ظهرت حركات النهوض التحرري في الوطن العربي وأمريكا اللاتينية، وانطلقت مجموعة من رواد “الشعر الحديث” بدر شاكر السياب – نازك الملائكة- عبد الوهاب البياتي- صلاح عبد الصبور – أدونيس – نزار قباني – خليل حاوي، تعبر عن أحلام ونضال الوطن العربي، فظهر بينهم صوت منفرد ليضيف بعدًا آخر للمشهد الشعري العربي، حيث راح الشاعر السوداني يستنهض – بحرارة – أفريقيا ويجسد همومها وقضاياها، ويصور في أشعاره محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد العبودية والاستعمار وتوقه إلى التحرر، ويصبح هو “صوت أفريقيا” وشاعرها:


قلها,‏ لا تجبن‏,‏ لا تجبن
قلها في وجه البشرية
أنا زنجي وأبي زنجي الجد
وأمي زنجية
أنا أسود‏,‏ لكني
حر أمتلك الحرية
أرضي أفريقية.

الفيتوري بين أفريقيا والعروبة

شُغل الشاعر بأفريقيا في دوواينه الأولى: “أغاني أفريقيا” 1955، و”عاشق من أفريقيا” 1964، و”اذكريني يا أفريقيا” 1965، و”أحزان أفريقيا” 1966، لكن شجون الوطن العربي لم تغب عن قصائده ليشكل الفيتوري مع عدد من المجايلين له في السوادن ‏(‏محيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن) حالة فريدة من الانتماء للونين مختلفين وتاريخين يصعب المزج بينهما، النزعة الزنجية والولاء العربي.

تلك مأساة قرون غبـرت
لم أعد أقبلها لم أعــــد
كيف يستعبد أرضي أبيض
كيف يستعبد أمسي وغـدي
كيف يخبو عمري في سجنه
وجبال السجن من صنع يدي
أنا فلاح ولي الأرض التـي
 
شربت تربتها من جســدي


 وأصبح الفيتوري صاحب حضور قوي في الساحة الأدبية العربية والأفريقية بقصائده التي تتغنى بالإنسانية والحرية والكرامة والعدالة والحب أيضًا، وأصدر لاحقا عددا من الدواوين، بينها “معزوفة درويش متجول”
(1971)، و”ثورة عمر المختار” (1975)، و”ابتسمي حتى تمر الخيل” (1975)، و”يأتي العاشقون إليك” (1989).

ولد الفيتوري في مدينة الجنينة بدارفور في 24 نوفمبر 1936، ونشأ في مدينة الإسكندرية في مصر، ودرس بكلية دار العلوم وعمل بصحف سودانية ومصرية، كما عمل خبيراً إعلاميًا بجامعة الدول العربية في ستينات القرن الماضي، وبسبب معارضته لنظام الحكم أسقطت حكومة جعفر نميري الجنسية عنه وسحبت جواز السفر السوداني منه في العام 1974، فغادر الفيتوري السودان فتبنته الجماهيرية الليبية ومنحته وثيقة سفر أيام حكم معمر القذافي، وعين ملحقا إعلاميا لليبيا في عدد من السفارات الليبية في المغرب، وروما، والقاهرة، وبيروت، والجامعة العربية.

وهكذا قضى حياته متجولا بين بلدان العربية، فأصبحت البلاد التي مر بها الشاعر ابن السودان ذو الأصول الليبية والمنشأ المصري، وطنا له أيضًا:


«عندما أكون في مصر أصبح مصريًا وفي ليبيا أكون ليبيًا، وهكذا… لذلك لم تكن قصيدتي «منفى»، فأنا دائمًا أشعر بالانتماء إلى كل أرض عربية أعيش عليها».


وفي لبنان – التي استقر فيها لفترة – جمعته علاقات وثيقة بنخبة من اللبنانيين، كان منهم الفنان الراحل منصور الرحباني. ورثى شاعرها بشارة الخوري أو الأخطل الصغير، بقصيدة «أنت في لبنان»:

أنت في لبنان…

والشعر له في ربى لبنان عرش ومقام

شاده الأخطل قصرًا عاليًا

يزلق الضوء عليه والغمام

وتبيت الشمس في ذروته

كلما داعب عينيها المنام

أنت في لبنان …

والخلد هنا

والرجال العبقريون أقاموا

حملوا الكون على أكتافهم

ورعوا غربته وهو غلام

وعندما كتب الفيتوري رثاءه الشهير في عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني الذي أعدمه النميري طلب الأخير من السلطات اللبنانية طرده من بيروت، فغادرها إلى دمشق ومنها جال في بلاد العالم .

وبعد سقوط القذافي سحبت منه السلطات الليبية جواز السفر الليبي، فأقام بالمغرب، وفي العام 2014، عادت الحكومة السودانية فمنحته جوازَ سفرٍ دبلوماسيًا.

وتشابهت تجربة الفيتوري إلى حد بعيد مع تجربة الروائي السوداني الطيب صالح، واحتل في قلوب السودانيين نفس المكانة، وقد قُدّر لكل منها أن يعبّر عن بلاده، ويصبح صوتها، رغم الابتعاد الجغرافي عنها، ومع ذلك فقد تسنى لهما اللقاء في ثمانينات القرن الماضي في مدينة أصيلة، وكان يُروى بين الأدباء أن السودان تعرف بأنها بلد الطيب صالح، والفيتوري.

الفيتوري مشاكسًا

وعُرف الفيتوري في لقاءاته بمواقفه التي تشي بنوع من تضخم الذات الشعرية لديه، حيث لم يسلم من هجومه أبناء جيله من الشعراء ولم يعترف بمواهبهم ومنهم عبدالوهاب البياتي ومحمود درويش، وظل يرى في نفسه أشعر الشعراء، ورغم كونه دبلوماسيًا إلا أنه أصر على أن يكتب في خانة المهنة في جواز سفره: شاعر.

وبين فترات التألق والفترات التي غاب فيها عن المشهد بسبب الإحباطات التي عانى منها أيضا أدباء وشعراء جيله في التسعينات خاصة، ظل الفيتوري يكتب شعره عن هموم الوطن العربي حتى آخر دوواوينه «عريانًا يرقص تحت الشمس» الصادر في بيروت العام 2005، والذي توقف بعده عن التدفق شعرًا وتمكّن منه المرض وانزوى في منزله في مدينة تمارة المغربية قرب الرباط حتى وافته المنية ليرقد – كما قال- فوق حقول البلاد:

سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق
حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد