سياسي أمريكي من واشنطن يجوب بطائرته الخاصة بين العواصم الأوروبية المختلفة، ليجتمع بقيادات الأحزاب اليمينية والشعبوية ويقدّم لها التوجيه والمساعدة، ومن أوروبا إلى اليابان ليُلقي خطابًا على المُحافظين اليابانيين، وفي كل مكان يحلُّ فيه يندّد بالليبرالية ويطالب بحقوق العمال والطبقة المتوسطة، ويهاجم النخب السياسية حول العالم.

أدارت عدسات الإعلام ظهرها إلى ستيف بانون بعد أن أقاله ترامب من منصبه السابق كبيرًا لمستشاري البيت الأبيض للشؤون الإستراتيجية، ولكن مسيرة بانون السياسية، في نظره، انطلقت من جديد. في هذا التقرير نستعرض أفكار بانون الذي تصعب قولبته في تصنيف واحد.

ستيف بانون.. محارب في صعود

بقدر ما كانت الثورة الإيرانية عام 1979 حدثًا محوريًا في تاريخ المشرق الذي ما زال يعيش آثارها حتى اليوم، فقد كانت كذلك حدثًا مؤثّرًا في تفكير كثير من الأمريكيين. في 24 أبريل (نيسان) 1980 قُتل ثمانية جنود أمريكيون في عملية عسكرية فاشلة لإنقاذ رهائن أمريكيين احتجزهم الثوار بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، عاصمة إيران، ردًا على استضافة الولايات المتحدة للشاه المخلوع محمد رضا بهلوي.

 طلاب إيرانيون ثوريون يقتحمون السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

طلاب إيرانيون ثوريون يقتحمون السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

هذا المشهد كان نقطة تحوّل في حياة بانون المندهش من ضعف الموقف الأمريكي، وعجز الرئيس عن حماية مواطنين أمريكيين، وتحوّلت أسئلته عن أسباب الانحدار الأمريكي إلى هم يوميّ يعيشه بانون، حاول معالجته بقراءات مكثّفة وواسعة النطاق عن تاريخ العالم، وتاريخ الولايات المتحدة وثورتها، ثم الحرب الأهلية والحرب العالمية الثانية، وصولًا للوقت الحاليّ، مع قراءة واسعة في الفلسفة والسياسة، وتصف إحدى مساعداته بيته الذي كان يمتلئ في بعض الفترات بالكتب؛ «أذهله ما فعلته «الثورة الإسلامية»، وما شهده من انحسار النفوذ الأمريكيّ، ودفعه ذلك للتعرّف أكثر على الإسلام».

لم تكن هذه المرة الأولى التي يسمع فيها بإيران ولا بالشرق الأوسط، فبانون، مواليد 1953، عملَ بعد تخرجه من الثانوية في البحرية الأمريكية، وخدمَ آنذاك في الخليج العربيّ، مباشرةً بين إيران ودول الخليج، في إحدى أشد مناطق العالم تأزمًا وتسلّحًا. لاحقًا نُقل لوزارة الدفاع وعمل في البنتاجون مساعدًا خاصًا لرئيس عمليات البحريّة، وفي الفترة ذاتها حصل على درجة الماجستير في دراسات الأمن القومي في جامعة «جورج تاون» إحدى أرقى الجامعات الأمريكية، وألحقها بشهادة في إدارة الأعمال – بعد خروجه من الجيش – من جامعة «هارفارد».

وجاءت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 لتقود حياة بانون باتجاه آخر. رأى بانون أن الثورة الإسلامية، وأحداث الاعتداءات على أمريكا والغرب بأشكالها المختلفة وصولًا لهجمات سبتمبر في داخل أمريكا، جميعها إشارات لحرب ضد الحضارة الغربية، بطبيعتها وأصلها «اليهوديّ المسيحيّ Judeo-Christian». في سياقات مختلفة يشير بانون إلى أهمية العنصر المسيحي، والمسيحيين المؤمنين، في حراكه الشعبويّ الجديد. وهذا الفهم يدفعه دائمًا للتأكيد على أنه «في حرب» مستمرة، وأن السياسة ما هي إلا ممارسة مختلفة للحرب.

بعدَ تجارب مختلفة لصناعة أفلام وثائقية يروّج فيها لأفكاره، وجدَ ستيف بانون أنه بحاجة لمساحات عمل جديدة تسمح له بتأثير أكبر، خاصةً بعد النجاحات الضئيلة لأفلامه وعوائدها. وهنا جاء دخوله المباشر في السياسة الأمريكية بأفكار مركّبة من اليمين واليسار، وبالرغم من ذلك حصدت ثمارها.

سياسة

منذ 3 سنوات
«ستيف بانون» شبيه ترامب.. اللهو الخفي في إدارة البيت الأبيض

ضدّ «الطبقة السياسية» الفاسدة

يرى ستيف بانون أن النخبة السياسية في أمريكا على الجهتين: جمهوريين، وديمقراطيين، نخبة فاسدة، ويجب التخلص منها. يسمّيها بانون بـ«الطبقة السياسية الدائمة»، ومشكلته الأساسية معها أنها لا تعمل على حماية المصالح الأمريكية وتقويتها بقدر ما أصبحت متكيّفة ومتصالحة مع انحدار القوة الأمريكية، وتصالحها مع هذا الواقع وتحولها لنخبة تسيّر عملية الانحدار، بدلًا عن مقاومتها. ولا يقف الأمر في نظر ستيف بانون عند هذا الحد، بل في ذات الوقت تنتفع هذه النخب بشكل شخصي من الانحدار، وتُثري نفسها وتديم بقاءها في السلطة السياسية، ويرى أنها تتلكؤ عن تنفيذ مطالب ناخبيهم الذين أوصلوهم لكراسي السطلة.

قد يتبادر إلى الذهن أن ستيف بانون يعادي أوباما والديمقراطيين مثلًا، ولكن لا، بانون يذهب أبعد من ذلك؛ يعادي معظم دوائر حزب المحافظين، ويعرّف الحزب ومؤسسته بأنهم العدو الحقيقيّ لمشروعه وللأمريكيين بتقاعسهم وفسادهم. وبالفعل شنَّ عدة مرات حربًا إعلامية ضروسة على مرشحين ورموز جمهوريين؛ ما أدى إلى إبعاده عن مؤتمرات الحزب ومناسباته الرسمية.

يعتبر ستيف بانون أن فوز بيرني ساندرز بالانتخابات الرئاسية، بالرغم من توجهاته اليسارية الشديدة، خيرٌ من فوز مرشح جمهوريّ عادي، أو بالأحرى غير شعبويّ. فوجهات نظره أقرب لساندرز من بقية الجمهوريين. ببساطة، يرى بانون الديمقراطيين والجمهوريين العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة – وفي الكونجرس (المؤسسة التشريعية)، وفي الحكومة (المؤسسة التنفيذية) – فاسدين، ويعملون لمصالحهم، وأمريكا الآن بحاجة لمن يتحدث باسم الناس، باسم الشعب، باسم العمال والطبقة الدنيا والمتوسطة. الغاضبون، والمتروكون، والمجهولون، هذه الفئات التي لا يلتفتُ إليها أحد في السياسة الأمريكية هي التي يستهدفها بانون بشكل مباشر.

لا حل لفساد وضعف الساسة الأمريكيين إلا بقيادة شعبوية، تتحدث بلغة الناس وبشكل مباشر عن المشاكل التي تؤلمهم، ويرى بانون أن هذا ما استطاع ترامب فعله، ولذا فاز، ولكن فوزه لا يعني انتهاء المشوار، بل بداية معركة جديدة، على الرئاسة فيها أن تناور مؤسسات الدولة وتتخطاها لتحقق أهدافها الجذرية التي انتُخب ترامب لأجلها. أداة المناورة هو الإرباك الشديد، والإستراتيجية هي «تفكيك الدولة الإدارية». هذه العقيدة السياسية الداخلية التي يتبناها ستيف بانون، والتي تشبّع بها ترامب. وفي كثير من الحالات أثبتت فاعليتها.

استعمل ترامب تكتيك الإرباك في أول أيامه بالبيت الأبيض. وهو ببساطة: إصدار حزمة قرارات تنفيذية من الرئاسة دفعةً واحدة. ومن ثمّ ترتبك مؤسسات الدولة، مثل الكونجرس، الذي يتطلب إنفاذ اعتراضه على أحد قرارات الرئيس وقتًا عدا جمع أصوات كافية لمنعه، وهذا في ظلّ حضور ديمقراطيّ مشتت ومفكك. كثرة القرارات تشتت المؤسسات والمعارضة، وتستهلك مواردهم. والأهم من ذلك تضعهم دائمًا في خانة رد الفعل لا الهجوم.

ستيف بانون (الأول من اليمين) في مكتب الرئيس في البيت الأبيض. الصورة عام 2017.

أما وسائل الإعلام، «الغبية والكسولة» بحسب وصف بانون، فلا تركّز بسبب كسلها إلا على قرار واحد، يكون أحيانًا الأقل خطورة مقارنةً بباقي القرارات التي تمرّ بسلاسة، وهذا ما حصل بعد إعلان ترامب حظر مواطني مجموعة من الدول ذات الأغلبية المسلمة من دخول الولايات المتحدة، حتى ولو كانوا حاملي إقامة دائمة، تحفظًا من خطر دخول «إرهابيين» للبلاد. أثار ذلك القرار ضجة وصخبًا عالميًا لا محليًا فحسب، وبعده بيوم تم تمرير قرار آخر يوسّع صلاحيات مجلس الأمن القومي، ولم يلتفت إليه أحد.

وهكذا مع تشتيت الجميع بالقرارات الصاخبة، تمرر الرئاسة من تحتها قرارات ذات آثار تنظيمية وهيكلية على النظام وعلى أفرع الدولة المختلفة، بهدف بعيد المدى: تفكيك الشكل الحالي للدولة الأمريكية، بل التخلّص من بعض أجزائها، على حد تعبير ستيف بانون.

شعبوي يغازل جيوب العمّال

الشعبوية التي يقدّمها بانون مزيج من عدة أفكار: محافظة، ويسارية، وأخرى يمينية وقوميّة.

عدا ادّعاء شعبويته تمثيلها لصوت الناس والشعب، تدعو هذه الشعبوية اليمينية إلى الحفاظ على حقوق العمال، والطبقة المتوسطة الدنيا والطبقة الفقيرة، بل يستخدم في خطابه كلمات يساريّة ماركسيّة مثل: «اضطهاد العمال»، ويعبّر عن رفضه لبنية الاقتصاد الأمريكيّ الذي لا يملك العامل فيه شيئًا من إنتاجه أو من الربح – الفائض – ويصف النظام الاقتصادي بـ«الإقطاعية الجديدة Neo-Feudalism».

ويقول إنه سعى أثناء تواجده بالبيت الأبيض لفرض ضريبة تصل إلى 44% على الدخل، ويحذّر الديمقراطيين الذين يعادونه: «لو لم تدعموا هذا القرار، فسيأتي يومًا ما اليسار الشعبوي ويفرض عليكم ضريبةً على الأصول المالية التي لديكم، ليس على الدخل فحسب».

«قومية اقتصادية» تعمل على حماية مصالح كل من هو مواطن أمريكيّ، على اختلاف الإثنية أو اللون أو المعتقد. يُقدّر ستيف بانون بأن هذه التركيبة يمكن أن توفّر له دعم 25% من أتباع بيرني ساندرز، وثلث الأمريكان السود من العاملين وأبناء الطبقة الوسطى، وأكثر من ثلث الهسبان. عدا عن المحافظين واليمينيين بالطبع، الذين يحتويهم خطابه أيضًا بتأكيده المستمر على الطبيعة المسيحية للولايات المتحدة، وعلى ضرورة توفير نظام اقتصاديّ يسمح للأمريكي بالزواج، وتأسيس عائلة مستقرة بدخل مستقر وقابلة للنمو. ولا داعٍ لذكر شعار «أمريكا أولًا»، فهو الصبغة الطابعة لكل أفكار ستيف بانون.

هذه الأفكار الشعبوية تبني «نحن»، بحاجة لآخر، والآخر يختلف باختلاف الموضوع؛ اقتصاديًا العدو هي الصين، وسياسيًا العدو هو «الحضارة الإسلامية» الصاعدة لتدمر الحضارة الغربية، أو يحصلَ العكس.

الصين خطرٌ وجودي

يعتبر ستيف بانون الصين خطرًا وجوديًا على الدول الرأسمالية الديمقراطية، يهدد بقاءها وبشكل خاص يهدد اقتصادها. والسبب بسيط؛ السعي الممنهج والمستمر لنقل عمليات التصنيع من الولايات المتحدة إلى الصين، وتحويل الاقتصاد الأمريكي من اقتصاد صناعيّ إلى اقتصاد استثماريّ ماليّ فحسب. هذه العملية التي يتحدث عنها ستيف بانون هي ذات الأمر الذي يتحدث عنه المنظر اليساري الشهير نعوم تشومسكي في فيلمه الوثائقيّ الشهير «تأبين الحلم الأمريكي».

على مدى العقود الثلاث الماضية دأبت الشركات الأمريكية على نقل عمليات التصنيع خارج الولايات المتحدة، وبشكل أساسيّ للصين. ما خطر ذلك على الولايات المتحدة؟ نقل عملية التصنيع يعني نقل المصانع بأكملها، بمعداتها وتقنياتها إلى الصين، ليعمل في هذه المصانع عمال صينيون بأجور منخفضة وظروف سيئة ما يزيد من ربح المستثمرين، بدلًا عن إبقائها في أمريكا ليعمل فيها أمريكيون برواتب أعلى بكثير، وهذا ما دفع النخبة الاقتصادية الأمريكية لتصدير التصنيع إلى الصين، التي انتقلت لتصبح مُصدّرا كبيرًا للولايات المتحدة، عدا اتهام الأمريكيين لها بسرقة التكنولوجية الأمريكية. خلاصة هذه العملية؛ المستثمرون ينقلون الوظائف من الولايات المتحدة للصين.

هذه العملية، بالإضافة لسياسات الصين الداخلية التي تسمح للدولة بالسيطرة على معظم مفاصل الاقتصاد، سمحت للصين أن تستفيد من حسنات النظام الرأسمالي العالمي دون أن تؤدي واجباتها تجاهه، وفقًا لتقدير ستيف بانون، الذي يرى أيضًا أن اجتماع سياسات اقتصادية كالتي لدى الصين مع الاستبداد السياسي للحزب الشيوعي وسحقه لأي صوت معارض، يشكّل هذا خطرًا وجوديًا على الولايات المتحدة، أو بالأحرى على سيادتها وسيطرتها الاقتصادية والسياسية على النظام العالميّ.

هنا جانب جديد في أفكار بانون؛ على عكس اهتمام السياسة الخارجية طوال نصف قرن بروسيا (والاتحاد السوفيتي) كان عليهم الاهتمام بالصين، فهي الخطر الحقيقيّ آنذاك والآن. بالنسبة لبانون فروسيا «ليست شيئًا يذكر»، وستضمحل قريبًا بسبب انخفاض التعداد السكاني، ولن تعيش بدون صفقاتها لبيع الغاز لأوروبا. ومن هنا لا خطر مركزي لروسيا في تصوّر بانون عن العالم.

لكن الصين، ومع الصين دولتان أُخريان لهما مستقبل يهدد الهيمنة الأمريكية؛ إيران (التي يسميها أحيانًا باسمها القديم؛ فارس)، وتركيا. وينظّر بانون إلى أنّ هذه الدول الثلاث ستنمو اقتصاديًا وعسكريًا وستشكّل محورًا دوليًا يهدّد الولايات المتحدة. إذ تتعاون الصين مع إيران تحديدًا ومع تركيا اقتصاديًا، وحلفاء هذه الدول يتعاونون مع الصين أيضًا.

هذه التصور عن الصين وموقعها في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدولية مهم لفهم هذا الجناح الشعبويّ في الولايات المتحدة، الذي اكتسب زخمًا استطاع تحويله لنصر رئاسي في انتخابات 2016 وربما ينجح مجددًا في انتخابات 2020.

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فرؤية بانون، المطابقة لرؤية ترامب، هي ضرورة إنهاء الحروب الأمريكية في المنطقة، وضرورة انسحاب القوات الأمريكية وإعادة الجنود لبيوتهم، لسبب بسيط؛ الحرب «مَخسَرة» للاقتصاد الأمريكي فضلًا عن فشل الحرب في تحقيق أهدافها، بالرغم مرور 18 عامًا مثلًا على الحرب في أفغانستان. هذا الانسحاب يعني بالضرورة انخراطًا أمريكيًا أقل في شؤون المنطقة، ولكن توازنه في الجهة الأخرى عقوبات اقتصادية صارمة، مثل التي تعانيها إيران الآن. وبالنسبة لبانون فهو داعمٌ لتجاوز هذا الخط والتقدم نحو إيقاع حصار شامل على إيران لإخضاعها، بقطع الغذاء والطاقة.

مع ضرورة الانسحاب من الشرق الأوسط، وإنهاء الحروب الأمريكية العالقة، سيتم توفير مال الحرب لتنفقه أمريكا على ملفات أخرى أهم؛ محاربة الصين. ويبدو أن رؤيته للتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط تأتي ضمن هذا الإطار لمعاداة الصين وتحجيم وجودها.

جدار حول أمريكا

قضية الجدار الحدوديّ بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع دخول المهاجرين «اللاقانونيين» للولايات المتحدة إحدى القضايا التي شتّت وأربكت مؤسسات الدولة الأمريكية، وأثارت خلافًا حادًا مع الكونجرس.

بانون مهندس «الخطاب الترامبيّ» وضعَ من اليوم الأول عامودين أساسيين في خطاب ترامب؛ الاقتصاد، والمهاجرين. في كل خطاباته تحدث ترامب عن الاقتصاد، وضرورة إعادة المصانع والوظائف لداخل الولايات المتحدة، وإيقاف النزيف الاقتصادي بسبب الحروب، ثمّ العدو الآخر – المُتخيّل – للعمال؛ المهاجرون غير الشرعيين القادمين من المكسيك. أما جدار ترامب فهو التجسيد الملموس، والبسيط الذي يقدر الجميع على فهمه، لوعد ترامب بقطع الطريق على المهاجرين.

جزء من الجدار الحدوديّ بين الولايات المتحدة والمكسيك.

مشكلة بانون مع المهاجرين من منظور اقتصادي أن دخولهم للبلاد يعني وَفرة في الأيادي العاملة، ومن ثمّ تقلّ أجرتها، وهذا يضع ضغطًا مباشرًا على العمالة الأمريكية الإفريقية والهسبانية. وبالنسبة لبانون فلديه مشكلة أيضًا مع اللاجئين الشرعيين وسعى أثناء تواجده بالبيت الأبيض لفرض نظام هجرة جديد يصعّب الهجرة على الأجانب، ويقلل من أعداد المقبولين، وبالفعل استطاع تطبيق ذلك.

معاداة الآخر وإغلاق الباب في وجه المهاجرين واللاجئين؛ يمسّ جوهر ماهية الشعب الأمريكي الذي قام على المهاجرين في المقام الأول. وهذا ما يدركه بانون ويعبّر عنه بقوله أن هذه الحرب هي الأزمة الرابعة بتاريخ الأمة الأمريكية. فالأولى هي الثورة الأمريكية، ثم الحرب الأهلية، ثم الحرب العالمية الثانية، والآن هذه الحرب التي ستغيّر فهم الأمريكيين، وفقًا لبانون، لما تعنيه أمريكا، والأمة، والدولة، والسيادة، ويرى أنّ مجرد دفع هذه الأجندة لتصبح في واجهة النقاش الأمريكي فهذا نجاح بالنسبة له، ولا يهمه هل سيقسّم خطابه المجتمع الأمريكي أم لا، «فهو منقسم بالفعل»، وانقسامه جزءٌ من عملية إعادة تشكّل الهوية الأمريكية.

بانون.. «نبي الشعبوية العالمية»

منذ إقالته من البيت الأبيض في أغسطس (آب) 2017، يتنقّل ستيف بانون بين العواصم الأوروبية والولايات المتحدة بحثًا عن شعبويين مثله، من أي اتجاه كانوا، ليشكّل معهم تحالفًا عالميًا هدفه وضع أجندة للحراك الشعبويّ فيها شيء من الاتّساق، بالإضافة لبناء منصة تجمعهم ليتحدثوا ويتشاركوا الأفكار والمعلومات، ويقدموا الخدمات لبعضهم البعض. وتأتي مساعيه هذه في ظرف دعوات أخرى لليسار الجديد تدعو لإقامة حلف عالميّ مناهض.

حتى اللحظة لم تظهر بوادر قيام هذا الحلف العالميّ، ولكن بلا شك فإن سعي بانون لإقامته لم يتوقف. وقد مهّد لقيامه بالفعل بتقديمه لخدمات استشارية لعدة أحزاب يمينية وشعبوية في أوروبا، عدا فضيحة بانون الكبرى؛ «كامبريدج أنالتيكا»، شركة البيانات التي استخدمها ترامب في حملته الانتخابية وقدّم بانون، أحد مؤسسيها وناقشُ اسمها وخدماتها للمحافظين البريطانيين في حرب استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

بانون قادر على التقاط التوجهات العالمية الجديدة. سياسيًا يرى أن الصعود القادم سيكون للشعبوية. قدرته على الالتقاط تمتدّ للأدوات. شركته «كامبريدج أنالتيكا» ذات أثر كبير على فوز ترامب في انتخابات 2016 وبانون هو الذي وجّه عملها. تطويره للشركة وخدماتها التقنية التي فاجأت المجتمع الأمني الأمريكي والدولي بالوصول للناخبين بطريقة فعّالة تسمح بالتأثير على آرائهم، ما يهدد الديمقراطيات الغربية، في نظر كثير من المحللين الغربيين، إلى الحد الذي دفع موظفة سابقة في شركته لتصف أدوات الشركة بأنها بـ«مستوى الأسلحة» في خطورتها. والمفارقة هنا ادّعاء بانون سعيه للحفاظ على هذه الديمقراطيات في وجه المَد الصيني والإسلامي ضدها.

ستيف بانون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حملته الانتخابية قبل فوزه، عام 2016.

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عادَ بانون للولايات المتحدة من إحدى رحلاته الخارجية، ليفتتح «غرفة حرب» جديدة ليقود جهودًا للدفاع عن الرئيس ترامب أمام محاولات الديمقراطيين لعزله، وليجذب من لديه تسريبات داخلية قد تعرقل عملية العزل. هذا هو بانون؛ مزيج من الأفكار الاقتصادية والسياسية البراغماتية، بشخصية جذّابة ورؤية لنفسه بأنه صاحب رسالة ومشروع يعمل على دعوة الناس لها، ويشعرهم بأنهم جزء من مجتمع عالمي وثوري أوسع. إذ يرى ستيف بانون أن المستقبل للشعبوية، والمستقبل وحده كفيلٌ بالحكم.

سياسة

منذ 3 سنوات
جيسي كلافر: الأنيق المغربي الأصل الذي هزم الشعبوية الأوروبية

المصادر

تحميل المزيد