التقرير يتحدث عن خيارات المتاحة أمام الشركات الدولية في ظل الأوضاع التي تعيشها دول الحروب

دفعت وقائع الحروب المستمرة، التي عاشتها أغلب الدول العربية خلال الفترة الحالية، وتعاظم نفوذ التنظيمات المسلحة على أغلب المناطق الواقعة في هذه البلدان، عددًا من الشركات الأجنبية الكُبرى، للانسحاب من هذه البلدان، على خلفية عدم القدرة على تأمين موظفيها، وانخفاض الأرباح التي تدخل خزائن هذه الشركات، جراء حجم استثماراتها في هذه البلدان.

انتهجت أغلب الشركات الأجنبية الكُبرى، خيار الانسحاب من دول كسوريا والعراق وليبيا، فيما سَلَكت شركات أُخرى، خيارًا مُغامرًا، بإبقائها على استثماراتها في هذه الدول، مُقابل ترتيب أوضاعها بصفقات مع الجهات المُتصارعة في تلك الدول.

الانسحاب وتخفيض العمالة

مَثَّلَ خيار الانسحاب من المناطق التي تخضع لسيطرة التنظيمات المسلحة، الحل الأفضل لأغلب الشركات العالمية، بعد رسائل تهديد من جانب تلك التنظيمات لهذه لشركات، ما شكّل بدوره صعوبة في استمرارِ العمل، وتحقيق أرباحٍ في ظل التهديدات الأمنية المُستمرة للعمال، وحصار مناطق استثمار تلك الشركات.

وتحتل ليبيا، القائمة الأولى ضمن قائمة دول الصراع، التي تعرضت لأكبر نزوح جماعي للشركات الأجنبية، التي كانت تستوطن البلد الذي يستحوذ على عاشر أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ويحتل المرتبة 17 في إنتاج النفط عالميًّا، إذ تبلغ الاحتياطيات المؤكدة من النفط الخام في ليبيا نحو 46,42 مليار برميل، أي نحو 3,94% من احتياطي العالم، و6,36% مما تنتجه المنظمة العربية المصدرة للنفط (أوابك)، و4,87% مما تنتجه الدول المصدرة للنفط (أوبك).

من أبرز الشركات، التي نقلت مشاريعها الاستثمارية عقب اندلاع الحرب في ليبيا، وتفاقم الأوضاع الأمنية، شركة «ريبسول» الإسبانية للنفط، التي كانت تُدير حقل الشرارة الليبي، على خلفية ما قاله مسؤولون عن الشركة: «الفوضى الأمنية التي تقودها ميليشيات متطرفة بينها تنظيم داعش الإرهابي».

العديد من الشركات العالمية اتخذت خيار الانسحاب من مناطق الصراع

وكانت شركة ريبسول، تستحوذ على 10% من أصول حقل الشرارة، الذي كان يُنتج نحو 400 ألف برميل يوميًّا، بالشراكة مع مؤسسة النفط الوطنية (75%)، وشركة توتال الفرنسية، وشركة «أو. إم. في.» النمساوية.

وتدخل العراق ضمن قائمة دول الحروب، التي اضطرت فيها شركة النفط الوطنية الأنجولية «سونانغول»، لنقل مشاريعها، والانسحاب بسبب المشاكل الأمنية، التي تهدد وجودها في شمال غرب العراق، إذ كانت الشركة تُدير حقلي نفط: «القيارة» و«النجمة»، الواقعين في محافظة نينوى شمال غرب العراق، حيث ينشط مسلحون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وحسب، أنابيلا فونسيكا، العضوة بمجلس إدارة شركة سونانغول، فإن انسحاب الشركة مرتبطٌ بعدم قدرة الشركة على تنفيذ أية أعمال؛ نظرًا للأوضاع الأمنية، وانتشار التنظيمات المسلحة في أماكن العمل، وتهديد الشركات الموجودة باختطاف العاملين فيها، مقابل الانسحاب من حقول البترول لصالحهم.

وتقدر الاحتياطيات النفطية في حقل القيارة، بنحو 800 مليون برميل، وفي حقل النجمة بحوالي 900 مليون برميل، وتبلغ حصة سونانغول في الحقلين 75%.

وأضافت أنابيلا: «الشركة أعلنت حالة القوة القاهرة العام الماضي، وهو ما قبلته بغداد في ظل ارتفاع نفقات سونانغول، وقد عجزت عن تطوير الحقلين».

شركة «بريتش بتروليوم»، هي أحد المستثمرين الرئيسيين في العراق، اضطرت هي الأخرى للانسحاب من هناك، على خلفية التوترات الأمنية، وتوسع سيطرة «تنظيم الدولة» في مناطق عملها.

وتندرج ضمن قائمة الشركات الكُبرى، التي اتخذت خيار الانسحاب من العراق، شركة «إكسون موبايل»، التي خفضت مستويات العمالة، وانسحبت من مشروعها النفطي في جنوب العراق، على خلفية انخفاض الأرباح المتوقع أن تجنيها من مخزون النفط في حقل «غرب القرنة1»، والذي يزيد حجم احتياطياته على ثمانية مليارات برميل.

شركة لافارج للأسمنت.. الاستمرار في سوريا بتمويل «تنظيم الدولة»

سعت بعض الشركات الأجنبية للتحايل على الأوضاع المضطربة في البلدان العربية، وتوسع سيطرة التنظيمات المسلحة، بترتيب ما يُشبه الصفقات الخفية مع هذه التنظيمات، بحيث تكفل لهم الاستمرار في أعمالها، مقابل تمويل هذه التنظيمات المسلحة.

«لافارج» الفرنسية، الشركة الأولى عالميًّا في صناعة الأسمنت، والتي تبلغ القدرة الإنتاجية لها 2.6 مليون طن من الأسمنت سنويًّا داخل سوريا، هي واحدة من هذه الشركات، التي نجحت عبر ترتيبات من وراء الستار مع «تنظيم الدولة»، بين عامي 2013 و2014، في توقيع اتفاق معه، يكفل للشركة استمرار عملها داخل سوريا، تحت حماية التنظيم، مقابل تمويل الشركة له.

اتجاه الشركة العالمية لهذا الخيار، كان مرتبطًا بحجم الأرباح الخيالية التي تُحققها في سوريا، حيث تُعد الشركة أكبر كيان استثماري أجنبي في سوريا خارج القطاع النفطي، بجانب احتكارها لسوق الأسمنت، إذ يبلغ إنتاج الشركة 10 آلاف طن من الأسمنت يوميًّا، بسعر 550 ليرة سورية، لكل 50 كيلوجرامًا.

شملت تسهيلات «تنظيم الدولة» للشركة الفرنسية استمرار تشغيل معملها، الذي يعرف باسم معمل «الجلبية للأسمنت»، الواقع شمال شرق حلب، وتأمين أماكن سكن الموظفين التابعين لها، والسماح لسيارات النقل التابعة للشركة، بالمرور من الحواجز المرورية التي يضعها التنظيم، عبر منحهم تصاريح عبور رسمية بختم التنظيم.

شركة لافارج الفرنسية اختارت البقاء في سوريا مقابل تمويل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

شملت التسهيلات كذلك تزويد الشركة بكميات كبيرة من الوقود، وشاحنات من البوزولان، وعشرات الشاحنات من النفط، اللازمة لصناعة الأسمنت بمصانعها.

هذه الامتيازات الممنوحة للشركة الفرنسية، من جانب «تنظيم الدولة»، كان المُقابل لها هو منح الشركة تمويلًا لعناصر تابعة للتنظيم في العمليات الميدانية المتنوعة، سواءً كانت داخل سوريا أم خارجها، بجانب تخصيص نسبة من أرباح مبيعات الشركة للتنظيم.

الاستثمار تحت حماية الأنظمة الديكتاتورية

الخيار الأخير للشركات العالمية في دول الحروب، هو التحالف مع الأنظمة الديكتاتورية الفاقدة للشرعية، مستغلة حالة التململ التي يعيشها النظام، في استنزافه ماليًّا، عبر شراكات وصفقات مالية مُشتركة بين الطرفين، تُحقق للكيانات الاستثمارية أرباحًا كُبرى، مقابل منح الشرعية الزائفة باستقرار النظام السياسي.

هذه الحالة تتجسد في الشراكة القائمة بين شركة هواوي، أكبر الشركات الصينية في مجال صناعة مُعدات الاتصالات حول العالم، ونظام بشار الأسد، الذي وجد في الشركة، حلًّا من بين الحلول القائمة لمنحه الشرعية المفقودة، مُقابل عقد واحدة من كبرى الصفقات، وتأمين أعمال الشركة في مناطق سيطرته.

اختارت شركة هواوي للاتصالات الصينية، أن تعمل تحت مظلة نظام بشار الأسد

في نهاية عام 2015، تجددت الشراكة بين الطرفين، بتوقيع اتفاقية تشمل تأسيس شبكة واسعة النطاق لخدمات الإنترنت، الذي يدخل ضمن مشروع بشار الأسد، المعروف بـ«الإستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات»، الذي سينتهي بحلول عام 2020، وسيتولى فيه العملاق الصيني، إصلاح وتطوير البنية التحتية للاتصالات في سوريا، وتقديم خدمة استشارية لوزارة الاتصالات والتكنولوجيا السورية.

يُذكر أن شركة هواوي، عقدت اتفاقًا في 2011، مع الحكومة الإيرانية، لتركيب معدات لكبرى شركات المحمول الإيرانية، كجزء من منظمة استحدثها النظام الإيراني، لتعقب الأشخاص عبر إشارات هواتفهم المحمولة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد